بدايةً يذكّرني عنوان كتاب سميحة خريس هذا “مشوار مع بيسْوَا” بأغنية فيروز الشهيرة “مشوار جِينا ع الدِّني، مشوار”، هذه الأغنية التي ــ بدَورها ــ “ياما” ذكّرتني بمقولة لجَدي “جَبر”، وكنت أناديه “سِيدي” (وكان أهل بعض القُرى، ومنهم أهل قريتنا حتّا (قضاء غزّة)، ينادون الجَدّ بـ”السِّيد”)، جدّي الدرويش هذا متعدّد الشخصيّات، عاش ما يقارب مائة عام، وهو صاحب حِكَم لا يترك مناسبة تمرّ من دون أن يطلق فيها حِكمةً ما، حين كنت أسأله عن عُمره؛ كيف عاشه؟ فيجيبني بكلّ استرخاء وعبثيّة ربما “يا سِيْدي، سِيدَك يا عُمَر، من بَطن أمّه للقبر”، ولم أكن أفهم ما يعنيه، فقد كنت ما أزال في العاشرة من عُمري، ولم أفهم تلك المقولة حتى بلغت من العُمر ما بلغتُ بين “مدّ وجَزْر”، وبين “العصا والجزَرة”، وغير ذلك ممّا عايشته، أو تمرّدتُ عليه… أو تكيّفتُ معه! لكنّ كتاب خريس هذا، لا يلبث أن يذكِّرنا أيضًا بكتاب ــ سيرة شاعر، ربّما هو واحد من أبرز شعراء القرن العشرين، أعني التشيليّ بابلو نيرودا في كتابه “أشهد أنّني قد عِشت”، وهذا أمر يتطلّب وقفة ليس هنا مجالُها.
لم تكن هذه المقدمة ضرورية لولا طبيعة كتاب سميحة خريس هذا، فالكتاب (الصادر حديثًا عن دار الآن ناشرون وموزعون، عمّان، في 324 صفحة)، والموزّع على قسمين رئيسَين، يشتمل كل منهما على عدد من المقطوعات والعناوين، هو كتاب متعدّد الانشغالات والاهتمامات، حتّى ليذكّرنا بمحاورات الفلاسفة، فهو يطرق كثيرًا من أبواب المعرفة والفكر والأدب، فضلًا عن التجارب الحياتية التي عاشتها الكاتبة ــ الروائية، والتي تقارب نمط الكتابة “السِّيْريّة”، كونها تسرد ملامح ومعالم من سيرة الكاتبة. وذلك كله في إطار “مشوار” و”نزهة” مع شاعر البرتغال فرناندو بيسوا الذي تعدّه الكاتبة من أهمّ، بل أعظم شعراء البرتغال في القرن العشرين، وتقيم معه علاقة حِواريّة تقوم على الندّيّة، انطلاقًا من كتابه الأهمّ “اللاطُمأنينة”، الكتاب الذي لم تجد مثيلًا له، في تأثيره عليها، سوى رواية “المُنشقّ” لليوناني نيكوس كازانتزاكيس… رغم اختلاف ما يكتبان؛ فبينما يميل هذا الأخير إلى معانقة الحياة، كما في روايته “زوربا”، مثلًا، يميل بيسوا إلى نبذها.
اللاطُمأنينة للجميع
“مشوار” سميحة ونزهتها ليست مع بيسْوا وحده، بل هو ابتداءً مشوار مع ذاتها، مع سيرتها، وعلى غير صعيد من أصعدة مسيرتها الحياتية والأدبية، مع طفولتها، كما مع بداياتها في العمل الصحافيّ، وأحلامها وإنجازاتها، ومواقفها من عديد القضايا التي عايشَتها. ثمّ إنه مشوار مع القارئ الذي سيكتشف، مع تقدّمه في قراءة النصّ، أنّه حيال عمل أدبيّ فنيّ وفكري مثقَل بالمعارف كافة، كما أنه متخَم بالغوص في جماليّات المكان، كما يجد (القارئ) نفسَه شريكًا في مشوار صعبٍ، لكنه ممتع وغزير الفائدة، ويودّ لو أنه لا ينتهي.
