متاهة الهوية والحب تحت القصف في رواية: أنا لست يحيى السنوار للروائية الفلسطينية: سماح خليفة

متاهة الهوية والحب تحت القصف في رواية: أنا لست يحيى السنوار للروائية الفلسطينية: سماح خليفة


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    تمهيد:
    حين يصبح الاسم نعمة ونقمة:
    في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع المصير، وتتشابك فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، تأتي رواية “أنا لستُ يحيي السنــوار” للكاتبة الفلســطينية سماح خليفة لتقدّم عملاً أدبياً فريداً، يتجاوز كونه مجرد سرد روائي، ليصبح وثيقة إنسانية بامتياز. فالرواية، الصادرة عام 2026، ليست مجرد حكاية حبّ في زمن الحرب، بل هي مرآة تعكس تناقضات الذات الفلســطينية في لحظة تاريخية فارقة، حيث يمتزج الفردي بالجماعي، والسياسي بالوجداني، والعابر بالأبدي.

    العنوان نفسه – “أنا لستُ يحيي السنـوار” – يحمل في طيّاته إشكالية مركزية في النص:
    * صراع الهوية بين ما يفرضه الواقع من رمزية وما تتمناه الذات من خصوصية. فالبطل، الذي يُدعى يحيى أيضاً، يعيش تحت وطأة اسم يتشاركه مع قائد حركة حمـــاس، مما يجعله هدفاً للارتياب والملاحقة، رغم انتمائه لعالم الصحافة والكلمة لا لعالم الرصاص والبارود.
    هذا التشابك الاسمي يخلق توتراً درامياً ينسحب على كامل بنية الرواية، ويفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الهوية، والمقاومة، والحب، والخيانة، والوطن.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    أولاً: البنية السردية – حكاية متقاطعة بين ضفتين.
    . 1- التناوب السردي وثنائية الرؤية
    تعتمد سماح خليفة بنية سردية متقنة، تقوم على التناوب بين صوتين رئيسيين:
    * يحيى الصحفي المقيم في جنين.
    * آية الممرضة النازحة من غــزة.
    هذا التناوب يمنح القارئ فرصة رؤية الحرب من زاويتين مختلفتين لكنهما متكاملتان:
    من جهة يحيى:
    نعيش معاناته اليومية في الضفة الغربية، حيث الاحتلال حاضر بكل تفاصيله القاسية:
    * الاقتحامات.* الاعتقالات.* تدمير البنية التحتية.
    * والخوف الدائم على العائلة.
    لكنّ صوته يحمل أيضاً هاجس الحبّ، والرغبة في الهروب من عباءة “السنــوار” التي تُلقى على كاهله رغماً عنه.

    من جهة آية:
    نغوص في جحيم غــزة تحت القصف، حيث الموت يصبح رفيقاً يومياً، والنزوح أسلوب حياة،
    والفقدان حقيقة ملموسة.
    صوت آية هو صوت المرأة الغزّية التي تفقد عائلتها وتصبح “الناجية الوحيدة”، لكنها تحتفظ بشعلة أمل تتمثل في حلمها بالحبّ والحياة.
    هذا التناوب يخلق إيقاعاً درامياً مذهلاً، حيث ينتقل القارئ بين مشاهد الخراب في غـزة ومشاهد القلق في جنين، ليكتشف أن الوجع واحد، وأن المسافات الجغرافية لا تمنع تشابك المصائر.

    2- الزمن والحرب: لعبة الساعات المقلوبة
    تُتقن الكاتبة توظيف الزمن في الرواية، فالحرب هنا ليست مجرد خلفية، بل هي شخصية فاعلة تعيد تشكيل الزمن نفسه.
    فالوقت في غــزة لا يُقاس بالساعات والدقائق، بل “بحجم الألم، وعمق الجرح، وقوة الوجع، وحدّة الجوع، ومرارة اليتم”.
    هذا التصور الزمني يعكس كيف تحوّلت حياة الغزيين إلى سلسلة من لحظات البقاء، حيث يفقد الزمن وظيفته الطبيعية ليصبح أداة للتعذيب النفسي.

