مرآة النقد

قراءة لكتاب “حارس خشب السكة “

الأستاذ الأديب بشار إدلبيمن الأمور التي لفتت انتباهي عند قراءة المذكرات الشخصية للأجانب، جرأتهم في تناول أمور حساسة جدا مروا بها في سابق زمانهم، تعجبت أحيانا من "فضائح" -على الأقل بالنسبة لنا كشرقيين-  يتناولونها بأريحية تامة بلا خجل أو وجل أو حتى من تسليط الضوء على ذكرياتهم الحميمية أو أمور خاصة تخصهم ومن حولهم، بعد الدهشة التي تصيبني أبحث بعمق وأحاول التأكد بداية من أن الأديب نفسه هو من كتب ما هو بين يديّ، أم أن جهة أخرى هي التي تتطوعت لمشاركتنا "حياته" بعد مماته، كما حصل مع مذكرات غادة السمان التي نشرت رسائل غسان بعد مماته.و كنت دوما ألوم نفسي ومحيطي بسبب عدم التدوين ليوميات حياتنا كفعل مقدس لغاية حفظ ذكرياتنا وكوسيلة لتفريغ ما في الصدر و"خط" لتقدير حياتنا بالطريقة الكريمة المثلى التي تستحق الإشادة بالجميل من أحداث والإشارة إلى "الصعب" من الأمور التي واجهتنا.تلقيت قبل انتهاء اجازتي في عمان رواية لم تنشر من الأستاذة غادة المعايطة، هذه الروح الممتلئة طاقة وحيوية، التي تتحفنا بجميل ما تكتب في فضاء الفيس بوك الافتراضي بشكل شبه يومي، فتُلهم من لديه الاستعداد للإقتداء بنهجها، وتقوم بنفس الوقت بمهمة استكشافية عبر "رادار" محنك بالبحث عن "مشاريع" كَتَبة تأخذ بيدهم وتشحذ من عزيمتهم بعد أن توسمت في العقل وسعة الأفق ما يفي بذلك.وما...

حين يتحوّل الاسم إلى قَدَر: في رواية “أنا لستُ يحيى السنوار” لسماح خليفة

د. إحسان الزبيدي ثمة عناوين تُختصَر فيها الرواية بأكملها قبل أن يُقرأ منها سطرٌ واحد، وعنوان رواية سماح خليفة "أنا لستُ يحيى السنوار" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون"، يُعد واحد من هذه العناوين النادرة؛ فهو جملة نفيٍ ودفاعٍ في آنٍ واحد، صادرة عن شخصٍ يُضطَرّ، في بلدٍ محتلّ، إلى أن يُثبت أنه ليس شخصًا آخر يحمل اسمه. وحين ننهي الرواية، بعد ما يقارب ثلاثمئة وستين صفحة، نكتشف أنّ هذا النفي لم يكن سوى مصيدةٍ سردية محكمة: كلّما ألحّ البطل على أنّه ليس يحيى السنوار، اقترب أكثر، في عيون جلاّديه وربما في أعماق نفسه، من أن يصيره.هذه المفارقة – الاسم الذي يتحوّل إلى تهمة، والتهمة التي تتحوّل إلى قَدَر – هي المحرّك الفعلي لرواية سماح خليفة، أكثر من أنّها رواية عن (حرب غزة) بالمعنى المباشر للكلمة، وإن كانت الحرب هي مادتها الخام ووقودها اليوميّ من الصفحة الأولى إلى الأخيرة.بنيةٌ من صوتين لا يلتقيانتُبنى الرواية على تناوبٍ صارم بين راويين بضمير المتكلم: آية، الشابة الغزّية التي نلتقيها للمرة الأولى واقفة على أمتارٍ من معبر رفح، تنتظر عبورًا إلى حياةٍ موعودة؛ ويحيى، الصحفي الفلسطيني في الضفة الغربية، رئيس تحرير صحيفة "النورس"، الذي يحبّ آية عبر الهاتف والشاشة دون أن يلتقيا جسديًّا مرة واحدة طوال النص. بين الفصل والفصل، تتوزّع الرواية جغرافيًّا وسياسيًّا: غزةُ...

