شعرية المفارقة والدائرة السردية في مجموعة “أهرب من ظلي” لموسى إبراهيم أبو رياش

شعرية المفارقة والدائرة السردية في مجموعة “أهرب من ظلي” لموسى إبراهيم أبو رياش


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

     أ. د. وسام علي الخالدي / العراق

    تنهض مجموعة «أهرب من ظلي» للقاص موسى إبراهيم أبو رياش بوصفها مشروعًا سرديًا يراهن على مساءلة الوجود الإنساني من خلال بنية قصصية تتجاوز الحكاية إلى إنتاج شبكة كثيفة من العلامات والإحالات النفسية والفلسفية. فلا يبدو العنوان مجرد تسمية للنص، وإنما يتحول إلى عتبة تأويلية تضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام مفارقة وجودية؛ إذ كيف يستطيع الإنسان أن يهرب من ظله، وهو الامتداد الأكثر التصاقًا بكيانه؟ ومن هنا تبدأ المجموعة بتشييد عالمها على فكرة الاستحالة، حيث يغدو الهروب دورانًا أبديًا داخل الذات، لا انفلاتًا منها، فتغدو الكتابة نفسها محاولة متكررة للنجاة من المأزق الإنساني الذي لا يكف عن إعادة إنتاج نفسه.

    وتتجلى شعرية المفارقة في هذه المجموعة بوصفها البنية العميقة التي تحكم تشكل الحدث والشخصية والنهاية معًا، إذ لا تقوم المفارقة على قلب التوقعات فحسب، بل على تأسيس علاقة متوترة بين الحقيقة والوهم، وبين الإدراك والواقع، وبين ما يراه البطل وما يصدقه الآخرون. ففي قصة «انهيار» -التي تمثل العتبة الأولى للتشظي النفسي وصدمة الاصطدام بالواقع، حيث تتزعزع طمأنينة البطل وتتصدع يقينياته منذ اللحظات الأولى لتؤسس لرحلة المتاهة- تتصاعد الكوابيس تدريجيًا حتى تتحول من حلم فردي إلى حقيقة تقع أمام الجميع. غير أن المفارقة تبلغ ذروتها عندما يصبح الشخص الذي كان يُوصم بالجنون هو الوحيد الذي امتلك رؤية الحقيقة قبل وقوعها، بينما يغدو العقل الجمعي هو الضحية الحقيقية لعجزه عن الإصغاء إلى الإنذار. وهكذا لا يعود الجنون نقيض العقل، بل صورته الأكثر إيلامًا، لأن الحقيقة لا تُرفض إلا حين تأتي من خارج النسق المألوف.

    ولا تنفصل هذه المفارقة عن تقنية الدائرة السردية التي تتكرر في عدد من القصص بوصفها نموذجًا لبنية مغلقة، إذ تبدأ الشخصية من نقطة، وتقطع مسافات طويلة من القلق والبحث، ثم تعود إلى النقطة ذاتها وقد استنفدت طاقتها دون أن تحقق الخلاص. إن الحركة في هذه النصوص ليست انتقالًا بقدر ما هي دوران، والزمن ليس تقدمًا بقدر ما هو إعادة إنتاج للحدث ذاته بصور مختلفة. ولهذا تتخذ الكوابيس في «انهيار» نسقًا دائريًا يتكرر كل ليلة، لكنها تتسع في كل مرة حتى تشمل المدينة والعالم، وكأن الدائرة تكبر دون أن تنكسر، فيتحول التكرار إلى أداة لتكثيف الرعب لا لتأكيد الرتابة.