    في المقابل، زمن يحيى في جنين مختلف، لكنه أيضاً زمن مشوّه بالانتظار والقلق:
    * انتظار أخبار الحرب.
    * انتظار اعتدال أوضاع أحمد.
    * انتظار ردّ آية.
    الزمن في الرواية كلّه يخضع لسلطة الاحـتلال، سواء في غــزة أو الضفة، وكأنّ الفلســطينيين يعيشون في ساعة مكسورة لا تشير إلا إلى موت أو ألم.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ثانياً: الشخصيات – مرايا متعددة للوجع الفلســطيني.
    1. يحيى: الصحفي الذي لا يريد أن يكون رمزاً.
    يحيى عبد الحق، بطل الرواية، هو نموذج للمثقف الفلســـطيني الذي يعيش صراعاً داخلياً مركّباً.
    فهو من جهة، صحفي ملتزم ينقل الحقيقة بحيادية، ويحاول البقاء على مسافة آمنة من الصراع السياسي المباشر، لكنه من جهة أخرى، لا يستطيع الفكاك من تبعات اسمه الذي يضعه في مرمى (الشبهات).
    يحيى ليس بطلاً قومياً بالمعنى التقليدي؛ إنه إنسان يريد أن يحبّ، أن يعيش حياة طبيعية، أن يؤثّت بيته مع حبيبته، أن ينجب أطفالاً، أن يشرب القهوة في الصباح دون خوف من صاروخ.
    لكن العالم الذي يعيش فيه لا يسمح بذلك، إنه نموذج للإنسان الفلســطيني الذي يُسأل دائماً: “مع من أنت؟”، ويُصنّف في خانة “مؤيد” أو “معارض”، دون أن يُترك له حق أن يكون مجرّد إنسان.
    علاقته بنضال، زميله في الصحيفة، تعكس صراعاً آخر بين:
    * الإرادة الفردية في البقاء.* وبين الاندفاع الثوري.
    نضال يمثل الصوت الحادّ الذي يريد المواجهة مهما كان الثمن، بينما يحيى يمثل الصوت العاقل الذي يدرك حدود الإمكانيات، ويتعامل مع الكلمة كسلاح لا يقلّ أهمية عن الرصاصة، لكنه سلاح مختلف.
    2- آية:
    المرأة التي تحمل غــزة على كتفيها.
    آية هي القلب النابض للرواية، ليست مجرد حبيبة، بل هي تجسيد لغـزة نفسها:
    مدينةٌ تُقصف، وتُحرق، وتُنزح، لكنها تصمد.
    آية فقدت عائلتها كلها: والدها، والدتها، أختها طوفان (التي ولدت في 7 أكتوبر 2023 وماتت
    جائعة)، وأخاها إياد الذي يُفترض أنه حيّ لكن مصيره مجهول.
    هي “الناجية الوحيدة”، لكن نجاتها ليست انتصاراً، بل عبء ثقيل.

    تتطوّر شخصية آية عبر الرواية من امرأة منكسرة، إلى امرأة تدرك أن البقاء قد يكون شكلاً من
    أشكال المقاومة.
    حواراتها الداخلية، ومراسلاتها مع يحيى، وعلاقتها بالنساء في خيمة النزوح (أم يوسف، خالدية،
    سلمى)، كلها تُظهر نموّها النفسي والروحي.
    إنها تتعلم أن الحب ليس خيانة، وأن الرحيل ليس هروباً، بل يمكن أن يكون فعلاً وجودياً يحافظ
    على الحياة التي أرادها من رحلوا.
    3- الشخصيات الثانوية:
    نسيج متكامل من المعاناة.
    نضال:
    ابن الشهيد، الصوت الثائر، الذي يقرّر في النهاية مرافقة يحيى في رحلته، ويُستشهد في المعبر
    بعد أن يُتهم خطأً بأنه جزء من خلية تابعة للسنـوار.
    موته صادم، لكنه يخدم فكرة أن الاسم والارتباط قد يكونان قاتلين.

    أم يحيى:
    المرأة التي ترفض مغادرة بيتها في جنين رغم كل شيء، والتي تجسّد تمسّك الفلســطيني بالأرض.
    حواراتها مع يحيى حول الحب والوطن والرحيل هي من أعمق المشاهد في الرواية.

