“يهود ضد الصهيونيّة”: من أجل العدالة

“يهود ضد الصهيونيّة”: من أجل العدالة


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    عمر شبانة

     يفتتح المؤلف أيوب أبو ديّة كتابه هذا الصادر حديثًا بمقطع للشاعر الألماني غوته، جاء فيه ما يخاطب الإنسان في كلّ زمان ومكان، وربما يبدو موجّهًا إلى اليهوديّ بصورة خاصة: 

    كن رجلًا نبيلًا
    متعاونًا مع غيرِك وطيّبًا                            
    بذاك فقط                               
    سوف تتميّز    
    عن كل مخلوق آخر
    على وجه الأرض…

    إنه كتاب جديد للباحث الأردني د. أيّوب أبو ديّة بعنوان “يهود ضد الصهيونيّة: أصوات من أجل العدالة”، قدّم له المؤرّخ اليهوديّ المعروف إيلان بابيه، وصدر في “دار الآن ناشرون وموزّعون” (عمّان- 2025). وشمل البحث سبعة وستين يهوديًا ممّن يعتبرهم المؤلّف من المعادين للصهيونية، واليهود المنتمين إلى “الإنسانية”، والمتعاطفين، أو المتضامنين مع فلسطين أرضًا وشعبًا وقضية، بصور ودرجات مختلفة، وهو يقوم بتقسيمهم إلى فئات عدة، تتوزّع بين المهنة والتخصّص العلميّ، سواء كانوا مشتغلين بالفكر أو الفلسفة أو علم الآثار أو القانون (المحاماة) أو غير ذلك كما سنلاحظ لاحقًا، بالتوقف مع أبرز محطّات هذا الكتاب وملامحه الرئيسة.

    بعد ذلك، وفي تقديمه للكتاب، يرصد إيلان بابيه ما يسمّيه “ظاهرة ثقافية جديدة”، ويقصد ظاهرة “ما بعد الصهيونية” التي ظهرت في الكيان الصهيوني خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وهو يرى أن المقصود بها أن “مجموعة من العلماء والمثقفين والفنانين والكتّاب اليهود الإسرائيليين، بدأوا التشكيك في البديهيات الأساسية للصهيونية. وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، تراجع بعض هؤلاء اليهود الإسرائيليين المنتقدين للصهيونية وتابوا عن انتقاداتهم، وعادوا إلى الأحضان الدافئة للأيديولوجية الصهيونية. لكنّ عددًا غير قليل منهم استمروا في التعبير عن انتقاداتهم، حتى لو أجبرهم ذلك على مغادرة إسرائيل. إلى جانب ذلك، بدأنا نسمع انتقادات مماثلة في أوساط اليهود حول العالم. وهكذا، أصبحت مقولة “ما بعد الصهيونية” مصطلحًا عامًّا جدًا يُغطي طيفًا من وجهات النظر، بدءًا من معاداة الصهيونية وانتهاءً بالصهاينة الليبراليين”.

    ويرى بابيه أن المثقفين اليهود الذين جمعهم د. أيوب أبو دية (وهم سبعة وستّون مثقفًا من إسرائيل و”العالم اليهودي”) يندرجون ضمن فئة موسعة يُصنَّف فكرها بفكر “ما بعد الصهيونية”، ومن بينهم أولئك الذين أكملوا رحلة الخروج من “الصهيونية” إلى مرحلة “النشاط الكامل” في التضامن مع الشعب الفلسطيني. ولكن ما زال هناك -بحسب بابيه- “مَن يعتبر نفسه صهيونيًا ولا يدرك تمامًا شرور الصهيونية في الماضي، والحاجة الماسّة إلى تفكيكها وإنهاء الاستعمار في فلسطين التاريخية، وذلك إذا كانت المصالحة ممكنة في المستقبل”. ويتساءل بابيه كذلك إن كان “هؤلاء المثقفون اليهود الذين اختارهم المؤلف، بعناية ومعقولية” سيكونون جزءًا من التغيير؟ ويجيب بالقول: “ربما ما زال يتعين علينا الانتظار، لكن وجودهم وأعمالهم وحقيقة أن هذا الكتاب سيكون معروفًا للعالم الناطق باللغة العربية، كلّ ذلك قد يفتح نافذةَ أمل في لحظةٍ مظلمة للغاية في تاريخ إسرائيل وفلسطين”.

    اليهود الإنسانيّون

    أمّا المؤلّف أبو ديّة، فيميل إلى الاعتقاد أن هذه المجموعة من اليهود والإسرائيليين من المشتغلين بالفكر والفلسفة واللاهوت والسياسة والاقتصاد والقانون والتعليم والآثار، ويطلق عليهم صفة “اليهود الإنسانيين”، “يتمتعون بفكر عالمي لا يتعصب لدين أو طائفة أو جنس أو عرق أو طبقة، بل يتعصبون للبشرية والإنسانية والعدالة والإنصاف والتعاطف (Empathy) وحقوق الإنسان والحياة الكريمة”. وقد اختار عنوان الكتاب “أصوات من أجل العدالة” لأن العدالة تسمو على السلام من حيث أن السلام قد يكون مشروطًا بظروف لا تحقق العدالة.

