تطلّ علينا هذه الرواية (خبز وشاي) من منعرج الوعي وانعطافات الحس المدرِك لواقع البؤس المتغلغل في المناطق النائية في الأردن، ففي رحابها بقعة ضوء تحيط المهمشين، والمحرومين، والمستغلين المحرَّضين، وفي ثناياها ضباب كثيف مقتبس من الواقع يلفّ الكبار والعابثين في اقتصاد الوطن ومقدراته.
لتصير هذه الرواية معولا ينبش مواطن الألم كما ينبش أبطالها المقابر بحثا عن القوت.
فحين يتحول الإرث الحضاري ( المقابر الأثرية) إلى مسرح أسود يحاول فيه الفقراء كسب أدنى متطلبات العيش؛ فنحن في مواجهة نبش عميق في جروح المجتمع الغائرة، وبهذا تظهر هذه الرواية بصورة مختبر سوسيولوجي يعاين الظروف المكوّنة للذّات الإنسانيّة على صعيد المجتمع، لتنبش ثنائية تجمع بين جوع الأمعاء الخاوية وجوع العقول الذاوية، فهي سرديّة تتجاوز أن تكون واقعيّة أو تسجيليّة، إلى السّردية التّشريحيّة ومشرطها لغة سائغة متاحة للقارئ، بمستويات متعددة، وتحمل في ثناياها قدرا مشبعا بالسيميائية مما يجعل منها رواية مؤثرة ذات خطاب فكري يواجه العقم العاطفي الذي لا يتسلل إلا في هشيم الجهل، والانقياد الأعمى.
العتبات:
يظهر النبش والاستلاب منذ الإطلالة الأولى في هذه الرواية، فإنّ لها ميزة ظاهرة من جانب العتبات، فإنْ كان النّقاد يعدّون العنوان العتبة الرّئيسة للنّصّ، ويضيفون إليها بعض العتبات الأخرى مثل الغلاف الخاّص بالرواية، فهذه الرواية حملت أربع عتبات، تتجلى في جانبين الأول (العنوان الطبقي) والآخر (تصدير البنية السردية بتعبتين مستقلتين)، فإن هذا الاتجاه في تعدد العتبات النّصيّة يضع تمهيدا يسهل عمل القارئ، من جهة ويفتح له آفاق التلقي من جهة أخرى.
العنوان (خبز وشاي):
أخذ العنوان على كاهله اثنتين من العتبات الأولى في العنوان الرئيس (خبز وشاي) والثانية في العنوان الفرعي (سيرة أبو وئام الكركي)، لا يخفى الجانب اللغوي في العنوان المكون من مركب عطفي، رسم ثنائية النبش في العمل. وله علامات سيميولوجية ، إذ يمثل « ثنائية الكفاف» في معجم المعدمين؛ ويمثل اجتماع الوجود مع انعدام الكينونة، فالشّق الأول من العنوان الخبز فهو حامل للدلالة على الوجود البيولوجي والاستمرار في الحياة، لما له من دور رئيسي في الغذاء خاصة في محيطنا من قرى الأردن شمالا وجنوبا، وأما الشق الآخر الشاي فدال على الرفاهية الموءودة، فالشاي في أساسه لا يمثّل الغذاء، لكنه في هذا الإطار المكاني وهذا السياق المتشبع بالجوع صار أساسا من أساسات الغذاء حيث يتحول من مزاج ( الكيف) إلى ( إدام) يكفي الأحشاء جفاف الخبز ونصله القاطع، إن هذه الثنائية في عاميتنا تعدّ من باب التلازم اللغوي، الناتجة عن تلازمه في واقع الفقراء في حياتهم اليومية. إنها ثنائية تلازمية اقترفتها حياة الأجيال.
أما العتبة النصية الثانية الماثلة في العنوان الفرعي (سيرة أبو وئام الكركي) فهي عتبة توجيهيّة منذ اللحظة الأولى، إذ تشرّح قناع الأيديولوجيا المتقمصة لشكليات الكنية (أبو وئام). أما استبدال الاسم الصريح (أحمد) بالكنية الحركية (أبو وئام) هو إعلان عن موت الفرد وولادة الجاهل المُنْقاد. مما يفتح آفاقا من الخيال والتصور أمام المتلقي ليرسم صورة مُجَمَّعة. تربط الخبز والشاي بأبي وئام الكركي الذي ظلّ يرواح ظرفيّة حدودها الخبز والشّاي، مهنته فيها النّبش ليحصل على وجبة قوامها كذلك خبز وشاي.
