Author - admin

المترجمون واعتبارات السوق ..

المترجمون واعتبارات السوق والسياسة.. "كتّاب الظل" يتحدثون عن الترجمة إلى العربية ومشكلاتها

كان القرن التاسع الميلادي بمثابة العصر الذهبي للترجمة، ففي زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد أصبحت بغداد عاصمة العلم والترجمة، مع إنشاء دار الحكمة التي كانت أول مؤسسة عربية تهتم بنقل العلوم والآداب والمعارف من اليونانية والفارسية والسنسكريتية والسريانية وغيرها من اللغات المنتشرة آنذاك. وفي محاولة لمعرفة واقع الترجمة إلى العربية حديثا، استطلعت الجزيرة نت آراء بعض الناشرين عما يدفعهم للترجمة في الزمن الراهن. يقول مدير النشر والتوزيع في "الدار العربية للعلوم ناشرون" غسان شبارو إنهم يسافرون عبر القارات والمجتمعات، وأحيانا عبر الزمن، للتعرف على الثقافات والتواريخ والتجارب، "ولنمد جسور تفاهم إنساني بين مختلف الحضارات والجنسيات". ويشرح الأكاديمي والدبلوماسي اللبناني السابق خالد زيادة في حديثه للجزيرة نت أن الترجمة نوع من المثاقفة، قائلا "لكي نواكب تطور المعارف، من الضروري أن نترجم للأجيال الجديدة من لغات متعددة وميادين مختلفة". من جهتها، تؤكد مديرة التحرير في دار "الساقي" رانية المعلم للجزيرة نت أنها ودار النشر التي تعمل بها تترجم "للتأكيد على وجودنا كجزء من الثقافة العالمية، ولكون الثقافة والفكر حالة إنسانية عامة، ومن واجبنا كناشرين أن نكون صلة وصل بين القارئ العربي وما ينتجه الفكر والأدب الإنساني في كل مكان".

كاتب الظل

يطرح بعض الباحثين أسئلة جوهرية حول غياب شخصية المؤلف وظهور شخصية المترجم في النص المترجم، وهو ما يفسره عبد الرحمن أياس -وهو مترجم وكاتب في الاقتصاد والسياسة والعلوم- بقوله إن شخصية المؤلف الحقيقي يجب ألا تغيب حتى وإن ظهرت شخصية المترجم، فالثانية تقدم الأولى باللغة المستهدفة في حلة جديدة، فتكون شخصية المترجم عبارة عن القالب الذي توضع فيه شخصية المؤلف وتقدمها لقارئ اللغة المستهدفة. ويتابع أياس "وإن حصل غياب للأولى وطغيان للثانية، فذلك ضعف يشوب الترجمة ويقلل من قيمتها، ولا سيما في المرحلة المعاصرة. وإن اضطر المترجم -وربما محرر الترجمة- للتدخل من أجل تلطيف فكرة ما أو توضيحها لدواع ثقافية وأحيانا تجارية، فيجب أن يشار إلى هذا التوضيح وذلك التلطيف في هامش أو في المقدمة".
غسان شبارو: المترجمون يسافرون عبر القارات لمد جسور التفاهم الإنساني بين الحضارات (مواقع التواصل)
في المقابل، يأسف خالد زيادة لأن أغلب المترجمين لديهم معرفة جيدة باللغة التي يترجمون منها، ولكن ليس لديهم خبرة بالترجمة، وهي اختصاص قائم بذاته، وهذا الأمر أدى إلى عديد الترجمات التي اعتبرها "مؤسفة وغير صالحة". وفي السنوات الأخيرة، برزت في المشهد الثقافي العربي انتعاشة في الترجمة، خاصة مع دخول لغات بعيدة ومنسية إلى اهتمام المترجم العربي، فكثيرا ما كانت أنظار المترجمين العرب متجهة إلى الغرب ولغاته، ولكن يلاحظ حديثا حركة ترجمة من الصينية إلى العربية. ويؤكد غسان شبارو أن حركة الترجمة من الصينية إلى العربية تشهد حراكا ملفتا بعد قرار بكين بث الروح في طريق الحرير من جديد، مضيفا أن الصين ركزت على موضوع التعريف بالثقافة والحضارة الصينيتين بمختلف اللغات -ومنها العربية- ضمن مسيرتها المستجدة في العالم.