    وفي محاولة لتصنيف هؤلاء اليهود المعادين للصهيونية، بدرجة أو أخرى، يجد الباحث أن نحو ربعهم من النساء، والربع الثاني من رجال الدين، والربع الثالث من الفلاسفة، والربع الأخير من العلماء، وأن نحو نصفهم الإجمالي؛ من الجيل الذي ولد بعد النكبة، ويرى في هذه الإحصائيات أنه “يحدوه الأمل في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وبالتالي؛ من شأنه أن يفتح الباب أمام تقدم أعظم لمستقبل استقرار منطقة الشرق الأوسط وازدهارها”.

    ومن جانب آخر يرى أبو ديّة أن حصر أعداد المفكرين الإنسانيين من اليهود ليس ممكنًا، فلا بد من وجود كثيرين غيرهم لم يستطع الوصول إليهم، فالعدد 67 مفكرًا وناشطًا ليس عددًا نهائيًّا على الإطلاق. وسيجد القارئ أن المؤلّف، وكي يحقق التوازن بين ما يكتب عن كل عَلَم من الأعلام، قد حصر عدد كلمات السيرة الذاتية لكل منهم بين 400 و700 كلمة، رغم أن بعضهم، كما يرى، يستحق أكثر من ذلك بكثير، مثل إيلان بابيه، وموشي ماكوفر، وجوديث بتلر. وقد حصر المؤلف عمله بتقديم سيرة حياة مختصرة لهؤلاء الأعلام، وعرض بعضِ أعمالهم، خاصة تلك التي لها علاقة مباشرة بالقضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني السياسية، والعدالة الاجتماعية، وحرية تقرير المصير والعودة، وحل الدولة الواحدة أو الدولتين، والموقف من الفكر الصهيوني.

    معايير الأنسَنة

    وقد حرِص المؤلّف على وضع معايير للأنسنة، أي ما يقصده بـ”اليهود الإنسانيين!”، معايير ليست نهائية، بل هي مفتوحة للنقاش، حيث أن الفكر الصهيوني يشتمل، مثلًا، على العديد من المبادئ، لذلك فإن من بين أبرز المعايير التي ارتكز عليها المؤلّف في القياس عند اختيار الأعلام الإنسانيين، نقد الفكر الصهيوني الاستعماري والتنكر له، ونقد الفكر اليهودي السلفي الذي يقوم على اضطهاد الآخر، كفكرة  “الأغيار” (Goyim)، والدعوة إلى وقف معاناة الشعب الفلسطيني تحت براثن الاحتلال، والمطالبة بوقف الاستيطان والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وقطع الأشجار وهدم البيوت، والدعوة إلى هدم الجدار العنصري الفاصل، والقبول بفكرة دولة واحدة أو دولتين، والدعوة إلى السلام والمصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين على قاعدة من العدالة والمساواة والإنصاف والتعاطف، وليس مجرد العطف وحسب، فضلًا عن الموقف الصريح من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل (BDS).

     

     

    وتتمثل بعض المعايير الأخرى في تحدي السياسات الأميركية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي ورفضها، ونقد الدعم الأميركي لإسرائيل الذي يعوق المصالحة والسلام، والدعوة إلى كسر الحصار المفروض على غزة، ونبذ طريقة معاملة السجناء الفلسطينيين الهمجية، وخاصة الأطفال والنساء، والدعوة إلى تجديد الصهيونيّة الليبرالية التي تعطي الأولوية للمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان، كما فعل المفكر بيتر بينارت.

    ويَفصل أبو ديّة بين تيارات متنوعة داخل الحركة الصهيونيّة، حيث ثمّة تيارات تدعو إلى صهيونية أكثر ليبرالية وتسامحًا، وهي تظل تتراوح بين العلمانية والدينية، وهناك اتفاق عام على أهمية الأرض والتاريخ المشترك، وكذلك تطوير المجتمع والاقتصاد اليهودي في فلسطين لتعزيز قدرته على استيعاب اليهود المهاجرين الجدد وتوفير حياة كريمة لهم، من دون أي اعتبار لآثار ذلك على الشعب الفلسطيني منذ النكبة، واستدامة أجياله القادمة. ويتساءل مستنكرًا إن كان “مَن يطالب بالعدالة للفلسطينيين ويدعو إلى السلام والوئام، وفي الوقت نفسه ما فتئ يدعم المشروع الصهيوني، أو أجزاء منه، يمكن اعتباره إنسانيًّا؟ وهل من يدعو إلى تجديد الليبرالية الصهيونيّة المتجذرة في القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثل بيتر بينارت، هو مفكر إنساني.. إلخ”؟