وما يسترعي الانتباه أن الرواية أعقبت عنوانها بعتبتين متتاليتين هما الثالثة والرابعة، الثالثة شرارة الالتقاء بين فاتحة الرواية وحدثها الأخير، والأخرى تفويض من الكاتب لشخصيّة البطل ليتصرّف بحريته في ساحات النص وطرقاته، وليبين المنجز الحقيقي في ما وراء النّصّ، وكأن فَهْمَ الزّيف والتّخلى عنه يجسّد المنجز الأوحد وبذلك تمت الأربعة؛ وتتشكّل هذه العتبات على نسق لطيف كأنها قبر أثري تنكشف عن ما فيها من معالم للنبش، كأنك تنزل إلى ردهة لها مدخل متسلل الأبواب، تجد العتبة الثالثة تنسجم انسجاما كلّيا مع العنوان الرئيس كأنها تتلقفه لتجعل من نفسها مكانا لحدثه وحاملا للعنوان فإن المكان المظلم يفتح ذراعيه لأصحاب هذه الوجبة الدسمة من الفقر، وأمّا العتبة الرابعة فمتينة الرباط بالعنوان الفرعي (سيرة أبو وئام الكركي) فأحمد البطل الجائع المستغَل على صُعُدِه كافّة، تَشكَّل من أحداث تصلح لأن تكون سيرة الجوع والجهل والضعف والتيه، ثم تنبش داخله فتجده مازال يطمح أن يصفي حسابه مع المزيفين فأحمد صاحب السيرة وهو سيد المسرح فيها، وهكذا تفتح بوابة النبش على مصراعيها في وضح الوعي، وأمام كلّ من يعايش الحياة القاسية، ويرى المسحوقين فيها، بدأ سردها الحكائي حيث انتهى، في سجن مظلم حين همست العتبة للقارئ همسة افتتحت النص، أغلقه الفصل الأخير واشيًا بالمكان ذاته، ليحمل لنا النص سردا دائري الحقيقة، خطيّ المظهر.
ملامح تداولية:
تشتغل الرواية وفق استراتيجية المواجهة مع المتلقي، حيث يقدم الطراونة نصاً للمتعة وينسج منه استفزازا يهدف إلى خلخلة الوعي السائد من خلال تجليات القصد. وأما فعل الكتابة فقد جعل من الرواية كلها فعلا كلاميا واحدا، إذ تتحرك الرواية كفعل كلامي توجيهي، فيجتمع في معمار الرواية الألم والدواء، من خلال تحريض المتلقي على النّظر في الواقع من أجل علاجه، فالرواية تحمل في طيّاتها سبّابة يؤشر إلى مواطن الألم، فقصدية الروائي تتجاوز الإخبار عن فقر الجنوب إلى تحذير المتلقي من مآلات إهمال هذه الفئات من الناس المتمثّلة بشخصيّات الرواية (أحمد، أبو أحمد، وخالد ويمثّل الشخصية المتطوّرة المتقدمة من الهامش إلى المحور ثم إلى القطبيّة. وغيرها من الشخصيات)
ويرتسم هذا التوّجيه في غير موضع من الرواية، فعندما يصف النص نبش القبور، فإنه يمارس فعل التقبيح للواقع لدفع المتلقي نحو فعل التغيير. وحين يفتح الباب على الرائحة المقززة المرتبطة بسلوك الأشخاص كأنه يجعل النظافة من ترف الحياة يحيل ذلك إلى القبح بصورة تنفر منها وتوجه إلى دفعها والتخلي عنها؛ فتجد الكلمات تسير وفق معجم وصفي زاخر بالنفور كما تجد في معجم الاتساخ (العرق، اللزج، النتن) وهكذا في كل اتجاهات الأحداث الحكائيّة في الرواية كالخيانة والكذب وغيرها.
أما عن الميثاق التداولي بين النص والقارئ، فيؤسس الكاتب ميثاقاً يقوم على المشاركة في الجرم فالقارئ ليس طرفاً محايداً؛ فلو جربنا تشريح وصف وجبة الخبز والشاي المتكررة، سنلحظ أن الكاتب يضع القارئ أمام مسؤوليته الأخلاقية كأنه يتساءل: أين أنت من هذا؟ من المسؤول عن هذه الحالة؟
وكذلك من خلال خلق حالة تنبيه مستمر، فالقارئ يقف خارج إطار الصورة الواقعيّة فالنص يستمر بسحبه إلى ظاهرة يجب أن يتخذ موقفا تجاهها، وذلك في مواضع متعددة فلو تتبعت حالة الشحن الواقعة على خالد ستجدها صماء عمياء، حتى وإن تساءل حول عدوه وكيف لأحمد أن يكون عدوه، ثم لو نقلت المجهر إلى حالتي الاصطفاف أو الاستعداء ستلحظ أن الجهل يلف الحالتين، وكرست الرواية ذلك من خلال التكتّل حول أي من الاتجاهين المُمثَّليَن بالشقيقين أحمد وخالد. فلغة الرواية هنا تكسر جدار الحدث؛ لتسأل المتلقي سؤالا جوهريا مركبا: كيف سمحنا بصناعة هذا العنصر المنقاد الفاقد للهوية (أبو وئام)؟ وكيف قبلنا النموذج المشحون بالغضب غير الواعي (خالد)؟
السياق والخلفية التنظيمية:
تعتمد الرواية على المخزون الثقافي للمتلقي الأردني والعربي التي تقتبس بعض الواقع (أحداث الربيع العربي، ظاهرة التطرف، تجارة الآثار). التداولية هنا تكمن في أن النص لا يشرح كل شيء، إنما يفتح المجال للمتلقي ملء الفراغات السردية بناءً على واقعه المعاش، مما يجعل الرواية فعلاً تداولياً مشتركاً بين الكاتب والمتلقي.