    وتبرز هذه البنية بصورة أكثر صفاء في قصة «مشوار»، حيث يهيئ السرد القارئ لرحلة اعتيادية خارج المنزل، ويستغرق في وصف الطقوس اليومية بتفاصيل دقيقة تمنح الزمن امتدادًا واقعيًا، لكن النهاية تعيد الشخصية إلى نقطة البداية حين يكتشف أنه ليس بحاجة إلى الخروج أصلًا، فيخلع ملابسه ويعود إلى غرفته، وكأن الرحلة لم تكن سوى دوران داخل الذات، لا داخل المكان. إن السرد هنا يبني دائرة كاملة تبدأ بالرغبة وتنتهي بإلغائها، ليصبح الحدث الحقيقي هو انكشاف الفراغ الوجودي الذي يبتلع الحركة كلها.
    أما في قصة «مؤامرة» فإن الدائرة السردية تتخذ شكلًا ميتاسرديًا، إذ تتحول الكتابة نفسها إلى موضوع للكتابة. فالقاص داخل النص يكرر المحاولة نفسها عشرات المرات، يكتب ويحذف، ويعيد البناء ثم يهدمه، حتى يغدو النص دائرة لا تنتهي بين الرغبة في الإبداع والخوف من عدم بلوغه. والمفارقة هنا أن الكاتب الذي يريد إنتاج نص استثنائي ينتهي عاجزًا حتى عن تشغيل برنامج الكتابة، وكأن التقنية ذاتها تشارك في السخرية من أوهام الكمال، فيصبح الحذف هو النص الحقيقي، ويغدو الغياب أكثر حضورًا من الكتابة نفسها.
    وتغدو المفارقة أكثر قسوة في **«معركة خاسرة»**, حيث يُروى التاريخ الشخصي بوصفه سلسلة متصلة من الهزائم التي تبدأ بالميلاد ولا تنتهي إلا بتهمة لم يرتكبها البطل. غير أن النص لا يقدم المأساة بوصفها استثناء، بل باعتبارها قانونًا وجوديًا، حتى يصبح الإنسان هدفًا دائمًا لضربات الحياة. وهنا لا تنشأ المفارقة من الحدث وحده، بل من اللغة التي تمزج بين الاعتراف والسخرية السوداء، فتمنح الألم قدرة على السخرية من نفسه، وتمنح القارئ إحساسًا بأن الخلاص نفسه قد يكون أحد أشكال الوهم.
    ولعل ما يميز هذه المجموعة أن الدائرة السردية لا تقتصر على بنية الأحداث، وإنما تمتد إلى اللغة ذاتها. فكثير من الجمل تقوم على التكرار المقصود، وتدوير الألفاظ، واستعادة الصور، بحيث يبدو الإيقاع اللغوي محاكاة للإيقاع النفسي للشخصيات. إن التكرار هنا لا يؤدي وظيفة أسلوبية فحسب، بل يتحول إلى تمثيل لحصار الذات داخل أفكارها وهواجسها، فتغدو اللغة دائرة أخرى تحاصر الشخصية كما يحاصرها الزمن والمكان.
    كما يستثمر الكاتب الفضاء المكاني بوصفه عنصرًا دائريًا؛ فالنافذة، والغرفة، والشقة، والمستشفى، والبيت، والشارع، ليست أماكن انتقال، وإنما فضاءات مغلقة تعيد الشخصيات إلى نقطة الانطلاق مهما حاولت الفرار. وحتى الفضاءات المفتوحة تتحول إلى متاهات بلا نهاية، كما في قصة «متاهة»، حيث يفقد المكان اتجاهاته، ويتحول السير نفسه إلى دوران لا يقود إلى خلاص، بل إلى مزيد من الضياع.
    وتتوج هذه المسيرة قصة **«شاهد عيان»** التي تتوّج المسار السردي وتعكس عجز الإنسان المعاصر واكتفاءه بمراقبة انهيار عالمه دون قدرة على التدخل، لتلتفت النهاية على البداية في حلقة دائرية مفرغة تؤكد استحالة الإفلات من قبضة الوعي المأزوم وتجذر حالة الاغتراب الوجودي.
    ومن الناحية الجمالية، ينجح موسى إبراهيم أبو رياش في تحويل المفارقة من تقنية بلاغية إلى رؤية للعالم، فالشخصيات لا تعيش تناقضاتها فحسب، وإنما تُبنى وجوديًا على هذه التناقضات؛ فهي تبحث عن الأمان في الأماكن الأكثر هشاشة، وتطلب النجاة من خلال وسائل تقودها إلى الهلاك، وتؤمن بالعقل في اللحظة التي يخذلها فيها العقل نفسه. ولهذا تبدو النهايات مفتوحة على احتمالات متعددة، لأن الدائرة لا تُغلق فعلًا، وإنما تترك القارئ داخلها، ليصبح هو الآخر جزءًا من اللعبة السردية.
