بين هشاشة الخزف وصلابة المهراس تأملات في رواية “هاربة من ديزني”

بين هشاشة الخزف وصلابة المهراس تأملات في رواية “هاربة من ديزني”


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

     

    مقدمة
    لست ناقدًا أدبيًا بالمعنى الأكاديمي الذي يمتلك أدوات التحليل النقدي ومناهجه الصارمة، لذلك فإن ما أكتبه هنا ليس قراءة نقدية للرواية بقدر ما هو قراءة انطباعية وتأملية انطلقت من أثر النص في نفسي، ومن الأسئلة والمشاعر التي تركها بعد الانتهاء منه.
    فرواية هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمهراس للكاتبة الأردنية زينب السعود، والصادرة عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان عام 2026، ليست من الأعمال التي تغادر القارئ بمجرد إغلاق الصفحة الأخيرة، بل من الروايات التي تواصل العيش في الذاكرة وتدفع قارئها إلى إعادة التفكير في كثير من الأسئلة المتعلقة بالهوية والانتماء والأسرة ومعنى التصالح مع الذات.
    هذه الرواية ليست مجرد حكاية فتاة عالقة بين ثقافتين، ولا هي عملٌ عن الهجرة والهوية بالمعنى المألوف الذي اعتاده القارئ العربي.
    بل هي ، في جوهرها، رحلة ممتدة في أعماق النفس الإنسانية، حيث يتحوّل سؤال يبدو بسيطًا ظاهريًا — “من أنا؟” — إلى محور تدور حوله الذاكرة واللغة والحب والأسرة والمكان.
    منذ الصفحات الأولى، تضعنا زينب السعود أمام بطلة لا تبحث عن وطن بقدر ما تبحث عن ذاتها. كاي لين، ابنة الأب الأردني والأم الصينية، لا تعاني من المسافة بين الشرق والغرب فحسب، بل من الهوّة بين صورتها في المرآة وصورتها في الداخل. لذلك، لا يمكن قراءة هذه الرواية بوصفها حكايةً عن (الهجنة) الثقافية فقط، بل بوصفها تأملًا في الإنسان حين يصير غريبًا حتى عن ملامحه الخاصة.
    وما يجعل هذه التجربة أكثر تأثيرًا أن الكاتبة لم تلجأ إلى الحلول السهلة ولا إلى الشعارات الجاهزة. لم تمنح بطلتها انتصارًا سريعًا على رواسب عقدها، ولا يقينًا مريحًا منذ البداية. على العكس، تركتها تتعثر طويلًا بين الأسئلة، وتدور في متاهة الهوية والشك والبحث، حتى بدا القارئ وكأنه شريك في رحلة التكوين، لا مجرد متابعٍ من الخارج.

    الخزف والمهراس: ثنائية الرواية الكبرى
    أكثر ما شدّني في الرواية هو بناؤها الرمزي الجميل، الذي يتجسّد في عنوانها الفرعي: الخزف والمهراس. فالخزف ليس مجرد مادة تزيينية، بل صورة رمزية لكاي لين نفسها: شخصية جميلة وحساسة، لكنها قابلة للكسر في كل لحظة. تحمل آثار الشروخ القديمة، حتى حين لا يراها أحد، وكل كلمة جارحة، وكل نظرة استعلاء، وكل سؤال عن الأصل والهوية، يترك أثره على سطح هذا الخزف الهش.
    في المقابل، تقف المهراس — شجرة الزيتون الرومية العتيقة — رمزًا معاكسًا تمامًا. إنها الجذور الممتدة في الأرض، والذاكرة التي لا تهزمها السنوات، والصلابة التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها. وقد نجحت الكاتبة في جعل هذه الشجرة أكثر من مجرد عنصر مكاني؛ إذ تحوّلت إلى كائن حي يرافق البطلة في طفولتها ووعيها ونموها النفسي.
    ولعل أجمل ما في هذا الرمز أن الرواية لا تنتهي بانتصار المهراس على الخزف، ولا بانتصار الخزف على المهراس، بل بانكشاف حقيقة أعمق: أن الإنسان يحتاج إليهما معًا. يحتاج إلى هشاشته كي يبقى إنسانًا، وإلى جذوره كي لا يتبدّد في الريح.

    كاي لين: بطلة لا تشبه الأخريات
    من النادر أن نصادف في السرد العربي شخصية نسائية تُكتب بهذا القدر من الصدق النفسي. كاي لين ليست بطلة منزّهة ولا نموذجًا مثاليًا، بل هي كثيرة الشك والتردّد، حادةً حينًا وعاطفيةً حينًا آخر. تسيء فهم الآخرين كما يسيئون فهمها، وتخوض صراعات مع ذاتها أكثر مما تخوضها مع العالم.
    وهذا ما جعلها شخصية حقيقية في نظري.
    لقد بدت لي أقرب إلى إنسان يسير وسط الضباب، يحاول التقاط ملامح الطريق، لا إلى بطلة تعرف مسبقًا أين ستصل. وحتى حين كانت تثير ضيق القارئ أحيانًا بإفراطها في التأمل أو بالدوران حول الأسئلة نفسها، شعرت أن هذا جزء من طبيعتها الفنية؛ فالأرواح الجريحة لا تتعافى بقفزة واحدة، بل بخطوات صغيرة ومتعثرة.