    سلمى:
    صديقة آية في الخيمة، التي تموت بشظية في رأسها، بعد أن كانت تدفع آية إلى الرحيل والنجاة.
    موتها يحمل رسالة:
    أن الموت في غــزة لا يستثني أحداً، وأن الحياة يجب أن تُنتزع من بين الأنقاض..
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ثالثاً: الموضوعات الأساسية – بين السياسي والوجداني.
    . 1- الحرب والإبـادة: مشهدية الموت اليومي
    تُقدّم سماح خليفة صورة مروّعة للحرب، لا عبر الأرقام والإحصاءات، بل عبر التفاصيل الحسّية:
    * رائحة اللحم البــشري المشوي.
    * الغبار الذي يلتصق بالجلد ويحمل خلايا جثــث الآخرين.
    * صوت القصف الذي يقتل حتى قبل أن يصيب.
    * شحّ الماء والطعام، و النزوح المتكرر.
    الحرب في الرواية ليست حدثاً استثنائياً، بل هي نمط حياة، وخلفية دائمة، وشخصية تتحكم في كل شيء.
    الوصف المتقن لمشاهد القصف، والمحرقة، والجثــث المتناثرة، يجعل القارئ يعيش التجربة بنفسه،
    وكأنه داخل غــزة، يشم الغبار، ويسمع الصراخ، ويشعر بالجوع والعطش.
    هذا الأسلوب الواقعي المفرط في التفاصيل، يمنح الرواية قوة تأثير استثنائية، ويحولها من مجرد
    نص أدبي إلى شهادة إنسانية على جريمة إبــادة.
    . 2- الحبّ كفعل مقاومة
    في قلب الرواية، ثمّة فكرة جريئة:
    الحبّ في زمن الحرب ليس ترفاً، بل هو مقاومة بحدّ ذاتها.
    يحيى وآية يحبان بعضهما رغم المسافات، رغم القصف، رغم الفقد، رغم كل شيء. حبّهما يتجاوز كونه علاقة عاطفية، ليصبح رفضاً للموت، وتشبّثاً بالحياة، وإعلاناً أن الإنسان الفلســـطيني لا يُختزل في كونه ضحية، بل هو أيضاً كائن يحلم، ويعشق، ويريد المستقبل.

    هذه الفكرة تتبلور في حوارات يحيى مع آية، وفي محاولته إقناعها بالرحيل من غـزة.
    الحبّ هنا ليس هروباً، بل هو خيار وجودي: “الرحيل ليس ذنباً، إنّه حق ننتزعه لنصنع مستقبلاً تستحقه أرواحنا”.
    . 3- الهوية والاسم: لعنة التشابه
    العنوان “أنا لستُ يحيي السنـوار” هو جوهر الصراع النفسي للبطل.
    الاسم المشترك بينه وبين قائد حمـــاس يجعله عرضة للاتهامات، حتى وهو مجرّد صحفي يكتب كلماته بحيادية.
    هذا التشابه يكشف أزمة أعمق، في عالم يحكمه الاستقطاب، يصبح الفرد مجرد رمز أو تصنيف، ويُحرم من خصوصيته.

    قصة يحيى تناقش كيف يمكن لاسم أن يحدد مصير إنسان، وكيف تُفرض الهويات من الخارج، في المعبر، حين يصرخ الجندي الإسرائيلي “يحيي السنــوار!”، يتحول الصحفي العادي إلى “إرهـابي”، ويصبح هدفاً للتعـذيب والقـتل، لمجرد أن اسمه يتشابه مع اسم آخر.
    هذه المفارقة المأساوية تُظهر كيف أن الاحتلال لا يرى الفلســطيني كفرد، بل كجزء من كتلة، وكيف يُعاقب الإنسان على انتمائه حتى لو كان ذلك الانتماء افتراضياً.
    . 4- الرحيل والخيانة: جدلية البقاء
    تطرح الرواية سؤالاً مؤلماً:
    * هل الرحيل عن الوطن خيانة؟
    آية تواجه هذا السؤال طوال النص، خاصة في حوارها مع سلمى وصديقاتها.
    البعض يرى أن البقاء في غــزة حتى الموت هو تضحية وشهادة، والبعض يرى أن الرحيل هو شكل من أشكال البقاء، وأن من يرحل يحمل الوطن معه في ذاكرته، وينقله إلى الأجيال القادمة.