خيانات الترجمة

وإذ تشيع مقولة أن الترجمة خيانة للنص الأصلي، يجد بعض النقاد الأدبيين أنها عمل إبداعي لا يقل أهمية عن التأليف، ويعتبره بعضهم تأليفا من نوع آخر. وفي مشاركته السابقة ببرنامج "مسارات"، انتقد المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن لقناة الجزيرة واقع الترجمة العربية، وقال إنها "واقعة في التقليد والإخلال بمقتضى الإبداع من جهتين، هما كونها ليس فيها ابتكار ولا جمال، وهذا السبب جعل الترجمة الفلسفية العربية تتولد عنها شروح لا تنتهي، ليس لعمق الفكرة وإنما لركاكة العبارة". وعن مشكلات الترجمة في الواقع العربي المعاصر، يرصد غسان شبارو خطورة ما يسميها "الترجمات الخائنة"، ويقول "عندما يغير أو يحرف المترجم نصوص المؤلف أو أفكاره، عن عدم إلمام باللغة أو عن سوء نية، فإنه يخون أمانة الترجمة التي يجب أن تصل القارئ كما هي، فتستحق هذه الترجمة لقب الترجمة الخائنة". أما "المترجم الخائن" برأي عبد الرحمن أياس فهو من ينحرف عن روح النص الأصلي، لكن الخيانة هنا ليست دائما سلبية، فقد مثلت ترجمات قديمة "خيانات"، لكنها اندرجت ضمن أعمالنا التراثية، ومنها "الإلياذة" لهوميروس التي ترجمها سليمان البستاني (توفي عام 1925) عن اليونانية وصاغها صياغة عبقرية وفق الشعر العربي العمودي والمقفى، و"الفضيلة" لمصطفى لطفي المنفلوطي (توفي عام 1924)، وهي ترجمة بديعة بتصرف عن الفرنسية لرواية "بول وفيرجيني" للكاتب الفرنسي برناردين دوسان بيار. ويتابع أياس "وفي الحالين، لم يخف الأديبان أنهما تصرفا بالترجمة، وجاءت النتيجة عملين مبدعين. أما الخيانة السلبية فهي حين لا يكون المترجم ضليعا بالعمل الذي يتصدى له، فتأتي النتيجة عملا مشوها". ومن الإشكاليات التي تتصل بالترجمة المعاصرة، تصدّر بعض المترجمين لها بدون أي وعي عميق بلغة النص المترجم منه، فضلا عن افتقار البعض إلى معرفة عميقة باللغة المترجم إليها، وعدم معرفته بمفردات وتاريخ الحقل الذي يترجمه، مما ينعكس سلبا على تراجع صناعة الكتاب في عالمنا العربي. وفي هذا الإطار، تشرح رانية المعلم أنه بسبب الاستسهال في عملية الترجمة وظن الكثير ممن يعملون في هذا المجال أنها تقتصر على نقل نص ما من لغته الأم إلى اللغة العربية، شهدت السنوات الأخيرة غزارة "نسبية" في عدد الكتب المترجمة إلى العربية، لكن قلة منها جاء بصورة جيدة تحترم القارئ العربي مثلما تحترم النص الأصلي.

أخطاء دور النشر

يتساءل الكثير من الباحثين حول الطريقة التي تختار بها دور النشر الكتاب المترجم؟ وما مدى أهميته في لغته الأم وأهميته بعد الترجمة إلى العربية؟ ويرى البعض أن دور النشر لا تولي أهمية تذكر لفكرة وجود محررين متخصصين يتولون اختيار الكتب وقراءة النصوص وإبداء ملاحظاتهم قبل الترجمة، معتبرين أن إهمال هذا الجانب يأتي على حساب جودة وقيمة الكتاب المترجم، مما قد يدفع الترجمة إلى حدود بائسة لإغراق الأسواق بأعمال رديئة على مستوى الترجمة. ويقول شبارو إن بعض دور النشر والمترجمين يلجؤون إلى الإعلام والصحافة الأجنبية التي تنشر عناوين أكثر الكتب بيعًا، إضافة إلى أحدث الإصدارات للتعرف عليها من ملخصاتها المنشورة، كما أن العديد منهم يتقصى الإصدارات العائدة لمشاهير المؤلفين والفائزين بجوائز تقديرية عن أعمالهم. ويرى أياس أنه لم يعد المترجم العربي منذ عقود هو من يختار العمل المرغوب إلا في حالات قليلة، فمن يختار هو دار النشر، ويكون قرار الاختيار محكوما باعتبارات سياسية وتجارية. وأبرز مثال على ذلك كثرة ترجمات كتب الطبخ والتنجيم وتراجع ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية والاقتصادية والسياسية والتاريخية، فالسوق يقرر في حالة دور النشر الخاصة، بينما تقرر السياسة في حالة دور النشر الحكومية.
المصدر : الجزيرة