كرونولوجية السرد والفضاء الأسطوري في “رباعيات الفردوس” لمخلد بركات

د. ديانا رحيّل"رباعيات الفردوس" نصوص قصصية للكاتب مخلد بركات، قدّمها بفقرة وضعت القارئ في قلب العمل الأدبي، "بين الميلاد والفردوس أُحجيات، تنهض في سراديب اليقظة أحيانا، وحينا آخر تنوس في الخراب، وحدهم هناك، جوزيف، الخياط، البدوي صاحب الناقة، البهلوان ذو الأنف الموزي، والقميص يعرفون السر". والكاتب يستدرج القارئ منذ البداية إلى عالم مغاير، تنتفي فيه الحدود، يتقاطع الممكن بالأسطوري الخارق، والمعقول باللامعقول، والوهم بالحقيقة، في بناء تخييلات مفارقة للواقع، ويستدعي العناصر المختلفة، يخترقها لينسج علاقات أخرى، ويشكل مسارات غير منتظرة، فيفاجئنا ويصدمنا. عتبات النص يثيرنا عنوان النص أو مناصه الخارجي، وبما يحيل عليه، فهو يشير من خلال جانبه المكاني المتضمن في الصيغة إلى عوالم لا نجد لها مثيلاً إلا في الخيال، والدلالة الخارجية تقدم لنا صيغًا على المكان المنشود، ونجد الشيء نفسه في عناوين الرباعيات، (الفناء، الخديعة، اليقظة، الميلاد)، إذ يبدو أنها تدور في بناء دائري. ونلاحظ أن الرباعيات ذو طابع حكائي، تجسّد ما يسمّيه جان ريكاردو " التناسل الذاتي؛ أي توالد المحكيات الواحد من الآخر"، أي من صلب السردية تولد الأخر، حيث تقدم كلّ رباعية مادة حكائية تتخللها عدة محكيات صغرى من قبيل المادة الأصلية، ففي الرباعية الأول بعنوان "الفناء" تحمل عناوينها الداخلية (ملح، قارب، بقجة، بقجة ملح في قارب)، والرباعية الثانية بعنوان "الخديعة" وعناوينها الداخلية (قميص، صندوق، غار، قميص في صندوق...

بين هشاشة الخزف وصلابة المهراس تأملات في رواية “هاربة من ديزني”

 مقدمة لست ناقدًا أدبيًا بالمعنى الأكاديمي الذي يمتلك أدوات التحليل النقدي ومناهجه الصارمة، لذلك فإن ما أكتبه هنا ليس قراءة نقدية للرواية بقدر ما هو قراءة انطباعية وتأملية انطلقت من أثر النص في نفسي، ومن الأسئلة والمشاعر التي تركها بعد الانتهاء منه. فرواية هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمهراس للكاتبة الأردنية زينب السعود، والصادرة عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان عام 2026، ليست من الأعمال التي تغادر القارئ بمجرد إغلاق الصفحة الأخيرة، بل من الروايات التي تواصل العيش في الذاكرة وتدفع قارئها إلى إعادة التفكير في كثير من الأسئلة المتعلقة بالهوية والانتماء والأسرة ومعنى التصالح مع الذات. هذه الرواية ليست مجرد حكاية فتاة عالقة بين ثقافتين، ولا هي عملٌ عن الهجرة والهوية بالمعنى المألوف الذي اعتاده القارئ العربي. بل هي ، في جوهرها، رحلة ممتدة في أعماق النفس الإنسانية، حيث يتحوّل سؤال يبدو بسيطًا ظاهريًا — "من أنا؟" — إلى محور تدور حوله الذاكرة واللغة والحب والأسرة والمكان. منذ الصفحات الأولى، تضعنا زينب السعود أمام بطلة لا تبحث عن وطن بقدر ما تبحث عن ذاتها. كاي لين، ابنة الأب الأردني والأم الصينية، لا تعاني من المسافة بين الشرق والغرب فحسب، بل من الهوّة بين صورتها في المرآة وصورتها في الداخل. لذلك، لا يمكن قراءة هذه الرواية بوصفها حكايةً عن (الهجنة) الثقافية فقط، بل بوصفها...