    أم يحيى تجسّد موقف التمسّك بالأرض مهما كان الثمن، بينما يحيى يمثل موقف البحث عن حياة مختلفة.
    لكن الرواية لا تبتّ في المسألة، بل تتركها مفتوحة، وكأنّ الإجابة تختلف من شخص لآخر، ومن
    لحظة لأخرى.
    في النهاية، يموت يحيى في التحقيق بعد أن اتُهم خطأً، بينما آية تقف على أبواب المعبر، وقد
    تقرّر الرحيل، أو ربّما لا.
    هذا التردّد النهائي يعكس حقيقة أن القرار الفلسـطيني في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون
    نهائياً أو واضحاً.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    رابعاً: الأسلوب الأدبي – لغة بين الشعر والشهادة.
    1- الواقعية المفرطة.
    تميل سماح خليفة إلى أسلوب واقعي يعتمد على التفاصيل الحسّية المكثّفة.
    فهي لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تغوص في التفاصيل الصغرى: طعم الغبار، صوت القذيفة،
    رائحة الدخان، ملمس الجلد المحروق.
    هذه الواقعية المفرطة تجعل النص أشبه بتقرير ميداني، لكن بلغة أدبية رفيعة، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى استعارات عن الوجع الإنساني.
    . 2- اللغة الشعرية والتكثيف المجازي
    رغم واقعيتها، فإن الرواية تفيض بلغة شعرية تتراوح بين السخرية والألم والأمل.
    ففي وصف غــزة، تستخدم الكاتبة استعارات مذهلة:
    * “تحوّلت غــزة إلى مدينة أشباح، تؤثّثها الجمــاجم”، أو “المطر هنا ليس مطراً، إنّه نيران تهوي بعنف”.
    هذه اللغة لا تزيّن الواقع، بل تكشفه بشكل أكثر عمقاً، وتجعل القارئ يشعر بالحدث، لا يقرأ عنه فقط.
    . 3- تقنية المونتاج السردي
    تستخدم الكاتبة تقنية الانتقال السريع بين المشاهد، وكأنّها تقوم بعملية مونتاج سينمائي. هذا الأسلوب يخلق إيقاعاً درامياً عالياً، ويجعل القارئ يعيش تشظي الحرب، حيث تتقطع الأحداث كما تتقطع الأجــساد.
    فصول الرواية القصيرة، والانتقال بين صوت يحيى وصوت آية، يعبّر عن تشظي الذات الفلســطينية في زمن الحرب، وعن صعوبة تركيب الصورة الكاملة للواقع.
    . 4- التناص الأدبي والتاريخي
    تلجأ الكاتبة إلى التناص مع شخصيات وأحداث تاريخية وأدبية:
    * يحيي السـنـوار نفسه كرمز.* غسّان كنفاني.
    * ميكافيلي.* شخصيات الأساطير اليونانية (ميدوسا وبيرسيوس).
    هذه الإحالات تضفي عمقاً فلسفياً على النص، وتفتحه على أفق ثقافي أوسع، حيث تندرج المأساة
    الفلســطينية في سياق المآسي الإنسانية الكبرى.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    خامساً: الرمزية والإيحاء – مختبئات النص
    . 1- الاسم: يحيى / السنـوار