عن نيوتن، والطاعون

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”

المصدر: موقع ساقية

*يقصد بها عبارة نيوتن الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

 

فستق عبيد- سميحة خريس

الروائية الأردنية سميحة خريس

رواية «فستق عبيد»: قصة العبودية المستمرّة

تدور رواية «فستق عبيد» بشكل رئيسيّ بين قارتين؛ إفريقيا (السودان، الجزائر، ليبيا) وأوروبا (البرتغال). في الجزء الأوّل تجري الأحداث على تخوم الصحراء السودانيّة؛ مجلس يحكي فيه الجدّ السودانيّ (كامونقة) عن ماضيه في العبوديّة حين أُخذ عبدًا لتاجر سمسم من كردفان (التيجاني) ليبقى مرتحلًا على أسنمة الجمال في رحلة طويلة، قاطعًا خلالها 800 كيلو متر بأسبوعٍ وليلتين من بلاد دارفور في غرب الدنيا إلى الشرق عبر درب الأربعين حيث القفار والشمس.

خلال السنوات الثلاث الماضية عالجت ستّ روايات عربيّة موضوع العبوديّة في الوطن العربيّ، ثلاث منها تناولت العبوديّة في فترة نهايات القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين في السودان، وهي: «شوق الدرويش» للسودانيّ حمور زيادة، و«كتيبة سوداء» للمصري محمد المنسي قنديل، و«فستق عبيد» للأردنيّة سميحة خريس.

أمّا الروايات الأخرى فكان من بينها رواية «بابنوس» لخريس والتي تناولت العبوديّة بعد منتصف القرن العشرين في السودان أيضًا. فيما تناولت روايتان العبوديّة خارج السودان: «زرائب العبيد» لليبيّة نجوى بن شتوان عن العبوديّة في ليبيا، و«ثمن الملح» للبحريني خالد البسّام عن العبودية في جزء من الجزيرة العربيّة.

وتواجدت الروايات التي تعالج العبوديّة في قوائم الجوائز العربيّة لثلاث سنوات، وحصلت معظمها جوائز، الأمر الذي يدفعني لأسأل عن الألفة بين موضوع هذه الروايات؛ أي العبوديّة والجوائز العربيّة.

قبل عام تقريبًا من الآن حصلت رواية فستق عبيد لسميحة خريس على جائزة كتارا 2017، وقبل البدء بعرض الرواية، يُذكر أنَّ روايتي خريس «فستق عبيد» و«بابنوس» تتناولان العبودية في السودان، لكن، وهذه نصيحة للذين يرغبون بقراءة العملين، فإنَّ الفترة الزمنيّة التي تناولتها رواية فستق عبيد سابقة على الفترة الزمنيّة التي تناولتها رواية بابنوس رغم صدور بابنوس أولًا، لذا أنصح بقراءة العمل الصادر مؤخرًا ومن ثم الأقدم لتفادي اللبس أو لتحقيق وضوح أكثر في تتبع الأحداث.

«فستق عبيد»

يدور العمل بشكل رئيسيّ بين قارتين؛ إفريقيا (السودان، الجزائر، ليبيا) وأوروبا (البرتغال). في الجزء الأوّل تجري الأحداث على تخوم الصحراء السودانيّة؛ مجلس يحكي فيه الجدّ السودانيّ (كامونقة) عن ماضيه في العبوديّة حين أُخذ عبدًا لتاجر سمسم من كردفان (التيجاني) ليبقى مرتحلًا على أسنمة الجمال في رحلة طويلة، قاطعًا خلالها 800 كيلو متر بأسبوعٍ وليلتين من بلاد دارفور في غرب الدنيا إلى الشرق عبر درب الأربعين حيث القفار والشمس.

