إن التناول الروائي للشخصيات المضطربة نفسيا ليس أمرا يسيرا، لأنه يتطلب معرفة دقيقة بالبنية النفسية للشخصية، وأسباب تشكلها، وآليات تفكيرها، وانعكاس اضطراباتها على علاقتها بالآخرين، فالدخول إلى هذا العالم المعقد لا ينجح فيه السرد بالخيال وحده، بل يحتاج إلى قدرة عميقة على الفهم النفسي والتشريح الإنساني، ولهذا ظلت الروايات التي تقترب من الأمراض والاضطرابات النفسية الحادة أكثر قدرة على إثارة القارئ واستفزازه فكريا وعاطفيا، لأنها تغوص في المناطق المعتمة من النفس البشرية، وتكشف ما يختبئ خلف الأقنعة الاجتماعية من هشاشة وتشوهات وصراعات داخلية.
ومن أصعب التحديات في الكتابة الروائية أن ينجح الكاتب في التقمص النفسي لشخصية تنتمي إلى الجنس الآخر، لا بوصفها هيئة خارجية فقط، بل بوصفها وعيا كاملا له منطقه الداخلي وهواجسه وتناقضاته، وقد عرف الأدب نماذج مدهشة لروائيات استطعن الاقتراب عميقا من العالم النفسي للرجل، كما فعلت أحلام مستغانمي في ذاكرة الجسد حين كتبت شخصية «خالد» بوعي ذكوري شديد الإقناع، وكذلك فرجينيا وولف في تقديمها شخصيات رجالية مأزومة ومتشظية نفسيا.
وفي المقابل، استطاع بعض الروائيين الرجال أيضا تقديم شخصيات نسائية خالدة بعمق إنساني لافت، كما فعل غوستاف فلوبير في “مدام بوفاري”، حتى قال عبارته الشهيرة: “مدام بوفاري هي أنا”، في إشارة إلى ذوبانه الكامل داخل الشخصية النسائية، وقدرته على فهم هشاشتها وأحلامها وتمردها وأسئلتها الداخلية.
ضمن هذا السياق، تبدو “حتف العقارب” للروائية حنين نصار والصادرة حديثا عن الآن ناشرون وموزعون ، تجربة لافتة في قدرتها على التوغل داخل العالم النفسي للرجل النرجسي، ليس بوصفه شخصية متسلطة فقط، بل بوصفه إنسانا مأزوما يعيش صراعا دائما بين صورته الخارجية وهشاشته الداخلية، فالروائية هنا لا تكتب عن الشخصية النرجسية من الخارج، بل تجعل القارئ يسمع صوته الداخلي، ويرى ارتباكه وخوفه وجوعه المرضي للسيطرة والإعجاب، حتى يبدو وكأن الرواية تُكتب من داخل عقل الشخصية نفسها، ولذلك لم تظهر الشخصية شريرة سطحية بقدر ما بدا شخصية متشققة، تختبئ خلف قناع القوة فيما تتآكل بصمت من الداخل.
تدور أحداث رواية حتف العقارب حول حياة مروان، شخصية نرجسية معقدة، يعتمد في حياته على الخداع والتلاعب النفسي، وتستعرض الرواية انهيار العلاقات وتشظي الذات ضمن مسار نفسي وإنساني.
لا تبدو رواية حتف العقارب للروائية حنين نصار رواية اجتماعية عن الخيانة الزوجية بقدر ما تبدو تشريحا نفسيا عميقا لشخصية مأزومة تتخفى خلف قناع القوة والسيطرة، فالرواية منذ صفحاتها الأولى لا تبني حبكتها على الحدث وحده، وإنما على تفكيك عقل مروان، ذلك الرجل الذي يتقن التلاعب بالآخرين، ويعيد تشكيل الواقع وفق حاجته النفسية، حتى يغدو الحب نفسه شكلاً من أشكال الهيمنة.
تتحرك الرواية بين الولايات المتحدة والأردن وقطر، لكن الأمكنة فيها ليست سوى امتداد لاضطراب الشخصية المحورية؛ فمروان يحمل فوضاه الداخلية معه أينما ذهب، وكأن الخراب النفسي لا وطن له، ومن هنا فإن النص لا يقدّم النرجسية بوصفها “صفة” عابرة، بل بوصفها بنية كاملة تقوم على الإنكار، والتزييف، والجوع المرضي للإعجاب، والخوف العميق من الانكسار.
من أكثر ما يلفت في الرواية نجاح الكاتبة في تجسيد ما يُعرف نفسيا بـ”التلاعب الإدراكي” أو حين يحاول النرجسي دفع ضحيته إلى الشك في ذاكرتها وعقلها وإدراكها للحقيقة، ويتجلى ذلك بوضوح في علاقة مروان بزوجته حور، بعد اكتشافها الرجل المعذّب في قبو المنزل، إذ لا ينكر مروان الحقيقة مباشرة، بل يعيد صياغتها بحيث تبدو حور وكأنها فاقدة للاتزان النفسي:
“اهدئي حور، هذه تهيؤات!”