لقاء أول مع اللاطُمَأنينة
تبدأ سميحة كتابَها/ مشوارها، بل “مشاويرها” الثقافية الفكرية والإبداعية والحياتية المعيوشة هذه، بوصف ظروف كتابة هذا الكتاب في مدينة إربد (شمال الأردن)، حيث “وُلد هذا الكتاب وسط انشغالٍ كبير، في لحظات سرقتُها لأجل الراحة والسكينة، فإذا به يُطيح بطمأنينتي المتوهَّمة”، كما تقول، ففي يوم 2025/ 11/ 17، وفي إربد، في فندق النحّاس، فندق بـ”نجمة واحدة”، حجرة 501… وجدتْ الكاتبة ــ القاصّة والروائية سميحة خريس نفسها أمام كتاب “الّلاطُمأنينة” للشاعر والناثر البرتغالي فرناندو بيسوا، بنصوصه التي تمّ وضعها بأسماء عدّة (مثل: ريكاردو رييس ألبيرطو كاييرو، ألبارو دي كامبوس، برنارد سوارش، فيسنطي غيدس، وبارون دي تايبي)، وجمعها أصدقاؤه بعد رحيله، وحقّقوها ونشروها بعد رحيله بسنوات طويلة، وقام بترجمتها الشاعر المغربيّ المهدي أخريّف، ترجمة ترى الكاتبة خريس أنها “نثرية”، فيما تعتقد هي وتشعر أن النصوص أشدّ ميلًا إلى الشعر، فهي “يوميات باطنية، حفريّات في الذات، أو بالأحرى الذوات، في لاواقعية الواقع وواقعية الأحلام والأوهام، فهو كتاب نثر، لكنه نثر مأهول بالشعر”.
تقول الكاتبة عن أسلوبها في تأليف كتابها هذا، إنه يشبه “النصّ على النصّ”، وتوضح مُخاطبة بيسوا “سأتتبّع الترتيب المنطقي الذي رتّبه من أعدّوا كتابك، وسأستخدم عناوينك الفرعية نفسها، وأحاول قدر استطاعتي الالتزام بالفكرة التي تطرحها تحت ذلك العنوان، كل ما تكتبه، ولو كان كلمة لا معنى لها في حاشية دفترك، سألتقطها مثل جوهرة، لأنك الشاعر، ولأنك ميّت”. لكنّ ما يحدث أنها تخرج على النصّ، لتكتب تأمّلاتها الخاصّة في معزل عن نص الشاعر، وربّما هي تتوسّع في اقترابها من النص، أو ابتعادها وانفصالها عنه، في اتفاقها واختلافها معه… لكنّها تحوم حوله ولا تفارقه إلّا قليلًا.
وكما انتقل شعور “اللاطمأنينة” من بيسوا إلى سميحة، فقد امتدّ الشعور نفسه إلى القارئ من خلال التوتر الذي يسِم كتابة سميحة هنا. فهي كتابة حِوارية، ولكن ليست ذلك الحوار التقليدي القائم على (سين/ جيم)، بل على نمط من الحوار بين كاتبة مشرقيّة لديها بعض التحفّظات حيال مسائل كثيرة، وبين نصوص كاتب/ شاعر غربيّ يكاد يكون منفلتًا من أيّ التزام، لكنّ المفارقة هي أن هذا المبدع قد رحل منذ تسعين عامًا، أي أنّه لن يتمكّن من الردّ على أسئلة الكاتبة وتأمّلاتها، فبينما تستطيع هي التقاط فكرة أو عبارة ما، من كتابه، والقيام بالتعليق عليها، اتّفاقًا أو اختلافًا، تكتفي نصوص بيسوا بإثارة الكاتبة واستفزاز قريحتها ومشاعرها ومنطقها وذكرياتها العميقة، لتكتب أعمقَ ما في دواخلها من تأمّلات في الواقع، كما في المواقف النظريّة، الفكرية والنضالية.
يتوزّع كتاب خريس هذا على محاور كثيرة جدًّا، فهو يمزج الإبداعيّ بالنقديّ في مجال الثقافة والأدب والفنون جميعًا، مع ما يمكن اعتباره مقاطع من أدب الرحلة، والغوص في معالم المكان المحليّ ــ الأردني، كما المكان الأجنبيّ الغريب والمدهش. وذلك كلّه في لغة ذات طبيعة سرديّة، هي الأسلوب الذي تفضّله الكاتبة التي تحبّ الشعر، لكنها تميل إلى السرد، رغم أنها تُطعِّم نثرها بروح الشعر وتشبيهاته واستعاراته. ولمّا كنّا أمام نصوص ــ مقطوعات ذات طبيعة “شذَريّة”، يصعب معها التلخيص والاختزال، فإنّ الإضاءة على أبرز ملامح هذا الكتاب وعوالمه، هي أقصى ما يمكن لقراءة كهذه أن تقدّمه.
