أ. د. وسام علي الخالدي/ العراق
المقدمة
يشهد الخطاب الروائي العربي المعاصر تحولاً جذرياً في مرتكزاته الجمالية والمعرفية؛ إذ لم تعد الرواية معنيةً برصد الوقائع التاريخية أو تسجيل الأحداث الخارجية محاكاةً تسجيلية، بل انزاحت بمركز ثقلها نحو “المختبر الداخلي” للكائن البشري، لتلتقط الارتجافات الخفية التي تعصف بالروح الإنسانية، وتستنطق الشروخ الدقيقة التي تتسع في أعماق الذات كلما تآكلت خرائط الواقع من حولها. لقد انتقل السرد الحداثي وما بعد الحداثي من الاحتفاء بالبطولة الصلبة واليقينيات الأيديولوجية الكبرى، إلى مساءلة الإنسان الهشّ، وتنضيد طبقات وعيه المتشظي وهو يقف أعزل أمام مصير وجودي معقد ومأزوم.
وضمن هذا الأفق التعبيري، تتبدى تقنية “المونتاج النفسي” أو “المونولوج الداخلي” (Interior Monologue) بوصفها واحدة من أكثر الاستراتيجيات الأسلوبية قدرة على تفكيك البنية النفسية للشخصية الروائية. فالحديث الذاتي المنفلت من رقابة المنطق الخارجي يتيح للنص النفاذ إلى المناطق المعتمة من الوعي، وتحويل الصمت إلى خطاب، والهلوسة إلى آلية دفاعية مشروعة؛ مما أسهم في إعادة تشكيل الهوية الروائية لا بوصفها كياناً منمطاً وثابتاً، بل بوصفها “ذاتاً مأزومة” تعيش اغتراباً مركباً وتنازعاً حاداً بين مطرقة الواقع الضاغط وسندان الهواجس والأسئلة الوجودية الكبرى.
وتأتي رواية «أنا لست يحيى السنوار» للروائية الفلسطينية سماح خليفة لتمثل أنموذجاً تطبيقياً دالاً على هذا المنزع السردي المعاصر. فالرواية — على الرغم من اشتباكها مع سياق واقعي شديد القسوة والدموية — ترفض الاختزال السطحي للوقائع، وتتخذ من الجملة الاستهلالية النفيية التي تصدّرت العنوان صرخة احتجاجية ومرآة مشروخة تعكس أزمة الذات التي ترفض التشيؤ والنمذجة، وتتوق إلى استعادة اسمها الخاص في عالم يسلبها حق تعريف كينونتها.
بناءً على هذا الطرح، تسعى هذه الدراسة النقدية إلى مقاربة النص من خلال تتبع جماليات المونولوج الداخلي واستنطاق شواهده النصية، عبر خطة بحثية محكمة تنتظم في أربعة محاور مركزية تلخص مسار التشريح النقدي:
المحور الأول: عتبة العنوان ودلالة النفي الوجودي (تفكيك جدلية التماهي والتحرر الرمزي).
المحور الثاني: شعرية التشظي وبنية اللغة المتكسرة (دراسة الإيقاع النفسي وانفلات المركز الدلالي).
المحور الثالث: سيكولوجية الذاكرة وأنساق الذنب (تداخل الزمن النفسي ومحاكمة الضمير).
المحور الرابع: العالم بوصفه مرآة مشروخة (تمثلات الاغتراب وحق المقاومة بالصوت الداخلي).
تتغيا هذه المقاربة في خاتمتها الكشف عن الكيفية التي تحول بها المونولوج الداخلي في رواية سماح خليفة من مجرد حيلة تقنية محضة، إلى رؤية معرفية كاملة تعيد إنتاج الإنسان المعاصر وسط الركام، بوصفه كائنًا يسكنه السؤال أكثر مما يسكنه الجواب، ويبحث عبر صوته الداخلي عن معنى يبرر استمرار الحكاية.