    كما ذكرنا، الاسم هو الرمز المحوري، يحيي السنـوار الحقيقي هو قائد المقاومة، بينما يحيى البطل هو الصحفي.
    هذا التشابه يكشف عن أزمة الهوية الفلســطينية:
    كيف يُختزل الفرد في رمزية سياسية، وكيف يُحكم عليه بناءً على اسمه أو انتمائه المفترض.
    لكن الرمزية تمتد إلى ما هو أبعد:
    يحيى الصحفي يموت في التحقيق وهو يردّد “أنا لست يحيي السنـوار”، وكأنه يموت دفاعاً عن
    هويته الفردية.
    لكن موته، في النهاية، هو أيضاً شكل من أشكال المقاومة، لأن الاحتلال يريد قتله لأنه يحمل
    اسماً يشبه اسم قائد المقاومة، فهو ضحية صراع الرموز.
    . 2- طوفان: الولادة والموت معاً
    اسم طوفان، أخت آية التي ولدت في 7 أكتوبر 2023، هو رمز مزدوج.
    الطوفان هو اسم العملية العسكرية التي شنّتها حمـــاس، وهو أيضاً كارثة طبيعية مدمرة.
    طوفان (الطفلة) تولد في يوم الحرب، وتعيش أياماً قليلة ثم تموت جوعاً.
    ولادتها وموتها يعكسان ازدواجية الحدث: انتصار مؤقت مقابل دمار شامل، حياة جديدة مقابل
    موت جماعي، طوفان ليست مجرد طفلة، بل رمز لجيل الحرب، الذي يولد ليموت دون أن يعرف
    الحياة.
    . 3- الركام والغبار: استعارة للمحو
    الركام والغبار يتكرران في الرواية كاستعارات للمحو والتشظي.
    غبار الحرب ليس غباراً عادياً، بل هو خلايا جثـث الموتى المفــتتة، يلتصق بالبشرة ويصبح جزءاً
    من جسد الناجين.
    الغبار هنا يمثل الذاكرة الممزقة، والهوية المسروقة، والألم الذي لا يزول.
    آية تشعر بأن الغبار يلتصق بها، وكأنها تحمل موتى غــزة على جلدها.
    هذه الاستعارة المروّعة تُظهر كيف أن الحرب تترك أثرها ليس فقط على الأرض، بل على النفوس
    والأجساد.
    . 4- الخيمة: الوطن المتنقل
    الخيمة في الرواية هي رمز للنزوح واللجوء المؤقت، لكنها تصبح وطناً متنقلاً.
    النسوة في الخيمة يخلقن جماعة جديدة، ويعيدن تعريف العائلة، ويصنعن الحياة من العدم. الخيمة
    ليست مجرد مكان للإيواء، بل هي مسرح للمقاومة اليومية، حيث تُطهى الوجبات من لا شيء،
    وتُروى الحكايات، وتُولد أسماء جديدة.
    الخيمة هي الوطن المصغّر، الذي يثبت أن الوجود الفلســطيني لا يمكن محوه حتى لو مُحيت
    البيوت.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    سادساً: الصوت النسائي في الرواية 
    (بطولة متعددة)
    تتميز الرواية بتعدد الأصوات النسائية، حيث تمنح الكاتبة مساحة واسعة للنساء الغزّيات ليحكين
    قصصهن.
    كل امرأة في الخيمة تحمل مأساة خاصة:
    * أم يوسف التي تفقد زوجها وأبناءها لكنها توقد النار لتطهو الطعام.
    * خالدية الحامل التي تموت مع جنينها.
    * سلمى التي تشجّع آية على الرحيل ثم تموت بشظية في رأسها.