    ماجد كنعان: الشخصية الأكثر تعرضًا لسوء الفهم
    إذا كانت كاي لين هي مركز الرواية العاطفي، فإن والدها ماجد كنعان يمثل أكثر شخصياتها تركيبًا. في البداية، يبدو أبًا قاسيًا، شديد الرقابة، متحفظًا في مشاعره. لكن الرواية، شيئًا فشيئًا، تعيد بناء صورته أمام القارئ. نكتشف أن هذا الرجل يحمل أعباء الهجرة والنجاح والمسؤولية، ويعيش خوفًا دائمًا على ابنته في مجتمع لا يرحم المختلفين.
    لقد أثار إعجابي أن الكاتبة لم تقدّم شخصية الأب بوصفها مثالًا أخلاقيًا جاهزًا، بل إنسانًا يخطئ ويصيب، يحب ويعجز عن التعبير، ويحمل جراحه الخاصة مثلما تحمل ابنته جراحها. وأظن أن كثيرًا من القراء سيعيدون النظر في أحكامهم الأولى عليه عند وصولهم إلى الصفحات الأخيرة.
    المكان بوصفه ذاكرة حية
    ثمة روايات تدور في أماكن، وثمة روايات تجعل المكان شريكًا في السرد، وهذه الرواية من النوع الثاني. نيويورك ليست مجرد مدينة مهاجرين، بل فضاء للقلق والأسئلة والانكسارات. أما عجلون، وبخاصة قرية الميسر، فتبدو كأنها الذاكرة التي ترفض أن تموت، مهما ابتعد عنها أبناؤها.
    أجادت الكاتبة وصف الطبيعة العجلونية من أشجار زيتون وطرقات وتلال، دون أن تقع في فخ الوصف السياحي. كانت الأمكنة مكتوبة بعين من عاشها وجدانيًا، لا بعين عابرٍ يمرّ بها. ولهذا نجد أن المكان في الرواية يؤدي وظيفة نفسية لا تقل أهمية عن وظيفة الأحداث نفسها.

    من الهرب إلى المصالحة
    العنوان الأساسي للرواية، «هاربة من ديزني»، بدا لي أعمق مما يوحي به للوهلة الأولى. فالهرب هنا ليس من مدينة ألعاب أو ذكرى طفولية فحسب، بل من أوهام كثيرة ظلّت البطلة تحملها: من صورة مثالية للحياة، ومن مطاردة دائمة للاعتراف، ومن رغبة مرهقة في تفسير كل جرح قديم.
    وعندما تصل الرواية إلى نهايتها، لا أشعر أن كاي لين ربحت معركة ضد الآخرين، بل ربحت معركة ضد الخوف والشكوك التي استوطنت داخلها سنوات طويلة. لم تتغير ملامحها، ولم يُمْحَ ماضيها، ولم تصبح حياتها مثالية، لكنها توقفت أخيرًا عن النظر إلى نفسها بعين الاتهام. وهنا، تحديدًا، تكمن قوة الرواية.

    من أهم مميزات الرواية
    من أبرز ما يُحسب للرواية قدرتها على بناء عالم نفسي شديد الصدق، حيث نجحت الكاتبة في تقديم شخصية كاي لين بوصفها كائنًا إنسانيًا معقدًا لا مجرد بطلة روائية تقليدية. كما تميزت الرواية بلغتها الوجدانية الهادئة، وثرائها الرمزي الذي تجسد خصوصًا في ثنائية الخزف والمهراس، وهي ثنائية منحت العمل عمقًا دلاليًا وجمالًا فنيًا واضحًا. كذلك برعت الكاتبة في استثمار المكان، ولا سيما عجلون وأشجار الزيتون الرومية، فجعلت الطبيعة جزءًا من البناء النفسي للشخصيات لا مجرد خلفية للأحداث. ومن نقاط القوة المهمة أيضًا نجاحها في رسم شخصيات ثانوية مؤثرة، مثل ميسون وحبيبة وماجد، بحيث بدت جميعها شخصيات حية تمتلك دوافعها ومخاوفها الخاصة.

    أهم الملاحظات الفنية على الرواية
    وعلى الرغم من إعجابي الكبير بالرواية، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بعض الملاحظات الفنية التي قد يختلف حولها القراء. فالرواية تميل أحيانًا إلى الإطالة في المقاطع التأملية والاستبطانية، مما يؤدي إلى تباطؤ حركة الحدث السردي في بعض المواضع. كما أن بعض الحوارات الداخلية المتكررة حول الهوية والاختلاف كان يمكن اختزالها دون أن تخسر الرواية شيئًا من عمقها الوجداني أو النفسي. كذلك قد يشعر بعض القراء أن حضور البطلة وهيمنتها على مساحة السرد جاء على حساب التوسع في بعض الشخصيات الجانبية التي كانت تمتلك إمكانات درامية تستحق مساحة أكبر، خصوصًا شخصية الأم الصينية وبعض الشخصيات المرافقة في مرحلة نيويورك. لكن هذه الملاحظات تظل محدودة أمام القيمة الإنسانية والفكرية التي يقدمها العمل.

    خاتمة
    في تقديري، تقدم زينب السعود عملًا روائيًا يعتمد على العمق النفسي أكثر من اعتماده على التشويق الحدثي. قد يشعر بعض القراء بأن السرد يتباطأ أحيانًا تحت وطأة التأملات الطويلة، لكن هذا البطء نفسه يمنح الرواية خصوصيتها، ويجعلها أقرب إلى رحلة داخل الروح منها إلى حكاية تُروى فقط.
    خرجت من الرواية بانطباع واحد ظل يرافقني طويلًا: أن كاي لين لم تكن تبحث عن أمها، أو عن وطنها، أو عن نسبها، بقدر ما كانت تبحث عن نفسها. وعندما وجدتها أخيرًا، أدركت أن هشاشة الخزف لا تتعارض مع صلابة المهراس، بل إن الإنسان يكتمل حين يتصالح مع الاثنين معًا.

     

    ناصر الريماوي