الثنائيات المتضادة في رواية (جسر بضفة وحيدة) للروائية الأردنية (هيا صالح )

يستحوذ السرد على المتلقي إذا خرج عن النسق التقليدي للكتابة السردية  , بخلق عوالم افتراضية يتجاوز فيها الكاتب  تصوراته للواقع و السماح ليراعه بالتحليق في فضاء المتخيل .و بحثا عن المغايرة و الاختلاف , و لتعزيز نصيتها عمدت الروائية ' هيا صالح ' على اختراق عالم الغرائبية  بتحررها من الوالقع و الانتقال  إلى اللاواقع .تحيلنا رواية ' جسر بضفة وحيدة '  للروائية ' هيا صالح ' الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" (2021), إلى مجموعة من الثنائيات المتضادة , باعتبار  أن الكون مبني على الثنائيات التي بامكانها أن  تمنح قيمة للأشياء كـ ( الحياة و الموت  , الحقيقة و الخيال , الواقع و الوهم ).تدور أحداث الرواية بين العراق و الأردن . بطلتها ' سامية ' ولدت بالعراق من أب عراقي .  أصول جدها لأبيها فلسطينية . هاجر إلى العراق كلاجيء أثناء النكبة الفلسطينية . عاشت مع أسرتها حياة يسيرة ' لم أفكر أثناء طفولتي أني أنحدر من أسرة فلسطينية لاجئة ,  كنت اعتقد أن جميع البشر عراقيون , ويعيوشون حياة تشبه حياتي , شقة صغيرة و أنيقة ... و مدرسة مريحة , و مساءات تفيض بالبهجة .. ماذا يريد المرء أكثر من ذلك ؟' الرواية ص 31.' سامية ' كانت وحيدة والديها  ماجعلها تصاب بعقدة نقص تحسد كل من...

“عائد من نتساريم”: أدب الجرح في مواجهة الفناء

تأتي المجموعة القصصية "عائد من نتساريم" للكاتب عبد الكريم أبو مصطفى (الآن ناشرون وموزّعون/ عمّان 2026) بوصفها صرخة أدبية مكثفة، تولد من قلب المأساة الغزية لتؤرخ للحظة الوجودية الأكثر قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر. تتفرع المجموعة إلى نصوص قصصية قصيرة، يمكن اعتبار كل منها وحدة سردية تتناول جوانب مختلفة من رحلة النجاة اليومية؛ حيث يتصدر "الطريق" المشهد كبطل غائب حاضر، عبر تتداخل الأحداث المحورية حول رحلة البحث عن "الخبز" مثلاً بوصفه قوام الحياة، لتتحول خطوات الشخوص إلى قرارات تتقاذفها احتمالات الموت في كل لحظة، إذ إن السرد هنا لا يروي حكاية بطولة كلاسيكية، بل يدون ساعة الصفر في حياة أناس عاديين يجدون أنفسهم في فخاخ الرصاص، حيث يصبح التردد مخاطرة، والعودة إلى البيت بلا طحين هزيمة أكبر من الموت نفسه. تتجلى في "نتساريم: طريق لا يشبه العودة"، ومن خلال مجموعة قصصها، فكرة الرحلة التي تحول هوية الناجي إلى مسخ، حيث تتحول "نتساريم" من مجرد ممر جغرافي إلى مطحنة تترك في الروح ذاكرة أثقل من الجسد. وفي "الهش الذي أنقذني"، تتحول البراءة إلى دافع للنجاة، حيث تحلل النصوص المجتمعة في إطار هذه الوحدة السردية، كيف يتحول الأب إلى كائن هش يدفع ضريبة بقائه كأب عبر تضحيات جسدية مؤلمة في غابة من الوحوش. أما "الذي خرج ولم يعد"، فتغوص عبر قصصها، في الفقد المفتوح، وتوثق...