    نساء لسن ضحايا سلبيات، بل هن فاعلات:
    * يقدّمن الدعم، يبتكرن وسائل البقاء.
    * يحافظن على التماسك الاجتماعي.
    * وينقلن روح الصمود.
    الرواية تمنح النساء صوتاً في زمن الحرب، وتظهر أن مقاومتهن لا تقلّ أهمية عن
    مقاومة الرجال، بل إنها أكثر استمرارية، لأنهن يحملن الحياة ويواجهن الموت بوجهه،
    ويصنعن الأمل من لا شيء.
    العلاقة بين آية وأم يحيى، عبر المكالمات الهاتفية، تعكس أيضاً روح التضامن النسائي، حيث
    تصبح أم يحيى بديلاً عن أم آية المفقودة.
    هذا التبنّي العاطفي يظهر كيف تتجاوز الحرب الحدود الجغرافية لتخلق عائلات جديدة، وكيف أن
    الحبّ والأمومة يمكن أن يمتدّا عبر المسافات.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    سابعاً: المكان – غــزة وجنــين كشخصيتين روائيتين
    . 1- غــزة: المدينة التي تئن
    غــزة في الرواية ليست مجرد مكان، بل هي كائن حي يعاني ويتألم.
    تصفها الكاتبة بأنها “مدينة أشباح”، و”جهنم الدنيا”، و”مقبرة كبيرة”.
    كل شارع فيها يحمل ذاكرة، وكل حجر يروي حكاية، وكل جثة تُضاف إلى كومة الموت اليومي.
    غــزة هي الشخصية الأكثر حضوراً في النص، حتى قبل يحيى وآية.
    هي من تتحكّم بالأحداث، ومن تحدّد المصائر، ومن تشكّل وجع الشخصيات.
    .2- جنـين: المدينة الشقيقة
    جنــين في الرواية هي غــزة المصغّرة، تعاني من اقتحامات الاحتلال، ومن تدمير البنية التحتية،
    ومن الاعتقالات، لكنها تحتفظ بروح المقاومة.
    * العم شاكر، صاحب كشك الفلافل الذي قُتل بابتسامته.
    * العم صبحي الذي يدافع عن كشكه الذي داسته الجرافة.
    كلاهما يرمز لمدينة جنـ**ـين التي لا تستسلم.
    المشهد الذي تداس فيه كشك العم صبحي من قبل الجرافات الإسرائيلية هو لقطة سينمائية تعكس
    كيف يُحطّم الاحتلال تفاصيل الحياة اليومية، لكن الروح تبقى، كما يبقى إبريق الشاي ساخناً رغم
    التدمير.
    جنــين وغـزة، رغم المسافة، مرتبطتان بجرح واحد:
    جرح الفلســطيني الممتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط.
    الرواية تظهر كيف أن ما يحدث في غــزة ينعكس على الضفة، وكيف أن المصير واحد، رغم
    محاولات الاحتلال الفصل بينهما.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ثامناً: النهاية – موت يحيى وتردّد آية.
    النهاية مفتوحة وصادمة:
    يحيى يُستشهد في التحقيق، بعد أن اتُهم خطأً بأنه السـنـوار، ويُترك القارئ دون معرفة مصير آية:
    * هل عبرت المعبر؟
    * هل رحلت؟
    * هل بقيت في غــزة؟
    هذا التردّد النهائي يعكس التردّد الفلســطيني ذاته:
    * الرحيل أم البقاء؟
    * الموت أم الحياة؟
    * الاستسلام أم المقاومة؟
    لكن النهاية تحمل أيضاً بُعداً تأملياً فلسفياً، حيث تختم الكاتبة بعبارة:
    “ننتهي لنبدأ من جديد؛ فالنهاية ليست إلّا شكلاً من أشكال البدايات”.
    هذه العبارة تمنح القارئ أملاً، وتقول إن موت يحيى ليس نهاية القصة، بل بداية لمرحلة جديدة،
    ربما في حياة آية، أو في وعي القارئ، أو في مسار المقاومة الفلســطينية.
    الموت في الرواية ليس فناءً، بل تحوّل، كما يتحوّل الغبار إلى أرض جديدة، وكما يتحوّل الحب
    إلى ذاكرة خالدة.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    تاسعاً: العنوان “أنا لستُ يحيي السن**ـوار”
    – بحثاً عن الذات المسلوبة.
    العنوان ليس مجرد تصريح، بل هو برنامج روائي بامتياز.
    إنه صرخة يحيى (البطل) ضد محاولات احتواء هويته داخل قالب نمطي.
    في عالم يرى الفلســطيني إما “إرهابياً” أو “ضحية”، يريد يحيى أن يكون إنساناً بكل تعقيداته:
    * صحفياً.* عاشقاً.* ابناً.* أخاً.
    * إنساناً يريد أن يحبّ ويعيش بسلام.
    ولكن المفارقة المأساوية أن يحيى لا يستطيع التخلّص من ظل السنـوار، حتى في موته.
    ففي المعبر، حين يُنادى باسمه، يتحوّل إلى نسخة أخرى من السنـوار، ويُقتل بسبب التشابه الاسمي.
    هذا الموت العبثي يطرح سؤالاً:
    * هل يمكن للفلســطيني أن يكون نفسه في مواجهة آلة تصنيف تسعى إلى اختزاله؟ العنوان أيضاً
    هو انعكاس للعلاقة المعقّدة بين الفلســطيني وقادته:
    ففي الوقت الذي يُطالب فيه الفلســطيني بدعم المقاومة، يرفض أن يُختزل فيها، ويريد أن يبقى فرداً
    له حقوقه وأحلامه.