المحور الأول: عتبة العنوان ودلالة النفي الوجودي (تفكيك جدلية التماهي والتحرر الرمزي)
تشتغل عتبة العنوان في الرواية المعاصرة بوصفها أولى الإشارات السيميائية والمفاتيح البؤرية التي تمنح المتلقي أفقاً توقيعياً لفك شفرات النص المضمرة [1]. وفي رواية «أنا لست يحيى السنوار» للروائية سماح خليفة، لا تبدو هذه العتبة مجرد وسم تعريفي خارجي، بل هي “بنية خطابية مأزومة” قائمة على التضاد والنفي الوجودي الصادم. إن التمعن في التركيب اللغوي والدلالي للعنوان يكشف عن حركة ارتدادية عنيفة يخوضها المونولوج الداخلي للبطل؛ إذ تبدأ الأزمة من محاولة الذات التملص من حتمية النمذجة التاريخية، وإعلان براءتها الوجودية من نسق الاختزال الرمزي الذي يفرضه الآخر أو السياق العام المحيط بها [2].
أولاً: سيميائية النفي والتمرد على الاختزال الثقافي
تبدأ عبارة العنوان بأداة النفي لتقسم وعي الشخصية إلى ضفتين: ضفة “الأنا” اللاهثة وراء فرديتها وهشاشتها الإنسانية الفطرية، وضفة “الآخر الرمز” (يحيى السنوار) الذي يمثل ذروة الصلابة الرمزية والبطولة الأيديولوجية والالتحام الكلي بالقضية. إن هذا النفي ليس نفياً سياسياً أو فكرياً مجرداً، بل هو صرخة احتجاجية ضد “التشيؤ الثقافي”؛ فالذات الروائية هنا ترفض أن تُسلب اسمها الخاص وتفاصيلها الإنسانية اليومية البسيطة لتُقاس بمقاييس الأيقونة الرمزية الكبرى [3].
إن المونولوج الداخلي يبدأ بالتفجر من هذه العتبة تحديداً؛ فالشخصية تعيش مأزقاً هوياتياً حاداً يُلزمها السياق فيه بأن تكون امتداداً للرمز التاريخي، في حين تتوق ملامحها الداخلية إلى الاعتراف بالخوف الفطري، والتردد البشري، والبحث عن النجاة الشخصية وسط فضاء معبأ بالموت والركام [4].
ثانياً: جدلية التماهي والتحرر من السلطة الرمزية
تتجلى الذات المأزومة في هذا المحور عبر وقوفها على الحد الفاصل بين “التماهي الرمزي” (Identification) والرغبة في التحرر التام منه. فالاسم المستدعى في العنوان يحمل في المتخيل الجمعي المعاصر ثقلاً كاريزمياً وأسطورياً يحول صاحبه إلى معيار كلي يُقاس به معنى “الوجود” و”المقاومة” في الفضاء الفلسطيني الممتد عبر العنف والدموية [5].
وأمام هذا الثقل، يشتغل المونولوج الداخلي للبطل كآلية دفاعية تهدف إلى فك الارتباط الرمزية؛ فالشخصية لا تنفصل عن عدالة القضية أو قسوة الواقع، وإنما تنكر حق العالم في إلغاء هويتها الفردية وتذويبها داخل القوالب الجاهزة [6]. العبارة إذن هي تجسيد للمحاكمة الباطنية حيث تقف الذات شاهدة على عجزها عن بلوغ مرتبة الأسطورة، ومتهمة بالرغبة الفطرية في الحياة، مما يولد لديها اغتراباً مركباً: اغتراباً عن جماعة تريد منها تماهياً مطلقاً، واغتراباً عن ذاتها التي غدت سؤالاً معلقاً لا يملك مركزاً ثابتاً.
ثالثاً: توق استعادة الاسم الإنساني في عالم مسلوب الهوية
إن تجذر المونولوج الداخلي منطلقاً من العنوان يقود البطل إلى إعلان “حق الهشاشة”؛ فالإنسان المعاصر في ظلال الحروب والتحولات العنيفة يُسلب حقه في التعبير عن ضعفه وارتباكه الداخلي [7]. يتحول النفي في «أنا لست…» إلى إستراتيجية معرفية تسعى لإعادة الاعتبار للمساحات الرمادية في النفس البشرية.
