ظل مريم: سيرة قلب عابر للحدود

ظل مريم: سيرة قلب عابر للحدود

كلُّ شيء هنا يتساوى مع الطين، ويعيدني إلى البدايات الأولى، فكيف يُمسَح الغبارُ عن ذاكرةٍ لا زالت تحت هيمنة الصمت..؟!
أدرك جيداً مدى الحزن الذي سيطاردني حين أنكشف على كل ما انحسر من أيام أبي الحبلى بالدفء والحنين. سأمرّر أصابعي بهدوء مطلق على شجرة التوت التي كان يتوّج إبداعه تحت ظلال أغصانها بالقرب من النبعة. أنكسر كناي حزين وأنا أعبر ما ظلّ عالقاً من رخامة أصداء صوته، ثم أتلاشى مثلَ عطر خرافيّ في رائحة جسده التي تعانق جدران غرفته القديمة، ومكتبته الصغيرة، ومعطفه الرماديّ المعلّق فوق طاولته الخشبية التي لا زالت تحافظ على أناقتها.
لا يسعُ ذاكرتي، عبر خمس وعشرين سنة قضيتُها مع أبي، سوى أن تحتشد ببقايا كلماته التي تعبر في كل لحظةٍ جسورَ نفسي المثقلة بالألم، فأهمس لها أنْ لا جدوى من انبعاث الصدى في صحراء القلوب المنسيّة.
كانت أمي تصالح أيامها الأولى هنا في فناء هذا البيت الفارغ من كل شيء سوى الحنين. مررتُ بها وهي تنشر عينيها في الزوايا، تضيء ما أظلم منها، وتجعل الماء ينسحب على أحجارها، فتسقي زيزفونة آثرت الوقوف رغم طغيان الزمن، ثم تعيد تقليم الأغصان اليابسة.