يروي (كامونقة) حكايات الانكسار للأحفاد -من بينهم الطفلة رحمة- بفخرٍ شديد، وهي حكايات تدور عقب ثورة المهدي في السودان (1881-1889) الذي كان جيشُه من العبيد المحرّرين من التجّار، أمّا المكان فبيْن أم درمان وكردفان.

لا تعرض سميحة خريس العبودية بصورتها المتعارف عليها (الأبيض يشتري، و الأسود يُباع)، ثمة الكثير من صور العبوديّة التي تناولتها الرواية؛ عبودية الرجل الأسود للرجل الأسود، وعبوديّة الرجل الأسود للتاجر، وعبوديّة الرجل الأسود لرجل الدين. تعرض العبوديّة في أرض السواد، منظورًا لها من السود بدايةً، من جهة التاجر (التيجانيّ): «مقارنة بسواي؛ كنت عبدًا محظوظًا لرفقتي مالكي المهيب المهاب الطيّب، لا أغلال بيننا، ولا سوط ينظم تعاملنا، لا يخطئ أحدنا في فهم الآخر، محسودان على التناغم. (..) في محاولاتي للنسيان صنفت نفسي بصورة مخادعة رجلًا حرًا برفقة التيجاتي الطيب الذي يمتلكني». كان هذا حديث كامونقة العبد لنفسه.

خلال ترحال قافلة التاجر يمرّ كامونقة بمعسكر المهدي؛ إذ ذاك ستسلب العبوديّة الجديدة كامونقة حين يرى العبيد، كل عبدٍ فارٍّ من سيّده إذا ما التحق بالجهاد صار حرًا، عبوديّةٌ حرّة مع المهديّ، هناك يقول كامونقة: «ركبني عفريت اسمه الجهاد، وأنا ما عرفت قبل اليوم أنَّ عليّ أن أجاهد جنديًا؛ أقتلُ الإنجليز أو المصريين، وأسلم أمري بالكامل للخليفة المهدي». يُجري مقارنات العبوديّة في شكلها الأوّل (للتاجر) مع شكلها الثاني (رجل الدين):« يفترُ حماس قلبي إذا سمعت زعيق بوق أبو بايه العاجي، (في معسكر المقاتلين الجهاديين) نفس الصوت الذي يطلقه النخاس ليجمعنا على منصة عرض العبيد في الماضي، بات صداه يجمعنا حول الخليفة في المعسكر».

سيحارب كامونقة المصريين والإنجليز أخيرًا، يرحل في جيش المهديّ، وهناك سيخسر الجيش غزوته، وفي الخسارة ينبني الوعي بعبوديّته، سيشعر أنَّه ليس عبدًا وحسب، بل أسوأ: «أنّي رجل عبد، رجل عبد ميت».

في هذا الحوار مع سميحة خريس، سألناها عن عدّة مواضيع: الرواية الفائزة «فستق عبيد»، والرواية التاريخيّة، وأسرار العمل على الرواية، وبالطبع عن العبوديّة ومواضيع أخرى عن الجوائز و الحياة الشخصية.

حبر: لماذا اختارت سميحة خريس السودان أرضًا لمناقشة العبوديّة، ولماذا هذه الفترة الزمنيّة، نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؟

سميحة: تختار الظروف المحيطة بالكاتب وبالموضوع مفردات النص. تختار الجغرافيا والتاريخ ونمط الشخصيات أيضًا. وأنا منذ البدايات على قناعة تامّة بأن نصًا ينتظرني في مكان لم يخطر بالبال، وأعرف أنَّ الظروف هيّأت لي أن يكون هذا المكان في السودان، ربّما لأني عشت فيها فترة من الزمن، وربما لأني درست تاريخها. وأكثر؛ لأن في الروح حرقة على جوانب مسكوت عنها في تاريخ هذا البلد وواقعه الراهن، ولسبب غامض يجعلني أفكر دائمًا بالهروب في نصي من أسر الأماكن التي ألتصق بها، إيمانًا بأنَّ قضايا الإنسان في كلّ مكان تخصني وتعنيني. هذه مجموعة من العوامل تضافرت لاختيار المكان.

تُجيب خريس على سؤالٍ مضمر لم نسأله عن وجود روايتها مع هذا الكمّ من الروايات التي تناولت العبوديّة في هذه الفترة (نهايات القرن التاسع عشر، بدايات القرن العشرين) وصدرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فنكتشف أن الفكرة قديمة في مشروعها الروائيّ.