    من ناحية أخرى، العنوان هو أيضاً اعتراف ضمني بالقيمة الرمزية ليحيي السنـوار. فنفي التشابه
    معه، هو في حدّ ذاته، اعتراف بأهميته.
    يحيى البطل يقول “أنا لست السنوار”، لكنه لا يقول “السنـوار ليس شيئاً”.
    بل هو يعترف بأن السنـوار رمز، لكنه يريد أن يكون شيئاً آخر.
    هذا التوتر بين الانتماء والخصوصية هو جوهر الرواية.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    عاشراً: خلاصة – رواية عن فلسـطين الحاضرة والغائبة.
    رواية “أنا لستُ يحيي السنـوار” ليست مجرد قصة حبّ أو حرب، بل هي نصّ تأسيسي يسجّل
    مأساة فلســطين بلغة أدبية رفيعة.
    إنها رواية عن الألم الذي لا يُحتمل، والحب الذي لا يستسلم، والهوية التي لا تُسلب. سماح خليفة
    استطاعت أن تخلق عالماً روائياً يتحرك بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والرمز، بين الفردي
    والجماعي.

    ما يميّز الرواية هو قدرتها على الجمع بين التفاصيل اليومية الصغيرة (قهوة الصباح، فلافل العم
    شاكر، رائحة الخبز) والموضوعات الكبرى (الإبــادة، الهوية، المقاومة، الحب).
    هذا التكامل يجعل النص قريباً من القلب، وفي الوقت نفسه، موسعاً في رؤيته للعالم.

    الرواية تضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية:
    أن يرى في الفلســطيني إنساناً لا رمزاً، وأن يسمع قصته الفردية التي لا تُختزل في الأخبار
    والإحصاءات.
    من خلال يحيى وآية، ومن خلال كل الشخصيات الثانوية، تمنحنا سماح خليفة فرصة لرؤية
    فلسـطين بعيون من يعيشونها، ويعانونها، ويحلمون بها.
    في النهاية، تبقى الرواية صدى لصرخة لا تموت، ولحن حبّ لا ينتهي، وشهادة على أن الحياة،
    رغم كل شيء، تستحق أن تُعاش، وأن الوطن، حتى لو سُلب جغرافياً، يظل حياً في الذاكرة والروح.
    وكما تقول الكاتبة في ختامها:
    “ننتهي لنبدأ من جديد”، فكل نهاية في فلســطين هي بداية، وكل موت هو شهادة حياة
    شكرًا للرائعة: سماح خليفة.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المهندس: عادل التوني.
    الرئيس الأسبق لرابطة الكتاب العرب على الانترنت التابعة لشركة (جوجل)
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    السيرة الذاتية
    الأديبة والباحثة سماح خليفة – فلسطين
    سماح خليفة كاتبة وروائية وشاعرة وناقدة وباحثة أكاديمية فلسطينية، تجمع في مسيرتها بين الإبداع الأدبي والبحث العلمي والعمل التربوي، ولها حضور فاعل في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي.