    إن «أهرب من ظلي» ليست مجموعة قصصية تحتفي بالمفارقة بوصفها لعبة فنية، بل تجعل منها بنية فكرية تكشف هشاشة الإنسان أمام أسئلة المصير، وتجعل من الدائرة السردية استعارة كبرى للوجود المعاصر الذي يظن أنه يتقدم بينما يعيد إنتاج مآزقه بصورة أكثر تعقيدًا. ومن هنا تكتسب المجموعة فرادتها؛ لأنها تنقل القارئ من متابعة الأحداث إلى اختبار التجربة نفسها، فيغدو الهروب عودة، والطريق متاهة، والنهاية بداية جديدة لدائرة أخرى لا تنتهي.
    ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة أن القاص لا يكتفي ببناء المفارقة على مستوى الحدث، بل يجعلها تتسلل إلى آليات التلقي ذاتها، فيدفع القارئ إلى مراجعة يقيناته باستمرار. فما يبدو حقيقة في مستهل السرد يغدو احتمالًا في منتصفه، ثم يتحول إلى سؤال مفتوح في خاتمته. وبهذه التقنية يحرر النص قارئه من سلطة التفسير الأحادي، ويجعله شريكًا في إنتاج الدلالة، لأن النص لا يمنحه أجوبة جاهزة، وإنما يورطه في متاهة من الاحتمالات التي تتناسل باستمرار.
    وتزداد هذه الرؤية عمقًا من خلال الاقتصاد السردي الذي يتقنه موسى إبراهيم أبو رياش، إذ لا يعتمد على الحشد الوصفي أو الزخرفة اللغوية، وإنما يراهن على جملة مكثفة تحمل أكثر من مستوى دلالي، فتتجاور الواقعية مع الرمزية، واليومي مع الفلسفي، والمألوف مع الغرائبي. ولذلك تبدو الأحداث، مهما بلغت غرابتها، قابلة للتصديق داخل منطق النص، لأن الكاتب ينجح في بناء عالمه وفق قوانينه الداخلية، فلا يشعر القارئ بانفصال بين الواقع والمتخيل، بل يكتشف أن الواقع ذاته أكثر غرابة من الخيال.
    كما تتسم الشخصيات بكونها شخصيات قلقة، لا تمتلك يقينًا ثابتًا، بل تتحرك داخل منطقة رمادية بين الإيمان والشك، وبين الرغبة والعجز، وبين المقاومة والاستسلام. وهي شخصيات لا تُعرَّف بأسمائها بقدر ما تُعرَّف بأزماتها، فتتحول إلى نماذج إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان، وهو ما يمنح المجموعة بعدها الكوني، ويجعلها قادرة على تمثيل الإنسان المعاصر الذي فقد مركزه، وأصبح يعيش اغترابًا مضاعفًا عن العالم وعن ذاته في آن واحد.
    ومن اللافت أيضًا أن الكاتب يحسن توظيف الرمز من دون أن يقع في الغموض المفتعل. فالظل، والانهيار، والمتاهة، والمشوار، والحريق، والنافذة، والمبنى، جميعها تتجاوز وظيفتها المرجعية لتصبح علامات ثقافية ونفسية تحمل طبقات متعددة من المعنى. فالظل ليس مجرد أثر للجسد، وإنما هو صورة الذات التي يعجز الإنسان عن مغادرتها، والانهيار ليس سقوط عمارة فحسب، بل انهيار منظومة القيم واليقين، أما المتاهة فهي استعارة للوعي الإنساني حين يفقد بوصلته، ويغدو البحث عن المخرج جزءًا من استمرار الضياع.
    ومن منظور سيميائي، يمكن القول إن المجموعة تؤسس لجدلية الحضور والغياب؛ فكل حضور يحمل في داخله غيابه، وكل يقين ينطوي على شكه، وكل بداية تشتمل على نهايتها. وهذه الثنائية تمنح النصوص طاقة تأويلية واسعة، لأنها ترفض الانغلاق على معنى واحد، وتسمح بانفتاح القراءة على مستويات نفسية واجتماعية وفلسفية متعددة.
    ولا يغيب عن هذه التجربة البعد النقدي تجاه الإنسان المعاصر الذي تحاصره التكنولوجيا والعزلة والاغتراب والخوف. غير أن الكاتب لا يصرح بمواقفه، بل يترك الوقائع والرموز تقوم بهذه المهمة، فيتحول السرد إلى خطاب نقدي هادئ، يفضح هشاشة العلاقات الإنسانية، وانهيار الثقة، وسيادة القلق الوجودي، من غير أن يفقد جمالياته الفنية أو يتحول إلى خطاب مباشر.
    إن القيمة الجمالية الحقيقية لمجموعة «أهرب من ظلي» تكمن في قدرتها على تحويل البنية السردية إلى تجربة شعورية يعيشها القارئ لا يقرأها فحسب. فالدائرة السردية لا تبقى تقنية شكلية، وإنما تصبح إحساسًا بالاختناق، وشعورًا بأن الزمن يعيد نفسه، وأن الإنسان مهما حاول الإفلات من ماضيه أو من مخاوفه أو من ظله، فإنه يعود دائمًا إلى النقطة التي بدأ منها. وهنا تتجسد شعرية المفارقة بأبهى صورها؛ إذ يتحول الهروب إلى شكل من أشكال البقاء، وتصبح النجاة وجهًا آخر للسقوط، ويغدو البحث عن الخلاص طريقًا يقود إلى اكتشاف أن الذات هي المتاهة الأولى والأخيرة.