تكتشف الذات عبر حواراتها الصامتة أن العالم الذي يسلبه حق تعريف نفسه بنفسه، هو العالم ذاته الذي يحوّل الأفراد إلى مجرد أرقام أو وجوه مكررة [8]. ومن ثم، فإن المونولوج في هذا الفضاء الافتتاحي هو محاولة واعية لتشييد جدار حماية سيكولوجي يحرس الفردية المهددة بالانمحاء؛ فالشخصية لا تبحث عن خلاص جماعي بقدر ما تبحث وسط الأنقاض عن خيط رفيع يعيد لـ “الأنا” خصوصيتها، ويثبت كينونتها المستقلة عن كاريزما الرمز وسلطته الأخلاقية الفادحة.
______
[1] ينظر: جيرار جينيت، عتبات: علامات السياق، ترجمة: عبد الحق بلعابد، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2008م، ص 54-58.
[2] ينظر: سماح خليفة، أنا لست يحيى السنوار (رواية)، ط1، 2025م، ص 5
[3] ينظر: عبد الله إبراهيم، التمركز العقلي والكوني: دراسات في المركزية الغربية والنقد الثقافي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2001م، ص 112.
[4] الرواية، ص 12.
[5] ينظر: مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل لدراسة سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط9، 2005م، ص 143-145.
[6] ينظر: سيجموند فرويد، تفسير الأحلام، ترجمة: مصطفى صفوان، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1993م، ص 88.
[7] ينظر: عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2006م، ص 204.
[8] الرواية، ص 22.
المحور الثاني: شعرية التشظي وبنية اللغة المتكسرة (دراسة الإيقاع النفسي وانفلات المركز الدلالي)
إن اشتغال المونولوج الداخلي في رواية «أنا لست يحيى السنوار» لسماح خليفة لا يظل حبيساً في حدود التنظير النفسي المجرد، بل يتجسد عملياً داخل نسيج أسلوبي مشحون بالانفعالات والارتدادات الشعورية التي تُحوِّل الصوت الداخلي إلى بنية نصية فاعلة [9]. وضمن هذا المنظور، تنزاح الرواية عن مركز الوعي المستقر؛ فلا يعود الصوت الباطني مجرد أداة للتأمل المحايد، بل يستحيل إلى فضاء تتنازع فيه الأصوات وتتصادم فيه الرؤى، حتى يغدو الكيان الإنساني أقرب إلى تعددية داخلية مأزومة منه إلى وحدة منسجمة، وهو ما ينعكس مباشرة على شعرية اللغة وتراكيبها المتكسرة [10].
أولاً: تفجير الوعي وانفلات المركز الدلالي للغة
لا يشتغل المونولوج الداخلي في هذا الفضاء الروائي على مستوى نقل الفكر الجاهز، بل على مستوى تفجير الفكر من داخله؛ إذ تتوالد الأسئلة من سؤال أوليّ يبدو بسيطاً، لكنه سرعان ما ينفتح على شبكة معقدة من القلق الوجودي [11]. فكل محاولة لتعريف الذات تقود إلى اهتزاز التعريف ذاته، وكل اقتراب من الحقيقة يؤدي إلى تراجعها، وكأن الحقيقة في هذا النص ليست نقطة وصول نهائية، بل حالة دائمة من التلاشي والانفلات.
ومن خلال هذا التوتر المستمر بين الصوت الداخلي وصداه، تتجلى الذات بوصفها كياناً مأزوماً يعيش داخل حدود اللغة ولا يستطيع الإفلات منها؛ فاللغة التي يُفترض بها أن تكون أداة للوضوح والإمساك بالهوية، تتحول إلى حقل من الالتباس الشديد، حيث تتجاور الاعترافات مع الإنكارات، وتختلط الرغبة في الفهم مع عجز الفهم نفسه، ليغدو المونولوج مرآة مشروخة تعكس ذاتاً تعجز عن القبض على صورتها الكاملة [12].
ثانياً: انقسام الذات وتعدد الأصوات الداخلية (المحكمة النفسية)
يبرز في هذا البناء السردي ملامح انقسام داخلي حاد يجعل الشخصية أقرب إلى كائن يتحدث مع نفسه بصيغ متعددة ومتعارضة؛ فتارة تتحدث بوصفها ضحية، وتارة بوصفها شاهدة، وتارة ثالثة بوصفها متهمة أمام وعيها. هذا التعدد والتناوب في الخطاب الذاتي — كقول البطل: «هل كنت أنا من اختار هذا الطريق؟ أم أن الطريق هو الذي اختارني؟» — لا يشير إلى ضعف في البناء النفسي للشخصية بقدر ما يكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها الذات الحديثة في سياق تآكلت فيه اليقينيات [13].
