كثيرةٌ هي الكتابات والشهادات التي تناولت كارثة غزة، والإبادة الجماعية التي تعرّض لها أهل القطاع المنكوب، ولكلّ كاتبٍ وشاهدٍ أسلوبُه في تقديم المشهد من زاويته الخاصّة. وهنا، تقوم رواية- شهادة “الخامسة نَجَتْ” للكاتبة ولاء شفيق السلمان (كاتبة من غزّة)، على بنيانٍ يتكوّن من مجموعة شهادات وتأمّلات في أحوال غزّة والكارثة التي يعيشها أهلها منذ حرب الإبادة الصهيونية عليها، بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما قبلها. وهي بذلك توثّق وجع غزة بين الركام والذاكرة، وذلك من خلال سردٍ قائمٍ على شهادات ليلى (قناع الكاتبة) التي فقدت أربعةً من أفراد أسرتها، حيث استُشهد والدها ووالدتها والطفل براء، بينما فُقد أخوها أحمد، فلا هو حيٌّ ولا ميتٌ، وربّما يكون معتقلًا. أما ليلى فهي “الخامسة الناجية” من المجزرة، وهي التي تتحمّل ذنب “نجاتها” التي ليست نجاةً أبدًا… بل إنها تتمنّى لو لم تنجُ، لأنّ نجاتها أدخلتها في صدمةٍ نفسيةٍ وعصبيةٍ (تروما) لا علاج لها، حتى في ألمانيا التي سافرت إليها، واللقاء مع الطبيب العربي هناك.
يقول الناقد المغربي صدوق نور الدين في تقديمه للرواية الصادرة حديثًا في (دار الآن ناشرون- عمّان)، ضمن سلسلة مبادرة “غزة تبدع” التي تتبنّاها الدار: “إن الكاتبة قد راهنت على لغةٍ سرديةٍ واضحةٍ لا غموض فيها، لكنها في الوقت نفسه مشبعةٌ بالصور الأدبية والحمولات النفسية العميقة”. كما تعمد الكاتبة، وفق قراءته، لاعتماد تقنية الحديث عن الرواية من داخل الرواية، وكأن الأمر يتعلق بروايتين داخل روايةٍ واحدة. على أن نواة التقاء الروايتين تظل الحرب على غزة. وينقل لنا الناقد ملامح تجربةٍ سرديةٍ قاسيةٍ ومؤلمة، إذ تدور الحوادث في فلسطين المحتلة، وتحديدًا داخل قطاع غزة خلال فترة الحرب والدمار. ومنذ الصفحات الأولى، تضع الرواية القارئ أمام عالمٍ يفيض بالركام والخوف والذاكرة المثقلة بالفقد، في عملٍ يحوّل الشهادة إلى نصٍّ أدبيٍّ نابضٍ بالألم والنجاة المكسورة.
البحث عن المهندس أحمد
الرواية تتّخذ أسلوب الشهادات التي تتأمّل الكاتبة، من خلالها، أحوال غزّة وأهلها في هذه “المَقتلة” التي لم يشهد التاريخ مثيلًا لعنفها وهمجيّتها. تدور ليلى في شوارع حي الرمال باحثةً عن شقيقها المهندس أحمد، وتكتب مشاهداتها وانطباعاتها. تتأمّل في واقعٍ شديد الغرابة والغرائبيّة. وتحضر الكاتبة بوصفها “ليلى” بطلة الرواية- الشهادة؛ ففي ملاحظةٍ أولى تكتب بعنوان “صرخة في وجه النسيان”: “أيها القارئ العابر في زمن الأمان إلى زمننا الممزّق”، بما يعني أن الكاتبة الروائية نفسها هي “الخامسة التي نجَت” بجسدها فقط، بينما باتت روحها معذّبةً والكتابة هذه “محاولةٌ يائسةٌ لتوثيق كابوسها الأبديّ”، وأن ما تكتبه هنا من رمادٍ وعزلةٍ ودموعٍ، ليس “إلّا صيغةً أدبيةً مجمّلةً لواقعٍ لا يُحتمل”، وهي- أي هذه الكتابة- “شهاداتٌ حيةٌ سمعتها الكاتبة وعاشتها” مع آخرين منكوبين مثلها.