    ولا ينسى المؤلّف من بين معايير “الأنسنة”، التمييز بين المواقف من “الدولة الفلسطينية”، بين من ينادون بدولتين ومن يرون أن الحلّ في دولة لشعبين. فمن المثقفين اليهود من أنصار الدعوة إلى حل الدولتين: أبراهام بورغ، وآرثر هيرتسبرغ، وأريك أشيرمان، وبيتر بينارت، وجون ميرشايمر، وجيفري ساكس، وعاموس عوز. ويعكس الاقتباس التالي حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هذا التصور الإنساني العميق. ومن المثقفين اليهود الإنسانيين الذين يدعمون فكرة الدولة الواحدة التي نؤيدها، وهي- حسب أبو ديّة- الطريق الأمثل لتحقيق العدالة، يذكر: أوري ديفيس الذي يروّج لفكرة الدولة الواحدة، بحيث يكون فيها اليهود والفلسطينيون متساوين في الحقوق والفرص والواجبات، كذلك جيف هالبر، وشلومو ساند، وعدي أوفير، وموشيه ماكوفر، وأوري أفنيري، وران غرينشتاين، ومكسيم رودنسون، وتانيا راينهارت، وجويل كوفل، ويهودا شنهاف، وأمنون راز- كركوتسكين، وراحيل شابي، وشير حيفر، وإريك فروم وغيرهم.

    محايدون حائرون

    وهناك من الأعلام اليهود الذين لم يتخذوا موقفًا جليًّا من المعايير سالفة الذكر للأنسنة، ولكن أعمالهم المهمة في الآثار تكشف عن بطلان المشروع الصهيوني الذي يدّعي بملكية أرض إسرائيل وحقه التاريخي فيها. فمثلا، إسرائيل فنكلشتاين، وهو عالم آثار إسرائيلي بارز معروف بعمله في علم آثار بلاد الشام، ولقد أدت اكتشافاته في التنقيب عن الآثار في المنطقة إلى نتائج تنتقد مفهوم الحقيقة التاريخية المطلقة، وبالتالي تفتح الطريق أمام المصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

    ويعتقد أبو ديّة أن المعاول الفكرية والأركيولوجية، التي تعمل على هدم الأيديولوجية الصهيونيّة، تستحق بجدارة أن تكون ضمن الأعلام الإنسانيين، كما كانت أعمال إسرائيل فنكلشتاين في التنقيب عن الآثار وكشف حقيقة عدم وجود آثار عبرية تثبت المزاعم التوراتية. كذلك، أعمال مايكل نيومان في بناء قضية منطقية تقوم على مقدمات صادقة ضد شرعية تصرفات إسرائيل. إذ يتحدى نيومان الروايات الشائعة حول حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية.

    ومن جهة مكان الولادة، يلفتنا الباحث إلى عدد المثقفين المولودين في القدس، مثل: أبراهام بورغ، وأمنون راز، وأوري ديفيس، وعاموس عوز، وشير حيفر، وعميرة هاس، وموشي هلبرتال، وميكو بيلد، ونوريت بيلد، ونيف غوردون، وميخائيل سفراد. ويتساءل إن كان لذلك علاقة باتصالهم مع العرب من الفلسطينيين، بوصف القدس مدينة متعددة الثقافات، أم لأسباب أخرى؟ أم ربما يكون اليهود المولودون في القدس أكثر اعتطافًا تجاه الفلسطينيين بسبب تفاعلاتهم المباشرة معهم، وتعرضهم للواقع اليومي المعيش، والقرب الثقافي والاجتماعي، والوعي التاريخي بالصراع، وتفهم تأثير وجهات النظر المتنوعة، والفرص التعليمية المتاحة، والمشاركة في مبادرات تقارب الأديان وبناء السلام، والوعي السياسي، والتأثير المجتمعي عبر منظمات المجتمع المدني الكثيرة في القدس، وتأثير وسائل الإعلام والفن والآثار. إذ تساهم هذه العوامل مجتمعة في فهم أعمق واعتطاف تجاه الفلسطينيين.

    وإلى عوامل وتصنيفات عدّة، يلفت أبو ديّة إلى سبب وجود نساء كثيرات ضمن اليهود الإنسانيين، فهو يعود إلى ميل النساء لأن يكنّ أكثر إنسانية بسبب التنشئة الاجتماعية ومشاعر الأمومة التي تعزز التعاطف والرعاية والمحبة، وتفهم التجارب التاريخية للتهميش التي مررن بها أنفسهن، والتركيز على العلاقات الإنسانية في المجتمع، والميول النفسية نحو السلوك الاجتماعي الإيجابي، والاتجاهات التعليمية والمهنية، والتحولات الثقافية والاجتماعية والمهنية، وتعمق المساواة والتسامح الجندري. هذه العوامل مجتمعة تعزز التوافق الطبيعي مع القيم الإنسانية. كما يرى أن المحامين يشكلون نسبة معقولة أيضًا، وربما يعكس هذا اللاعدالة التي يعاني منها الفلسطينيون، ومنهم: فيليتسيا لانغر، وميخائيل سفراد، وريتشارد فولك. إذ يميل المحامون إلى أن يكونوا أكثر إنسانية بسبب تركيزهم المهني على العدالة وحقوق الإنسان والمعايير الأخلاقية والدعوة إلى الحقوق الفردية والالتزام بالتقدم الاجتماعي.

    (عمر شبانة، صحيفة ضفة ثالثة، 14/4/2026).