يتآكل الإحساس بالسيطرة لصالح شعور عميق بالانقياد لقوى أكبر من الذات، لينتج هذا التعدد ما يشبه “المحكمة النفسية” المفتوحة التي لا تنتهي جلساتها، حيث تبقى الذات محاصرة بين ضغوط الواقع، وارتباكات الذاكرة المثقلة، وجرح الهوية المنفتح [14].
ثالثاً: التكسير الأسلوبي وبنية الجملة السردية القلقة
ينعكس هذا التوتر الداخلي بشكل لافت على الإيقاع العام للسرد، ليتغلغل في بنية اللغة وتراكيبها النحوية؛ إذ تميل الكاتبة إلى الاعتماد على الجمل المتكسرة، والتكرار الدلالي، والقطع المستمر، تساوقاً مع الارتباك النفسي الملازم للبطل [15]. فالجملة السردية لا تسير في خط مستقيم نحو إغلاق دلالي ناجز، بل تتعرج وتتشظى محاكيةً حركة الفكر حين يتعثر داخل نفسه، وحين يحاول أن يمسك بمعنى يتفلت منه باستمرار.
الجملة لا تنتهي عند حدها النحوي التقليدي، بل تمتد لتفتح جملة أخرى داخلها من خلال التدفقات الشعورية المتلاحقة والانزياحات الأسلوبية، وهو ما يمنح النص إيقاعاً داخلياً متوتراً يرفض الاستقرار، انسجاماً مع عدم استقرار الذات التي ينتجها، ويضع القارئ أمام حقيقة الإنسان حين يُترك وحيداً في مواجهة شظاياه اللغوية الباطنية [16].
______
[9] ينظر: سماح خليفة، أنا لست يحيى السنوار (رواية)، ط1، 2025م، ص 34
[10] ينظر: ميخائيل باختين، شعرية دويستوفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986م، ص 142-146.
[11] ينظر: حميد لحميداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2000م، ص 89.
[12] الرواية، ص 41.
[13] الرواية، ص 53.
[14] ينظر: جوليا كريستيفا، علم النص، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 1997م، ص 105-108.
[15] ينظر: صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، الكويت، ع 164، 1992م، ص 134.
[16] الرواية، ص 62.
المحور الثالث: سيكولوجية الذاكرة وأنساق الذنب (تداخل الزمن النفسي ومحاكمة الضمير)
إذا كان المحور السابق قد كشف عن تشظي الهوية على مستوى البنية الأسلوبية واللغوية، فإن هذا التشظي يتخذ في المحور الثالث بعداً عمودياً يغوص في أغوار الزمان النفسي وآليات اشتغال الذاكرة المأزومة [20]. فالذاكرة في رواية «أنا لست يحيى السنوار» لسماح خليفة لا تشتغل بوصفها خزانةً لاسترجاع الماضي بطريقة خطية هادئة، بل تتبدى كقوة قاهرة وصادمة تقتحم الحاضر، وتخلخل انتظام الزمن الواقعي لصالح زمن نفسي داخلي تتشابك فيه الأزمنة وتلغى فيه المسافات، لتضع البطل في مواجهة مباشرة مع “أنساق الذنب” ومحاكمة الضمير الفادحة [21].
أولاً: تداخل الزمن النفسي والتمرد على خطية التاريخ
تتجاوز الرواية مفهوم “الزمن الفيزيائي” المستقيم (ماضٍ، فحاضر، فمستقبل) لتؤسس لزمنها الخاص؛ وهو “الزمن النفسي” الذاتي الذي يتحكم فيه الوجدان وتوجهه الصدمات الروحية [22]. يعيش البطل في مونولوجه الداخلي حالة ارتداد مستمر (Flashback) نحو محطات الماضي، لا لغرض التذكر المجرد، بل لأن الماضي يرفض العبور، ويظل ممسكاً بخناق الحاضر.