“مشوار مع بِيسْوَا”: حوار مع “الّلاطُمأنينة”

بدايةً يذكّرني عنوان كتاب سميحة خريس هذا "مشوار مع بيسْوَا" بأغنية فيروز الشهيرة "مشوار جِينا ع الدِّني، مشوار"، هذه الأغنية التي ــ بدَورها ــ "ياما" ذكّرتني بمقولة لجَدي "جَبر"، وكنت أناديه "سِيدي" (وكان أهل بعض القُرى، ومنهم أهل قريتنا حتّا (قضاء غزّة)، ينادون الجَدّ بـ"السِّيد")، جدّي الدرويش هذا متعدّد الشخصيّات، عاش ما يقارب مائة عام، وهو صاحب حِكَم لا يترك مناسبة تمرّ من دون أن يطلق فيها حِكمةً ما، حين كنت أسأله عن عُمره؛ كيف عاشه؟ فيجيبني بكلّ استرخاء وعبثيّة ربما "يا سِيْدي، سِيدَك يا عُمَر، من بَطن أمّه للقبر"، ولم أكن أفهم ما يعنيه، فقد كنت ما أزال في العاشرة من عُمري، ولم أفهم تلك المقولة حتى بلغت من العُمر ما بلغتُ بين "مدّ وجَزْر"، وبين "العصا والجزَرة"، وغير ذلك ممّا عايشته، أو تمرّدتُ عليه... أو تكيّفتُ معه! لكنّ كتاب خريس هذا، لا يلبث أن يذكِّرنا أيضًا بكتاب ــ سيرة شاعر، ربّما هو واحد من أبرز شعراء القرن العشرين، أعني التشيليّ بابلو نيرودا في كتابه "أشهد أنّني قد عِشت"، وهذا أمر يتطلّب وقفة ليس هنا مجالُها. لم تكن هذه المقدمة ضرورية لولا طبيعة كتاب سميحة خريس هذا، فالكتاب (الصادر حديثًا عن دار الآن ناشرون وموزعون، عمّان، في 324 صفحة)، والموزّع على قسمين رئيسَين، يشتمل كل منهما على عدد من...

وحدة الأثر والهروب المستحيل في مجموعة «أهرب من ظلي»

«كي تتمكن من النجاة عليك أن تروي القصص». إمبرتو إيكو تقوم نظرية «الأثر المفرد» التي أسس لها إدغار آلان بو وتوسع في شرحها هنري سيدني كانبي، في كتابه «القصة القصيرة في اللغة الإنكليزية»، على أن القصة القصيرة ينبغي أن تُبنى منذ جملتها الأولى باتجاه أثر نفسي أو فكري واحد، بحيث تتضافر جميع عناصرها من حدث، وشخصية، وزمان، ومكان، ولغة، ونهاية، لإحداث انطباع متماسك في وجدان القارئ. ولا يُقاس نجاح القصة بعدد أحداثها، أو تنوع شخصياتها، وإنما بقدرتها على ترك أثر يلاحق القارئ بعد انتهاء القراءة وإعادة تشكيل تجربته مع النص. ومن يقرأ مجموعة «أهرب من ظلي» الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون"، يلحظ أن القاص موسى أبو رياش يكتب وفق هذا الوعي الفني العميق؛ فقصصه لا تبحث عن الإدهاش المجاني، ولا تراكم الوقائع أو الحبكة المعقدة، بل تنحت أثرها ببطء وثبات، حتى تبدو النهايات نتيجة منطقية لمسار نفسي ظل يتشكل منذ السطر الأول، ليغادر القارئ النص وهو يحمل إحساسا مكثفا أكثر مما يحمل حكاية. ويتجلى هذا الخيار الجمالي منذ مفتتح المجموعة، حيث يتصدر النص تصدير بهاء طاهر: «الحقيقة أن هذه الحياة فخ نتخبط فيه منذ أن نولد.. والغلطة أننا نحاول الخروج من هذا الفخ «، فالقصص هنا لا تُروى من أجل الحكاية لكونها تسلية، بل بوصفها محاولة لفهم إنسان يجد نفسه محاصرا بعالم...