مواقف وخلافات ونزعات نقدية
مشوار سميحة مع بيسوا، مشوار ثقافي ينطوي على جانبين، نظريّ وحيويّ ــ حياتيّ. ونزهتها معه في الغابة الافتراضيّة المرتجلة، انطلاقًا من نصوص كتاب “اللاطُمأنينة”، في ارتباطها مع رواية للكاتبة خريس بعنوان “فستق عبيد”، ليست رحلة ترفيهيّة بالطبع، وإن كانت تنطوي على قدر من المرح والفرح بمرافقتها للشاعر، لكنّها في الأساس رحلة غرائبية، تتيح المجال لحوارات معمّقة حول قضايا الإنسان، وأسئلة الوجود، وصوَر المعاناة الفردية والجماعية، وأشكال المقاومة التي تمارسها الشعوب ضدّ مَن يستعمِرونها. وهي حوارات تتخذ من مقولات بيسوا مرتكزًا تتكئ عليه الكاتبة لتبني تأملاتها، وتستوحي أفكارها ومقولاتها الخاصة بها في قضايا كثيرة.
يظهر أثر الرحلة ــ المشوار في روح الكاتبة وكتابتها، في مواقع كثيرة، ربما كان أبرزها قولها “في لاطُمأنينتك أعملتُ فأسي في عقلي وروحي، وعثرتُ على زوايا خفيّة من نفسي، وحين أوشك مشوارنا على نهايته، لم أشعر بندم على أنني وقعت في حبائلك؛ سلّمت نفسي لتشريحٍ عميق وقاسٍ، لم أعد التي كُنتُها قبل هذا المشوار الشقيّ الماتع الذي أعاد تشكيلي…”. لكن من بين أبرز المواقف الخِلافيّة، مخالفتها له، بل اتهامه بالحُمق في موقف يثير غضبها عليه، تخاطبه، في موقفه من الفراشات، حيث يرى بيسوا أن “هنالك فراشات تحوم فوق رأسك، قد تبدو مثيرة للسخرية”، فتردّ عليه الكاتبة بحزم “الفراشات يا عزيزي لا تثير إلا سخرية الحَمقى، إنها بوابة مفتوحة على المدى داخل سجن ضيّق… فأهلًا بالفراشات”.
وفي فقرة تُوضِح كيفية تعرّفها على الشاعر بيسوا، نلمح أحد خيوط الروح النقدية التي تكتب بها خريس نصوصها، فهي تنتقد النقد والنقّاد في قولها تخاطب بيسوا “عرفتُك أثناء بحثي عن مراجع تساعدني على فهم البرتغال التي ستكون مكانًا رئيسًا في رواية أكتبها. نسيتُ تقديم نفسي، أنا روائية. في بحثي ذاك وجدتُ أول إشارة إلى أعظم شعراء البرتغال: فرناندو بيسوا. لست شاعرة، وفي اختيارات قراءتي لا أميل إلى الشعر عادةً، فقد سحَله الهواة وراءهم، ومرمَطوه في وحل تجارب بائسة، فنَجا من نجا، وأسقط الغوغاء قلعة الشعر الحصينة… (ثمّة) قصيدة لك ترد في روايتي ’فستق عبيد’، صدرت الرواية وحصدتْ اهتمامًا كبيرًا؛ نالت جائزة مهمة وتُرجمت إلى لغتين؛ الإنكليزية والفرنسية. ولم يَسترعِ انتباهَ النقاد وجودُك الخفيّ في نصّي، رغم أني أغنَيْتُه بما تركته من أثر في أحد الشخوص الذي قارَب ظلال الفصام”.
وكما يحتشد مشوار سميحة ــ بيسوا بتناول القضايا والهموم والعلوم والثقافات، فهو يحتشد بالأمكنة التي تعرّفت إليها، زيارات وقراءات، ما يجعلها تتناول كثيرًا منها بحميميّة وحب، وما دامَ مشوارها قد بدأ من إربد، فلنمثّل على ذلك بتقديمها تعريفًا مختصرًا بهذه المدينة الواقعة شمال الأردن، بوصفها “تحمل اسمًا مشرقيًّا محوَّرًا من صيغة رومانية قديمة حين كانت المنطقة تسمّى ’أرابيلا’، وهي إحدى مدن الديكابوليس المجيدة، وهي عشر مدن رومانية عتيقة يقع معظمها في الأردن، حيث النهر المقدس الذي شهد تعميد السيّد المسيح، لتحمل الأرض والنهر الاسم ذاته منذ فجر التاريخ…”. وكذلك فهي تستحضر من المدن والحواضر التاريخيّة الأردنية دولة الأنباط “البتراء”، وما يجاورها “وادي رمّ”، وغيرها كثيرٌ، كثير.
(عمر شبانة، صحيفة “ضفة ثالثة”، 11/8/2026).