إن هذا التداخل الزمني — حيث يتماهى صوت القصف الراهن مع أصوات فاجعة قديمة في الذاكرة — يلغي الفواصل الزمانية ويجعل البطل كائناً معلقاً خارج الزمان الخارجي. يغدو التاريخ الجمعي بوقائعه الكبرى ثانوياً أمام تاريخ الذات التي تعيد إنتاج الزمن وفق مقاييس خوفها، وانتظارها، وقلقها الوجودي من الآتي، وهو ما يمنح السرد عمقاً سيكولوجياً يفسر انكسار الذات أمام ثقل اللحظة التاريخية الراهنة [23].
ثانياً: أنساق الذنب وعقدة “الناجي” في مواجهة الرمز
يرتبط اشتغال الذاكرة في المتن الروائي بارتباط وثيق بـ “عقدة الذنب” (Guilt Complex) التي تنشأ من المقارنة الضمنية الحادة بين هشاشة الأنا وصلابة الرمز المعلق في العنوان [24]. فالمونولوج الداخلي للبطل يتحول إلى ساحة لمحاكمة ذاتية قاسية؛ حيث يُحاكم الضمير كل رغبة فطرية في النجاة الشخصية بوصفها نوعاً من “الخذلان” أو “التقاعس” الرمزي.
تستدعي الذاكرة وجوه الراحلين، والبيوت المهدومة، وصور البطولة المطلقة المتجسدة في سياق “السنوار”، ليقف البطل أعزلاً أمام تهمة مضمرة يسوقها لنفسه: «لماذا نجوت أنا وسقط الآخرون؟» [25]. إن نسق الذنب هنا يعمق مأزق الشخصية؛ فهي لا تعيش الخوف من الموت الفعلي فحسب، بل تعيش رعباً سيكولوجياً أشد قسوة، هو رعب التضاؤل أمام نموذج البطولة الأسطوري الذي يطالبها بالتضحية الكاملة والالتحام المطلق، في حين لا تملك الذات سوى إنسانيتها المرتبكة وتوقها البدائي للبقاء.
ثالثاً: المحاكمة الباطنية وسلطة “الأنا الأعلى” الجمعي
يتشكل المونولوج في هذا الفضاء بوصفه صدى لسلطة “الأنا الأعلى” (Superego) بمفهومه السيكولوجي والثقافي، حيث يمثل هذا الأنا الأعلى قيم الجماعة، وإملاءات القضية، وصوت التاريخ الصارم الذي لا يرحم الضعفاء [26]. يقف البطل في مركز هذه المحاكمة الباطنية، عاجزاً عن الانفصال عن هذا الصوت الجمعي الضاغط، وعاجزاً في الوقت ذاته عن تلبيته بالكامل.
تتحول حواراته الصامتة إلى وسيلة لتعرية هذا الصراع؛ فالذاكرة لا تعود ملاذاً آمناً بل تستحيل إلى أداة تعذيب سيكولوجي يستعيد من خلالها البطل انكساراته وهزائمه الصغيرة، ليعيد قراءتها وتأويلها تحت سياط الوعي الشقي [27]. وبذلك، يكشف المحور الثالث عن أن أزمة الذات في الرواية ليست مجرد مواجهة مع عدو خارجي أو واقع مأساوي، بل هي مواجهة مع داخلها المثقل بالأسئلة والمعايير الفادحة التي تجعل من الحياة نفسها عبئاً سيكولوجياً يتطلب تبريراً مستمراً [28].
___
[20] ينظر: سماح خليفة، أنا لست يحيى السنوار (رواية)، ط1، 2025م، ص 92.
[21] ينظر: بول ريكور، الزمان والسرد: الحكاية التاريخية، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2006م، ص 118-122.
[22] ينظر: جيرار جينيت، خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة: محمد معتصم وعمر حلي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط2، 1997م، ص 45.
[23] الرواية، ص 104.
[24] ينظر: سيجموند فرويد، الأنا والهو، ترجمة: محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، القاهرة، ط4، 1998م، ص 64-67.
[25] الرواية، ص 115.
[26] ينظر: مصطفى حجازي، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2005م، ص 89-91.
[27] ينظر: رولان بارت، نقد وحقيقة، ترجمة: منذر عياشي، دار الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1994م، ص 73.