سميحة: كان هذا النصّ يتشكّل عندي أثناء دراستي دون أن أعي هذا الأمر. أُصاب بالدهشة والرعب معًا وأنا أتلقى دروسًا في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ. وقد ظننت أن هذه المرحلة غابت تمامًا لانخراطي بجوانب مختلفة من الحياة، ولعودتي إلى البئر الأولى عبر نصوص متعددة تحركت في الفضاء الأردني. ولكني واجهت مجددًا العالم الأوسع حين كتبت روايتي «يحيى»، وكانت هي مفتاح اختياري لموضوع الرقّ، ساعدتني أبحاثها على استكشاف عالم الرق في القاهرة في القرن السادس عشر الميلادي، وأعادت إلى ذاكرتي ما درست، وحرضتني على مزيد من الأبحاث والدراسات التي تتعلق بما يحدث اليوم. في الواقع كان اختياري الأول العودة إلى جذور المسألة، على الأقل في التاريخ القريب، وكنت قد اخترت تلك المرحلة التي بدأ فيها العالم يبحث عن سبل تغيير مسيرته الحضارية، وانفجر ذلك الحلم في الحرب العالمية الثانية، ولكني أرجأت هذه الفترة وبدأت بمعالجة الأمر من الزمن الراهن عبر رواية سابقة في زمن صدروها، لاحقة في تاريخ أحداثها، وكان ذلك يتعلق بالجانب السياسي والإنساني وبإلحاح مشكلة وأزمة دارفور على الضمير العالمي، وعلى ضميري أنا شخصيًا.

نعود للرواية، إن كان الجزء الأوّل في الرواية يتناول العبوديّة في محيط سود البشرة، فإن الجزء الثاني منها، يُدخل ذوي البشرة البيضاء إلى المشهد. عاد كامونقة إلى أرضه حرًّا: «تمتعت بكوني رجلًا حرًا، ومن يومها ونحن نزرع سهل الرمل الأصفر بالفول السوداني (..) قد تسألون لماذا الفول السوداني؟». هنا تروي خريس على لسان كامونقة كيف كان الجلّابة وقطاع الطرق يقتنصون الصغار الجوعى عارضين عليهم حفنات من الفول، مستغلين جوعهم: «هكذا اختطفوا السذج في الماضي، وأنا أردت تحصين أولادي من غواية الفول، الذي يسمونه في أماكن كثيرة فستق عبيد، إنّه الفستق الذي يمكن أن يوقعك في العبودية، قلت لنفسي: أزرعه، فيشبع الأولاد، ولا يذهبون إلى العبودية بأقدامهم».

ورغم ذلك، تُختطف إحدى حفيدات كامونقة، الطفلة رحمة. فيبدأ الجزء الثاني عبر رحلة في البرّ على الأقدام، كان التاجر اليهودي الجزائري رايمون يقود قافلة العبيد التي فيها رحمة عبر صحراء ليبيا إلى بنغازي، ثم في صفقة إلى تاجر برتغالي (ساراماغو) إلى ميناء الجزائر. ومن الجزائر إلى البرتغال، هنا تعرض خريس صور العبوديّة بين العبيد أنفسهم أثناء المحنة، تحظى رحمة الطفلة المخطوفة بمعاملة استثنائيّة قائمة على الجنس، تعيش بين البيض في أعلى السفينة فيما العبيد في الأسفل يُعاملون كأشياء يُمكن رميها في البحر إذا ما انتهت صلاحيّتها.

كلّ حكاية في الرواية تعالج إحدى صور العبوديّة؛ حكاية العبيد في أسفل السفينة مع طاقم السفينة تعالج صورة العبد الأسود الرجل بعين السيّد الأبيض الرجل، حكاية الحبّ الزائف بين رحمة مع التاجر ساراماغو تعالج صورة العبد بوصفه أنثى مع السيّد الأبيض. وحكاية التاجر ساراماغو المنحدر من سلالة غير نبيلة مع زوجته كارولينا سليلة النبلاء، تعالج عبوديّة الرجل الأبيض في مجتمعه من قبل طبقة النبلاء، هكذا تمضي الرواية، لا حكاية فائضة في «فستق عبيد».