تركّز الكاتبة في شهادتها على أن ما تكتبه هو محض شهادةٍ على ما جرى ويجري… تقول: “هذه ليست أدبًا، بل هذي تشريحٌ لجثّة الذاكرة”، فهي تكتب من بين الركام الذي صار فِراشًا أبديًّا، وتبكي السقف المهدّم، وصرخات الثكالى والأطلال وآلام الجرحى… لكنها تشتعل بثقةٍ لا تكسرها قذيفة، وإيمانٍ مطلقٍ بالله بأن الدماء المباركة والمعاناة الهائلة، ستكون كلها أساسًا لجَبرٍ عظيمٍ يغيّر المشهد لصالح الفلسطيني! وتظل “النجاة”- كما تكرر الكاتبة- كلمةً مخادعةً، ولا تعني حياةً، بل “بداية معركةٍ جديدةٍ مع الذاكرة والحلم، ومع كل نفَسٍ جديد”.
شهادات ومشاعر
هي كتابةٌ تنشغل بالمشاعر والأحاسيس، أكثر من اهتمامها بالحوادث والتقنيات السردية، لكن لها أسلوبها في التعبير عمّا تريد، والرسالة التي تنوي توصيلها لقارئها. وفي العناوين التي تتصدر الفصول ثمّة لغةٌ شفيفةٌ بطابعٍ مأسويّ… هي تبدأ بفصل “ما قبل الصِّفر… ضحكة سجينٍ يودّع الحياة”، إذ ترسم صورة ما قبل الطوفان، حيث “الأب يحمل الطفل براء ورضّاعته… وليلى تدرُس رواية، وشقيقها أحمد يستعد لعملٍ جديدٍ في مكتب الهندسة، ويخطط للزواج من مريم المهندسة التي يحلم معها ببناء مدينةٍ تقاوم الصواريخ”. ولكنْ أيّ مستقبلٍ ينتظرهم حقيقةً وواقعًا؟ هذا ما تواصل الكاتبة البحث والتأمّل فيه… وهي تتدخّل في السرد والتأمّل كما لو كانت تكتب روايةً داخل رواية.
وفي فصل “العدّ الناقص… رائحة الموت والخبز”، تكتب الكاتبة عن رائحة الموت، موت أفراد الأسرة وغيرهم من البشر، حيث الجثث ملقاةٌ على الشوارع، وتظل تبكي لبقاء أحمد غائبًا، ثم تكتب عن “أجسادٍ في متاهة الجحيم”، وعن “الخبز الملطّخ بالدماء والميلاد في الصفيح”، وعن “الأماكن بوصفها مقابر ورقيّةً للمشاعر”، وافتقاد اليقين بإمكانية النوم باطمئنان، حيث كل سريرٍ يحكي حكاية عائلةٍ تلاشت، وسجلات الموتى أصبحت مثل طبولٍ جنائزية.
في العام الثاني ترتدي رداء الصمت، تعتبر أن التكيّف مع الكارثة هو حالةٌ مرَضيّة. وأن واجبها أن تكون صوت عائلتها خصوصًا براء الطفل. وتسعى إلى البحث عن الحقيقة وليس عن أحمد فقط، وتشهد على الزنازين والتعذيب، كما لو أنها شهادة الهيكل العظمي… وتعمل على توثيق الوحشية “حكايات هشام الهيكل العظمي الذي نجا”، وتستحضر طقوس الموت البطيء في المعتقلات، وتعذيب الروح قبل الجسد، وتتأمّل الذاكرة بوصفها سجن الروح، وتظلّ تتنقل بين الأمل واليأس… وقسوة النجاة… والعودة إلى الهاوية: حيث تصبح ليلى وعاءً للذاكرة المثقوبة… وترى كيف أن الحرب قد “غيّرت خريطة دماغها”.