[28] الرواية، ص 128.
رابعاً: جبرية الذاكرة والزمن الدائري المأزوم
تنتقل سيكولوجية الذاكرة في الرواية من فضاء الاستدعاء الاختياري للماضي إلى فضاء “الجبرية والإكراه السيكولوجي”؛ فالذات لا تتذكر الماضي بملء إرادتها، بل تقع فريسةً لقوة قسرية تعيد إنتاج الصدمة (Trauma) بصورة مستمرة وتمنعها من الفكاك [29]. يتبدى هذا النسق القهري بوضوح في المونولوج الداخلي للبطل حين يقول: «كنت أظن أنني خرجت من هناك، لكنني كلما أغمضت عيني عدتُ إليه من جديد» [30].
إن هذا الشاهد النصي يكشف عن تدمير خطية الزمن وانحباس الذات داخل “زمن دائري مغلق”؛ فالخروج الفيزيائي من فضاء الحدث والموت لا يعني النجاة السيكولوجية منه، إذ تتحول الذاكرة إلى زنزانة معنوية تلغي المسافة بين الماضي والحاضر، وتجعل من فضاء الصدمة حاضراً دائماً ومستبشاً بالتهديد، يعيد الذات إلى نقطة انكسارها الأولى كلما توهمت أنها تجاوزتها أو قطعت أشواطاً في الهروب نحو الحياة.
خامساً: المساءلة الأخلاقية وتفكيك جرح الهوية
تبلغ أزمة الذنب ذروتها الدلالية والسيكولوجية في الخطاب الباطني للشخصية حين يتحول المونولوج من مجرد رصد للهلوسات والارتدادات، إلى “مساءلة أخلاقية ووجودية” بالغة العنف والتعقيد. يظهر هذا التمزق في تساؤل البطل الاعترافي: «إن كنتُ بريئًا، فلماذا أشعر بكل هذا الذنب؟ وإن كنتُ مذنبًا، فأيّ لحظةٍ صنعت خطيئتي الأولى؟» [31].
في هذا الموضع النصي، يتقاطع البُعد النفسي مع المأزق الوجودي كاشفاً عن انسداد الأفق أمام الذات المأزومة؛ فالأزمة هنا لم تعد تكمن في تفاصيل الفعل الخارجي أو قسوة الواقع المشهود، بل في إدراك الذات المقهورة لكينونتها وعجزها عن تحديد لحظة الانكسار البنيوي الأولى التي انفتح منها جرح الهوية [32]. إن الشعور بالذنب الملازم للنجاة يستحيل إلى خطيئة غير مقترفة، مما يكرس الفصام والتشظي السلوكي، ويجعل من المونولوج أداة تشريحية تعري عجز الإنسان المعاصر عن العثور على الطمأنينة الأخلاقية والروحية في واقع يسلب الفرد أبسط حقوقه الإنسانية في الاختيار والتعريف [33].
______
[29] ينظر: مصطفى حجازي، سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط9، 2005م، ص 167-170.
[30] سماح خليفة، أنا لست يحيى السنوار (رواية) ط1، 2025م، ص 135.
[31] الرواية، ص 142.
[32] ينظر: سيجموند فرويد، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1998م، ص 114.
[33] الرواية، ص 149.
الخاتمة
شكّلت رواية «أنا لست يحيى السنوار» للروائية سماح خليفة انعطافة أسلوبية ودلالية لافتة في مشهد السرد الفلسطيني والمعاصر؛ إذ انزاحت من خلالها الكاتبة عن التنميطات الكلاسيكية الجاهزة لـ “البطل الأيقوني”، ميممة وجهها شطر المسكوت عنه في الذات الإنسانية وقت الأزمات الكبرى. ومن خلال تتبع تجليات المونولوج الداخلي وأنساقه عبر فصول الدراسة ومحاورها، تبين أن الخطاب الباطني في النص لم يكن تقنية تزيينية أو وسيلة لنقل الهواجس العابرة، بل غدا هو “الحدث الروائي المركزي” والبنية المعرفية التي تشكلت من خلالها مفاهيم الهوية، والزمان، والوجود.