حبر: هل استفادت سميحة خريس من تجربتها في رواية سابقة (بابنوس) لتُنضج على مهلٍ هذه الرؤية لمفهوم وممارسة العبوديّة؟

سميحة: العبودية كما الحرية، مفهوم مركّب تمامًا، ليس فقط من زوايا مختلفة، ولكن أيضًا في الشخص الواحد، في الزمن الواحد، وفي كل إنسان قدر من هذا وذاك. تتخد أعتى أشكال العبودية وضعًا مأساويًا كما حدث مع أبطال روايتي. ويمكن العثور على ومضات المفهومين في كل شخصية، سترى التاجر البرتغالي في لقطة مركّزة واقفًا بباب بيته يتحدث مع زوجته التي تفوقه منزلة اجتماعية فيحني رأسه منتظرًا أوامرها، ثم يلتفت ذات الرأس في ذات اللحظة، إلى عبدته مرتفعًا بمقدار يتيح له توجيه الأوامر، ولكن هناك أيضًا العبودية الوقحة التي تصفعك دون خجل، حين يصير الإنسان سلعة يباع ويشترى، بسبب ضعف مقدرته وغياب إرادته السياسة ونفوذه. والأوجع أن يتم ذلك بسبب لونه.  في تقديري ورغم أننا تجاوزنا عصر حقوق الإنسان وحريته فإنَّ أشكالاً أخرى من الرقّ تبتدع وترتدي ثيابًا قشيبة بالكاد نتعرف على وجهها القبيح.

تمضي أحداث الرواية باستعراض أوضاع العبيد في البرتغال، تناسلهم، من غراميات غير شرعية مع الأسياد البيض، يُولد أطفال «كريولو»، مختلطين بين الأبيض والأسود. يموت جيل من العبيد، ويستفيق جيل جديد بمشاعر ومعتقدات مختلفة عن جيل الآباء، هنا يُضاف لصور العبد شعوره الدينيّ. تركّب سميحة عُقَد العبودية على عُقد الدين. أطفال من سلالات مؤمنة بالإسلام، تفتحت أعينهم على تعاليم السيد المسيح. تتأزم العقد في الرواية، وفي عقول ومشاعر الشخصيّات، فيظهر الحلّ في وصيّة رحمة التي صارت أمًا لبنت تُسمى «تركيّة»، تبعثها مع تاجر إلى بلادها، كون هذا البلد (البرتغال) لا يعنيها. وهنا تنتهي الحكاية في فستق عبيد.

يُمكن استكمال الحكاية من رواية بابنوس، حيث تستمر المحنَة؛ لا يستقبل الناس في السودان القادمة الجديدة كواحدة منهم، إنما كواحدة بيضاء (تحمل البنت صفات البيض من علاقة غير شرعية بين التاجر ورحمة).

حبر: لماذا عمل آخر يتناول العبوديّة بعد بابنوس؟ أيمكن أن نقول أن «فستق عبيد» استدراكُ ماضي «بابنوس»؟

سميحة: على الرغم من ارتباط العملين معًا، في ما يمكن تسميته رواية أجيال، فبطلة فستق عبيد هي الجدة البعيدة لبابنوس، فإن كل قارئ يمكن أن يقرأ إحدى الروايتين دون حاجة للأخرى، كما يمكن أن يقرأهما معًا لتعميق التجربة وتسلسلها التاريخي والاجتماعي والسياسي، فتصبح جرعة المعرفة أعلى لديه حول ما حدث وما يحدث حقًا. ولكن الواقع أن النص ليس استدراكًا لما غاب، بقدر ما هو استحضار لفكرة تؤشر بمرارة على استمرار الوجع والممارسات اللاأخلاقية للعالم، وعلى تعدد أشكال الرقّ وتغير مسمياته وتعدد وجوه النخاسين. ولست بهذا أراهن على غياب الأمل، ولكني أؤكد على أن الإنسان الإفريقي تحديدًا دفع ثمنًا باهظًا، كما أدينُ كل من تكالبوا على القارة السمراء فاستعبدوا بشرها وسرقوا ثرواتها. بالطبع لا أبرر هذا الاختيار لأؤكد على الرق في ما يتعلق بأصحاب البشرة الأفريقية ولكني في أكثر من صورة ومشهد وموقع في الروايتين أشير إلى الرقيق البيض أيضًا، لأني أريد أن أنبه إلى وحشية الإنسان القوي حين يتعامل مع الضعيف، و«المتحضر» حين يتوحش مع من يظنه «البدائي». وفي الروايتين حرصت على البحث العميق في ثقافة الإنسان البسيط، تلك التي تعلي من شأن الخير والتي تبدو أكثر نبلًا من حضارة الإنسان القوي المستعمِر النخّاس.