«وحده من يقلع العاقول».. رواية تناقش «شجن الغربة» و«عورة الوطن»

«وحده من يقلع العاقول» الرواية الأحدث للكاتب والأديب العراقى عمر سعيد وهي تعتبر شهادة سردية حية، تعتصر أوجاع البحث عن الهوية والنزوح والصراع الإنسانى المعقد الذى يخوضه الإنسان بين نيران الوطن وعزلته فى الاغتراب.تقع الرواية فى مساحة تشابك حادة جمعت بين تقنيات السيرة الموازية أو السيرة الغيرية، والموقف السياسى الصلب، والتحليل النفسى العميق لشخصيات العمل، لتستعرض الرواية عبر شخصية بطلها الصحفى والإعلامى وديع ما يعانيه الإنسان المعاصر حين تحاصره الأنظمة المستبدة والمصالح الضيقة، وتتقاذفه أمواج الغربة وقسوة الموروث الذكورى.ومن الملاحظ أن عمر سعيد يعتمد فى بنائه الروائى على تقنية الزمن المتعدد والمتشابك والتوازى المكانى الممتد ببراعة واستفاضة؛ ويتنقل السرد بنا بسلاسة متناهية بين حاضر البطل فى الولايات المتحدة الأمريكية بين عامى ٢٠٠٦ و٢٠١٤ وهو يواجه قسوة القضاء فى فرجينيا فى قضية عنف أسرى وتهديد بإنهاء إقامته والترحيل، وبين ماضيه المحفوف بالخطر والموت المتربص فى بغداد عام ٢٠٠٧ والظروف الإنسانية الصعبة هناك. هذا التناوب أو التداخل الزمنى المتدفق يعكس أزمة الشتات الداخلى والتمزق النفسى الذى يعتصر الشخصية الرئيسية.من أجمل المشاهد فى الرواية مشهد استجواب الهجرة والترحيل فى أمريكا، إذ إنه يتقاطع مع ذكريات الاعتقال والتحقيق فى الشعبة الخامسة ومعسكر «الرضوانية» ببغداد، ليمسى المكان فى النص ضاغطًا نفسيًا على البطل ومحركا أساسيا يتجاوز مجرد كونه مسرحا جغرافيا صامتا للأحداث.أما على المستوى...

الذات التي صنعتها الأمكنة «دورا سلوان وادي السير.. وبالعكس» سيرة ذاتية لعادل بصبوص

الدكتور سلطان المعانيتبدأ سيرة عادل بصبوص من زمن سبق مولده، كأن الإنسان يأتي إلى الحياة محمّلاً بتاريخ أسرته قبل أن يفتح عينيه على العالم. يضع السارد النكبة في أصل الحكاية حين يفتتح سيرته بعبارة «في البدء كانت النكبة»، فتغدو سنة 1948 عتبةً وجوديةً خرجت منها الأسرة، وتحددت في ضوئها الأمكنة اللاحقة، وتكوّن داخل آثارها وعي الطفل الذي وُلد في دورا بعد سنوات قليلة من اقتلاع أسرته من الدوايمة. يسبق الميلاد السيري الميلاد الجسدي؛ فقد بدأت حياة عادل داخل خوف قديم وحنين موروث وبيت فقده والداه، وأصبح عليه أن يحمل صورته من خلال الكلمات والحكايات وأسماء الحقول والأزقة والأقارب.يختزن عنوان «دورا سلوان وادي السير.. وبالعكس» خريطة العمر كاملةً، فالأمكنة الثلاثة تتقدم مكان السنوات، وتؤدي أسماء البلدات والأحياء وظيفة الفصول الكبرى في حياة السارد. تمثل دورا زمن الولادة والطفولة الريفية والفقر الأول، وتحمل سلوان معنى الانتقال إلى القدس واتساع المعرفة ثم انكسار الأمان في حرب حزيران، بينما ترتبط وادي السير بإعادة بناء الأسرة وتكوين الفتى من خلال المدرسة والعمل والجامعة. تكتسب عبارة «وبالعكس» دلالة العودة التي تنجزها الذاكرة بعد أن تعذرت على الجسد؛ فقد تحركت الأسرة من الدوايمة إلى دورا، ثم من دورا إلى سلوان، وعبرت من سلوان نحو وادي السير، فيما ظل الوعي يسلك الطريق المعاكس، عائداً من الحاضر إلى...