ثم تتصاعد لعبة التشكيك حتى تقول حور:
“بدأت أشعر كما لو أنني فقدت قدرتي على التمييز بين الحقيقة والخيال”.
هنا لا تمارس الشخصية العنف الجسدي فقط، بل عنفا معرفيا أشد قسوة؛ إذ يحاول مروان السيطرة على وعي زوجته نفسه، ولذلك فإن الرواية تنجح في تصوير النرجسي بوصفه شخصا لا يكتفي بالكذب، بل يسعى إلى امتلاك رواية الواقع كاملة، بحيث تصبح الحقيقة هي ما يقوله هو فقط.
وتبدو براعة الرواية أوضح حين تجعل مروان يعترف للقارئ بما لا يعترف به للآخرين، فهو يدرك تماما آلياته النفسية، ويكشفها ببرود مخيف متحدثا عن زوجته:
“أحب رؤيتها تنكسر، تتخبط بشكها، تتعلق بي وأنا أنسحب، هذا ما أتقنه بكل فخر، أن أكون القاتل والمعزّي”.
هذه العبارة وحدها تكاد تختصر جوهر الشخصية؛ إذ يقوم مروان بدور الجلاد والمنقذ معا، يهدم ضحيته نفسا ثم يحتكر مواساتها، ليضمن بقاءها في دائرة التبعية العاطفية، وهنا يتحول الحب إلى علاقة قوة، لا إلى علاقة إنسانية.
وتمنح الرواية شخصية مروان بعدا أكثر تعقيدا حين تكشف جذور تكوينه النفسي، فالنرجسية هنا ليست شرا مجانيا، بل نتيجة طفولة مشوهة، وأب مارس القمع والإذلال والعنف النفسي بصورة مستمرة، يقول مروان أمام المحكمة:
“أبي الرجل الذي لم يكن سوى سوط يجلد طفولتي”.
وفي موضع آخر يعترف:
“أنا في حاجة دائمة إلى الشعور بالقبول والتصفيق والمدح هربا من صوت أبي في داخلي وهو يكرر: أنت لا شيء”.
ينتقل النص بهذا الاعتراف من إدانة شخصية مروان إلى تفكيكها؛ لتكشف عن هشاشة مأزومة وجوع مرضي للإعجاب يَستهلك من خلاله النساء والنفوذ لترميم ذاته المتصدعة، ومع ذلك، ينأى البناء الناضج للرواية عن السقوط في فخ التبرير؛ فهو يشرح الأسباب السيكولوجية وسلطة الأب دون منح مروان صك البراءة الأخلاقية، إذ يظل مسؤولا عن أذاه، مفضلا الإنكار والكذب على مواجهة واقعه، لأن الاعتراف بالنسبة إليه يعني الانهيار الكامل للصورة التي صنعها.
يتخذ النص منحى مأساويا مع انهيار عالم مروان تدريجيا بفقدانه لزوجته ونفوذه وأمواله، وصولا إلى ذروة الرواية الرمزية بإصابته بالزهايمر المبكر، وتتجلى دلالة هذا المرض في كونه يسرق ذاكرة الرجل الذي قضى حياته متحكما بالناس ومزيّفا للحقائق، ليجد نفسه عاجزا عن الإمساك بكينونته وصورته التي بناها، مرددا بضياع: “أبحث عن نفسي ولا أجدها». هنا تتحول النرجسية إلى خراب كامل، ويتجلى تناقض مؤلم بين بداياته المتعالية حين كان يهتف أنا مروان!”، ونهايته مستسلما لتيه الذاكرة المثقوبة»وكأن الاسم وحده كاف لإخضاع العالم، لكن النهاية تأتي معاكسة تماما، حين يقف أمام نفسه عاجزا، فاقدا لصورته، منهارا نفسيا وجسديا، حتى يصل إلى الانتحار بوصفه النهاية الطبيعية لمسار طويل من التهام الذات للذات.
تتجلى براعة الرواية أسلوبيا في انحيازها للغة التأملية وتقنية “تعدد الأصوات” لتقديم ثنائية الضحية والجلاد وتفكيك التشققات النفسية؛ حيث تنتهي الحكاية بانتحار مروان بعد رحلة من التسلط والبحث المرضي عن الهيمنة. ومن خلال هذا المصير، توظف الكاتبة العنوان رمزيا؛ فـ”العقارب” تلتف في النهاية لتلدغ نفسها بسُمّها الخاص، ليتحول النرجسي من “وحش” متسلط إلى إنسان مكسور ينتهي وحيدا أمام انهياره الكامل، وبذلك، لا يبدو سقوط مروان نهاية فردية، بل إدانة عميقة لعلاقات السيطرة والتلاعب العاطفي، وهو ما يمنح الجملة الختامية على لسان حور دلالتها المكثفة والملهمة: “هكذا يكون حتف العقارب… فلا تخافي؛ فكل مروان إلى سقوط، وقرارك أن تنهضي”.
(منذر كامل اللالا، قراءة في رواية “حتف العقارب” لحنين نصّار، الدستور، 17/7/2026).