ورغم ذلك، تظلّ الأحلام، التي هي آخر حصون الروح، تتلاشى. وكان التلاشي ممنهجًا لمستقبل جيلٍ بأكمله، هكذا كتبت ليلى في مذكراتها: “حياتنا توقفت عند لحظة الصفر”، وتكتب عن صور مخلوقاتٍ من زمن ما بعد النهاية. وتحضر فكرة الخروج من غزة بوصفها حلمًا مهجورًا، وترى ما تُسمّيه “الهجرة الآمنة”، وحين تغادر غزة تكتشف “المؤسسات المصائد”، لكنها ترحل: “أرحل لأحكي قصتكم، لأكون شاهدتكم الوحيدة التي خرجت من قفص العذاب”. وفي رحيلها الموقّت تكتشف “صدمة الرخاء”، وتتذكر رائحة الخبز الممزوج بالرماد والطين. ويهزّها شعورٌ بالغربة والاغتراب، تشعر أنها تعيش في زمنٍ جيولوجيٍّ مختلف.
يساعدها يوسف الطبيب النفساني المتخصص في تروما الحروب. فضلًا عن أنها كانت تُفرغ وجعها على الورق… فيقول الطبيب لها: “أنتِ لستِ مريضة. أنتِ شاهدة. وعليكِ أن تُخرجي كل شيء. وروايتكِ هذه يجب أن تُكتب. هذا الألم ليس ملككِ وحدك. لقد حملتِ عبء الألم الجماعي لغزة. أنتِ لستِ “خامسة فردية”، أنتِ الخامسة الرمز”.
وتمضي ستة أشهر على وجود ليلى خارج غزة، برخاءٍ وهدوءٍ مشوّشين، فهي لم تزل تعيش “الثقل الجيولوجي” للذاكرة ومحاولة التحرر… تقول: “لا أريد شفقة، النجاة ليست نهايةً مريحةً، بل هي مسؤوليةٌ مؤلمة”. ويأتيها شقيقها أحمد في منام ليلي طالبًا منها أن لا ترهق قلبها في البحث عن جسده: “فقد تحللتُ في هذه الأرض حتى صرت جزءًا من تكوينها. أنا لستُ خلف القضبان، ولستُ تحت التراب فحسب”، فتقول: أنا الآن في كل ذرة، سأكتب الرواية و”لن تكون حكايتي، بل ستكون صرخة أحمد التي لم يسمعها أحد. سأجعل العالم يشعر بثقل الخرسانة على صدورنا، وبغصّة الدم في حلوقنا. النجاة في غزة ليست حياةً جديدةً، بل هي ندبةٌ أبديةٌ في الروح، وعهدٌ مقدسٌ مع الراحلين”.
المشهد الأخير، الشاهد الذي يرفض أن تكون ليلى أصبحت جزءًا عضويًا يموت، ويحتفي بذاكرةٍ حادة.
لقد كتبت روايتها التي أسمَتها “صرخة أحفاد صانعي الركام”، لتَعقد بها وداعها الأخير لكل حلمٍ جميل، وتُدشّن معركتها الأبدية ضد عدوها الأزلي: النسيان. وهكذا فقد تحولت ليلى إلى شاهدٍ حيٍّ على تدمير مفهوم الملاذ الكاذب والمخادع؛ الأمر الذي يعيد القارئ إلى عنوان الرواية “الخامسة نجت”، لتكرر مفهوم النجاة الوهميّة الكاذبة. وهو يكرّس حالة الصدمة النفسية العصبية (تروما) التي تسكن الإنسان الذي نجا، وتقول: ليته ما نجا!
(عمر شبانة، صحيفة ضفة ثالثة، 13/7/2023)