حبر: لنفتح أسرار الكتابة معًا للقارئ، ماذا قرأت أو عايشت سميحة خريس للخروج بتصوّر عن أشكال العبوديّة هذه، و التي لا تُظهر العبيد كأرقام كما عالجتها أعمال أخرى؟

سميحة: بداية قرأت الحقبة التاريخية التي تناولتها، كانت أمامي الثورة المهدية التي لا يعرف عالمنا العربي الكثير عنها، والتي تحفل بكنوز يمكن للروائي استغلالها. استعدت تلك الآراء المتناقضة حول تلك الحقبة، ورغم أني على صعيد الوعي لست مع كثير من تفاصيل الفكر الذي شكل هذه الثورة، ولكني من جانب آخر معجبة بالشجاعة والإيمان واليقين الذي جعل من البسطاء أندادًا لأقوى قوة سياسية آنذاك، وقفوا في مواجهة بريطانيا العظمى، على أمل بناء المستقبل كما يريدون.

بالطبع في البال رواية «الجذور» لألكس هيلي، و«جزيرة» إيزابيل الليندي، و«كتيبة سوداء» للمنسي قنديل، وصولًا إلى قراءات قديمة، «كوخ العم توم»، ومشاهدات أفلام كثيرة تناولت هذا الهمّ الإنساني. ولكن الأثر الأكثر خربشة للروح، كان الأجساد الهائمة على وجهها في خيران الخرطوم، امرأة التقيتها في قلب العاصمة واستعرتُ اسمها «ست النفر» في الرواية الأولى بابنوس، أناس تحدثوا لي عن ملابسات خرافية كأنها مقتطعة من كتب الأساطير.

ثم، وهو الأهم، استمرار الوقائع المؤلمة إلى عصرنا هذا، لم تكن حكاية المنظمة الخيرية الفرنسية التي أطلقت شعار «أنقذوا أطفال دارفور» بعيدة، فقد قبض على فعلة الخير هؤلاء يخطفون أطفالًا بهدف بيعهم في فرنسا، وكانت قضية كبرى، جرى التغطية عليها، وجرى مؤخرًا إطلاق سراح المتهمين بالاتجار بالبشر فيها، عدا عما يدور من خزي في هوامش الحروب التي تعيد تلك الممارسة ليكون وقودها، على الأغلب الأعم، هم الأطفال العرب.

حبر: تصنّف فستق عبيد ضمن الروايات التاريخيّة، وفي استعراض توجهات الروائيين في الأردن بشكل عام نجد أن الجيل الأوّل: غالب هلسا، مؤنس الرزاز، تيسير السبول، لم يكتبوا في الرواية التاريخيّة، في الوقت الذي كتب الجيل الثاني: هاشم غرايبة، سميحة خريس، إبراهيم نصر الله، قاسم توفيق في هذه الرواية. كيف تنظرين إلى ذلك؟

سميحة: تحدثت لأكثر من مرة حول كتابة الرواية التاريخية، وهي في تقديري تعتمد على ظاهرة جمعيّة وليست فردية، لا أعتقد أن روائيًا يقرر وحده في زمن ما أن يكتب الرواية التاريخية، ولكن الأجواء تتهيأ حول عدد من الروائيين ليكتبوا في هذا المجال، إنه الزمن الذي تنجز فيه الحضارة نقلة كبيرة، ويتهيأ الزمن للدخول في حقبة مغايرة، ويقف الإنسان كما الأمّة على مفترق طرق، عندها يكون لزامًا على مجموع الروائيين الوقوف والاستدارة لقراءة الماضي في محاولة لفهم الموقع الذي يقفون فيه وأكثر؛ في محاولة لاستشراف ما هو آت. جيل الروائيين الأردنيين كانوا في قلب التغيير فعلًا، ولكننا في الجيل اللاحق وصلنا مفترق الطرق، وتم استدعاؤنا من عوامل مختلفة، بعضها يتمثل بتغير وجه الحياة الاجتماعية، وبعضها بتحول الحياة السياسية والفكرية، وأظنّ أنَّ الروائي في هذه المرحلة يصير شاهدًا على عصر.