لقد نجح النص في تحويل النفي الصادم الكامن في العنوان إلى إستراتيجية دفاعية، تذود بها “الأنا” عن فرديتها وحقها الفطري في الهشاشة، في مواجهة ثقل السيرة الجمعية وسلطة الرمز الكاريزمي.
أهم نتائج الدراسة
تأسيساً على ما تقدم في المحاور السابقة، خلصت الدراسة إلى جملة من النتائج النقدية والتحليلية الهامة، يمكن إجمالها في النقاط الآتية:
أولاً: عتبة العنوان بوصفها محركاً سيميائياً مفارقاً:
أثبتت الدراسة أن العنوان «أنا لست يحيى السنوار» يشتغل كبنية صدمة وتضاد دلالي؛ حيث يكسر أفق توقع المتلقي، وينقل السرد فوراً من فضاء الملحمة والبطولة المطلقة إلى فضاء المونولوج الوجودي المأزوم، معلناً رغبة الذات في الانفكاك من أطر التشيؤ والنمذجة الثقافية.
ثانياً: التلازم الهيكلي بين تشظي الوعي وتكسر الأسلوب:
كشف التحليل الأسلوبي أن “شعرية التشظي” في الرواية ليست مجرد ترف فني، بل هي انعكاس بنيوي لانقسام الذات؛ إذ تخلت الكاتبة عن النحو المستقيم لصالح التوالد الجملي، والتكرار، والانقطاع، محاكيةً حركة الفكر المتعثر داخل المحكمة النفسية للبطل، ليغدو الإيقاع اللغوي المتوتر مرآة وفية لتوتر الكينونة.
ثالثاً: هيمنة الزمن النفسي وجبرية الصدمة:
بينت الدراسة تفوق “الزمن النفسي الدائري” على خطية التاريخ الفيزيائي في الرواية. فالذاكرة تفرض نفسها كقوة قهرية قسرية تعيد إنتاج صدمات الماضي وتمنع النجاة السيكولوجية التامة، مما يجعل البطل يعيش حاضراً مهدداً ومستباحاً بالارتدادات النفسية المستمرة.
رابعاً: تمثلات “عقدة الناجي” وسلطة الأنا الأعلى الجمعي:
أظهر البحث أن المونولوج الداخلي يتحول إلى ساحة مساءلة أخلاقية بالغة القسوة؛ حيث تصطدم رغبة الأنا الفطرية في الحياة والبقاء مع إملاءات “الأنا الأعلى” الثقافي والجمعي الذي يمثله الرمز، مما يولّد لدى الشخصية “عقدة ذنب” مركبة ناتجة عن النجاة وسط عالم من الركام والموت.
خامساً: المقاومة بالصوت الداخلي وتأسيس “حق الهشاشة”:
خلصت الدراسة إلى أن الرواية تؤسس لوعي نقدي جديد يعيد الاعتبار للمساحات الرمادية في النفس البشرية؛ فالنكوص إلى الداخل والاعتراف بالخوف والتردد لا يمثل نكوصاً عن عدالة القضية، بل هو “فعل مقاومة أسلوبي” يسعى لحماية الفردية الإنسانية من الانمحاء والذوبان في القوالب الأيديولوجية الجاهزة.
________
المصادر والمراجع
أولاً: المصادر
خليفة، سماح، أنا لست يحيى السنوار (رواية)، ط1، 2025م.
ثانياً: المراجع العربية والمعربة
_باختين، ميخائيل، شعرية دويستوفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986م.
_بارت، رولان، نقد وحقيقة، ترجمة: منذر عياشي، دار الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1994م.
_جينيت، جيرار، خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة: محمد معتصم وعمر حلي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط2، 1997م.
_حجازي، مصطفى، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2005م.
_حجازي، مصطفى، سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط9، 2005م.
_ريكور، بول، الزمان والسرد: الحكاية التاريخية، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2006م.
_فضل، صلاح، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 164، 1992م.
_فرويد، سيجموند، الأنا والهو، ترجمة: محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، القاهرة، ط4، 1998م.
_فرويد، سيجموند، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1998م.
_كريستيفا، جوليا، علم النص، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 1997م.
_لحميداني، حميد، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2000م.
_مرتاض، عبد المالك، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 240، 1998م.