    المؤهلات العلمية:
    ماجستير في الأدب العربي – تخصص النقد الثقافي.
    بكالوريوس في اللغة العربية.
    دبلوم التأهيل التربوي.
    إجازة في تجويد القرآن الكريم وترتيله.
    العضويات والأنشطة المهنية
    عضو في اتحاد الكتّاب.
    كاتبة عمود في جريدة القدس.
    نشرت مقالات ودراسات وإبداعات في عدد من الصحف والمواقع الثقافية العربية، منها: القدس العربي، الرأي، ومؤسسة صالون ثقافي: هنا لنا كلمة التابعة.
    صانعة محتوى في قناة العربية التعليمية.
    صاحبة مدونة إلكترونية تُعنى بالشأن الثقافي والأدبي.
    تنشط عبر منصات التواصل الاجتماعي في نشر المحتوى الثقافي والأدبي.
    المشاركات الثقافية:
    شاركت في العديد من المؤتمرات والندوات والأمسيات الأدبية، من أبرزها:
    ندوة الأدب الفلسطيني المعاصر ضمن فعاليات معرض الكتاب (2022).
    مؤتمر الاستشراق والرواية (2025).
    مدرب مشارك في مشروع “نحو أدب فلسطيني وطني” ضمن نشاطات جمعية الزيزفونة لتشجيع القراءة.
    مشاركات متعددة في الندوات والملتقيات الثقافية والأدبية داخل فلسطين وخارجها.
    ا*****
    تأهلت مخطوطة ديوان “وشم على جيد القصيد” إلى القائمة القصيرة لجائزة موزاييك (دورة نزار قباني).
    ديوان “غزة على وتر القلب” مقرر صدوره عن وزارة الثقافة الفلسطينية.
    الإصدارات الأدبية:
    الروايات
    أنا لست يحيى السـنوار.
    نطفة سوداء في رحم أبيض.
    الدواوين الشعرية:
    صدر لها: ديوان “أبجديات أنثى حائرة”.
    ديوان “غزة على وتر القلب” (قيد الصدور).
    ديوان “وشم على جيد القصيد” (مخطوطة).
    المجموعات القصصية:
    طوباسيوز (يوميات طفلة الانتفاضة).
    أدب الطفل
    أمل والبحر.
    أمل والأقصى.
    عودة أبي.
    الكتب التربوية
    دليل التعلم النشط في قواعد اللغة العربية للمرحلة الوسطى.
    المؤلفات المشتركة:
    رسائل عربية (كتاب جماعي في أدب الرسائل).
    الترجمة:
    تُرجمت مختارات من قصائدها إلى اللغة الإسبانية ضمن ديوان شعري جماعي صادر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع.
    المؤلفات النقدية:
    أسلوبية التشكيل الصوتي وأثره في رباعيات رابعة العدوية.
    قصيدة الأعشى “أوصلت صرم الحبل من سلمى لطول جنابها”: دراسة تحليلية نقدية وفق المنهج الأسطوري.
    أسطرة الأسطورة في شعر آمال رضوان: ديوان “أدموزك وتتعشترين” نموذجًا.
    سؤال الهوية وتشظي الذات بين الأنا والآخر: مقاربة تطبيقية في رواية “جنة لم تسقط تفاحتها” لثورة حوامدة.
    صفقة القرن من البدايات إلى المآلات: دراسة نقدية في ضوء الاستشراق.
    الأسطورة الأندلسية بين الحب والحرب: ولادة بنت المستكفي وابن زيدون.
    نسق الفحل ودوره في ترسيخ الأنوثة الثقافية.
    الأبحاث والدراسات المنشورة:
    صفقة القرن: الجذور والإطار والمآلات، مجلة جامعة ابن رشد – هولندا، العدد (45)، ديسمبر 2021، ص 347–369.
    إعادة هندسة الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي: مروان البرغوثي أنموذجًا، مجلة اتحاد الكتّاب الفلسطينيين.
    ظاهرة الحزن والفقد في ديوان “لا بد من حيفا” للشاعر عبد الناصر صالح، مجلة مجمع اللغة العربية.
    سيميائية العتبات النصية في الأنساق الثقافية: “جنين مريمنا البتول” أنموذجًا، جريدة الدستور الأردنية.
    الحضور الثقافي

    تمتلك الكاتبة حضورًا متواصلًا في المشهد الثقافي العربي من خلال الكتابة الصحفية، والنقد الأدبي، والمشاركة في المؤتمرات والملتقيات، وإنتاج المحتوى الثقافي، بما يعكس اهتمامها بتطوير الخطاب الأدبي والنقدي، وتعزيز الهوية الثقافية الفلسطينية في الإبداع والبحث الأكاديمي.