حبر: في عام 2012 حاولت في المركز الثقافي الملكي عشيّة إشهار عملكِ «على جناح الطير» القول بأنَّك لنّ تكتبي  سيرة حياتك وتفضلين إبقائها خفيّة؟

سميحة: ليست المسألة أن هناك أسرارًا خطيرة أحيطها بالكتمان، ولكني حقًا أعتبر حياتي نسخة مشابهة لحياة بنات جيلي، ليس هناك ما يستحق الإفصاح، أو ترك شهادة للزمن، قد يكون لدي خصوصيات متفرقة تتمثل بتجربة السفر والمعارف التي عرضت لي، أو بتجربة الكتابة والنماء فيها، ولكنها تفاصيل تناولتها في كتابي «على جناح الطير»، وكان همي عندها أن أسجل سيرة للمدن التي عرفتها وعرفتني، إذ أن التغيير والمهم قد وقع للأماكن وللحياة التي عرفتها في تغيراتها وتقلباتها، وأعتقد أن هذا يكفي. هذا لا يمنع أن الحياة الشخصية من حيث وجهات النظر والأفكار والمشاهدات تتسرب من حياتي أو حياة من أعرفهم إلى النصوص الروائية نفسها، ففي كل شخصية أكتبها شيء مني، سواء كانت شرًّا أو خيرًا ، رجلًا أم امرأة، هذه معارفي وما يشكل نفسي وعقلي، عدا ذلك من أحداث روتينية للحياة فلا أظن أن فيها ما يستحق أن يكتب، ربما بالنسبة لي كانت حياة مكتظة بالتحديات والعمل الدؤوب، ولكنها بالنسبة للآخرين عادية، فلماذا إذًا أفرض تلك التفاصيل على الناس في كتاب؟

عمّار أحمد الشقيري

حقوق النشر: حبر 2017

الروائية جيهان رافع

ترتكز رواية "موت في حياة ما" للروائية السورية المقيمة في سلطنة عمان جيهان رافع، على عُمق الشعور الإنساني وارتباط الروح بالمكان. واتَّخذت الروائية من المحبة وسيلة لبث رسائل تستهدف المتلقِّي بصبغة إنسانية، تحضر فيها سوريا وتداعيات أحداثها التي انعكست غربةً وشتاتاً على أهلها، في أكثر من مفصل من مفاصل السرد. والرواية الصادرة عن الجمعية العمانية للكُتّاب والأدباء بالتعاون مع "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، جاءت في مئة وسبع وتسعين صفحة من القطع المتوسط، وهي جزء من برنامج النشر لعام 2020 والذي رفدت فيه الجمعية المشهدَ الثقافي بخمسة وعشرين إصداراً تمثّل أجيالاً متنوعة من الأدباء والكتاب والباحثين. تقول رافع في مجريات "موت في حياة ما": "ذكريات ساخنة تتجلَّى بأكثر من خيالٍ يتحرق اشتياقاً للدفء، والشمس تبدو مثل برتقالة سقطت من يد فلّاح متعب، يطلّ القمر باهتاً متهادياً فوق أمواج الأحداث والصور، مثل فانوس رفعته يد امرأة على متن قارب اكتظّ بالمهاجرين، فأحالهم في ليل موحش أليافاً زرقاء وخرزات فضية لرصاصة واحدة". وجاء في موضع آخر من الرواية: "كانت ترتسم أمامه كأنها تذكّره بأنّ الأحلام باتت كالخيول، حين يصدر صوت حوافرها وهي تطوي مسرعةً نحو مستقبلٍ عتيد، كما في الحكايات شامخة مهيبة، فينخسف الحلم عندما يصحو على صوته أنين أرضه تحت ركام الحروب، فتخبره بانتحار الحقيقة المفجعة". يشار إلى أن جيهان رافع وُلدت في دمشق، وتقيم في سلطنة عمان منذ سنوات. و"موت في حياة ما" هو إصدارها الثالث، بعد مجموعة نثرية بعنوان "حين يتكلم الحب" التي قضايا روحية وإنسانية وعاطفية ذاتية، ومجموعة قصصية بعنوان "قاع الذاكرة" رصدت فيها الواقع الاجتماعي وانعكاساته على الفرد بأشكال مختلفة.