هندسة الاستلاب (الفقر والجهل كأدوات تجريف مجتمعية):
الرواية تهندس عملية الاستلاب عبر ثلاث مسارات:
الاستلاب الأسري: وتجلّى هذا الاستلاب بجملة من الاحداث الفارقة كخيانة العم أبو خليل الذي اختار المال على شقيقه الكادح؛ واستلاب الأحلام فأبو أحمد الذي بدأ حياته مع زوجته بأحلام الحياة الطيبة حين وشى بأحلامه (اليوم جندي وغدا قائد)، ثمّ استلاب الزوج حين مات أبو أحمد وترك أم أحمد بعده تنبش الذكريات كما نبش أبو احمد المقابر، اجتمعت هذه الاستلابات لتحدث شرخا عميقا في جوانيات الأبطال، مما أفقد الشباب المرجعية الأخلاقية وإيمانهم بمبدأ القرابة.
الاستلاب المعرفي: فاض علينا النّص بهذا النوع من الاستلاب الذي بدأه بفساد يوسف؛ مدرس التاريخ الذي يبيع التاريخ بدلاً من الحفاظ عليه، مما خلق تجهيلاً مقصودا ووضع التلميذ في حالة انفصام، والاستلاب العميق في التاريخ حين بدأ أبو خليل حياته مع الفدائيين دون أدنى فهم لما يقوم به إنما يؤمر فينفّذ، والاستلاب الآخر يتمظهر في أحمد وخالد فأحمد الساعي وراء القوة والانتقام زُرعت في رأسه فكرة القتال والجهاد دون إدراك المفاهيم، وخالد الذي صنع له عدو لا يعرفه أصلا.
الاستلاب الوطني: جسدت الرواية حالة عجيبة من هذا الاستلاب فبيع الآثار وطمس الهوية الحضارية للوطن استلاب صارخ، وإن كان دافعه عند بعضهم العوز والفقر، والاستلاب الآخر المتمثّل بتجار التاريخ الذين يبيعون المواطن خطاب الإصلاح في النهار، ثم يبيع تاريخ الوطن تحت جنح الليل، والاستلاب الأخير (المواجهة بين الأخوين)؛ اللحظة التي يتحول فيها الأخ إلى عدو والوطن إلى ساحة تصفية للاتجاهات المتعددة.
البنية الدائرية وتداولية النهاية:
تبدأ الرواية بكلمة «تكسّر بعض صوت كان يرافقه في جوف الظلام، وتناثرت حروفه اللزجة» وتنتهي بالكلمات ذاتها مضافة إلى «ابتعد قليلا عن الفتحة، ثم غابت ذاكرة أحمد في القيود» وتختم «لتجهش ذاكرته بالنّزف» إن تكسّر الصوت دعوة للمتلقي لمتابعة الرحلة ومحاولة استجماع الوجع النّازف في هذه الرواية التي بدأت في خطّ النهاية، أما «الإجهاش في نزف الذاكرة» فهو فعل كلامي صامت يترك القارئ في حالة من الحيرة والارتباك؛ فالذاكرة النازفة تختزن ما هو مأساوي أكثر مما باحت به؛ فالمسكوت عنه أعظم وأشد، وكأن هذا الصمت هو الصدمة التي تريد الرواية بعناصرها أن تتركها في روع القارئ كتحذير نهائي.
إن «خبز وشاي تعرية أسلوبية لألم تجاوز السطح حتى استقرّ في النخاع؛ حيث استخدم الطراونة لغة بسيطة في ظاهرها، لكنها محملة بأفعال كلامية قوية تهدف إلى خلخلة النسق الثقافي المهترئ الذي ينتج «أبو وئام الكركي» وأبو خليل ويوسف وجمال. فالرواية بهذا المعنى فعل احتجاجي يطلب من المتلقي أن يكون شريكاً في الفهم لكيلا يكون شريكاً في الصمت.
فالفقر والجهل من أهم الشخصيات الحاضرة في كلّ حدث كأنها البطولة المطلقة في هذه الرواية، فبين الخطابات المزينة لخلع جذور الفساد، وبين التحريض والتحريش الأعمى، فقرٌ متمدد يقابل الجهل في الجادة الأخرى ليرسما حدودا حول كل حدث، حول الادعاء، حول الزيف، حول الخيانة، وحول الدم المتصادم تحت شعار القضاء على العدو، وكذلك أنت عزيزي القارئ الشخصيّة الغائبة عن خطيّة النّص الشاهدة على أبعاده.
(مصعب محمد رشيد البدور، صحيفة الدستور، 19/6/2026).