    وبذلك يبرهن موسى إبراهيم أبو رياش أن القصة القصيرة لا تُقاس بطولها، وإنما بقدرتها على تكثيف الأسئلة الكبرى داخل فضاء سردي محدود. فقد استطاع أن يبني عالمًا قصصيًا متماسكًا تتعانق فيه المفارقة مع الدائرة السردية، والواقعي مع الرمزي، والفردي مع الإنساني، لتغدو المجموعة نصًا مفتوحًا على قراءات متجددة، يؤكد أن الأدب الحقيقي لا يكتفي برواية ما حدث، بل يعيد تشكيل وعينا بما يحدث في أعماق الإنسان، حيث يظل الجميع يحاولون الهروب… لكنهم لا يغادرون ظلالهم أبدًا.
    وإذا كانت القصة القصيرة الحديثة قد تجاوزت منذ زمن طويل منطق الحكاية الخطية، فإن موسى إبراهيم أبو رياش يبدو واعيًا بهذا التحول، إذ يكتب نصوصه وفق منطق التشظي والاختزال والانزياح، فلا يمنح القارئ متعة الحدث بقدر ما يمنحه متعة اكتشاف البنية العميقة للنص. ولهذا فإن القراءة الأولى للمجموعة تكشف الحكايات، أما القراءة الثانية فتكشف العلاقات الخفية بين القصص، بينما تفضي القراءة الثالثة إلى إدراك أن المجموعة بأكملها تشكل دائرة سردية كبرى، تتكرر فيها الثيمات والصور والرموز، حتى ليبدو كل نص امتدادًا للنص الآخر، أو وجهًا جديدًا للقلق الإنساني نفسه.
    ومن هنا يمكن النظر إلى المجموعة بوصفها نصًا واحدًا متعدد المقاطع، لا مجرد قصص منفصلة؛ فالشخصيات، وإن اختلفت أسماؤها وأوضاعها، تتقاسم المصير ذاته، والزمن، وإن بدا متنوعًا، يتحرك داخل الإيقاع النفسي نفسه، أما الأمكنة فتتبادل وظائفها حتى تغدو جميعها أمكنة للانتظار والخوف والبحث عن معنى مفقود. وهذا التلاحم البنيوي يمنح المجموعة وحدة عضوية تجعلها أقرب إلى رواية مفتتة أو فسيفساء سردية تتكامل أجزاؤها عبر التكرار والتقابل والتوازي.
    كما أن القاص ينجح في توظيف ما يمكن تسميته بـ”الصمت السردي”، وهو ذلك الجزء غير المكتوب من النص الذي يتركه للقارئ ليملأه بخبرته التأويلية. فكثير من النهايات لا تغلق الحدث، وإنما تتوقف عند اللحظة الأكثر توترًا، وكأن الكاتب يؤمن أن نهاية القصة ليست آخر سطر فيها، بل اللحظة التي يبدأ فيها القارئ بإعادة كتابتها داخل وعيه. وهذا ما يمنح النصوص قابلية دائمة لإعادة القراءة، لأن ما يُحذف فيها لا يقل أهمية عما يُقال.
    ومن زاوية الأسلوب، تتسم لغة موسى إبراهيم أبو رياش بدرجة عالية من الصفاء التعبيري، فهي لغة لا تستعرض بلاغتها، بل تجعل البلاغة تنبع من دقة الصورة، ومن اقتصاد العبارة، ومن التوتر الكامن بين الكلمات. فالاستعارة عنده ليست زينة أسلوبية، وإنما أداة معرفية تكشف ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله، ولذلك تتجاور الصور الحسية مع الدلالات المجردة في نسيج واحد، فتكتسب المفردة طاقة إيحائية تتجاوز معناها المعجمي إلى أفقها الرمزي.
    ويحسب للكاتب أيضًا نجاحه في بناء إيقاع داخلي هادئ، بعيد عن الانفعال الخطابي أو المبالغة الدرامية، فحتى في أكثر اللحظات مأساوية، يحافظ السرد على نبرة متزنة، الأمر الذي يضاعف أثر الصدمة؛ لأن الألم لا يُعلن عن نفسه بالصراخ، بل يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة، والإشارات العابرة، والصمت الذي يفصل بين الجمل. وهذا الوعي الإيقاعي يمنح النصوص بعدًا شعريًا، ويجعل القصة القصيرة تقترب من القصيدة في تكثيفها، دون أن تفقد طبيعتها السردية.
    ولعل أهم ما يمكن تسجيله في هذه المجموعة هو أن المفارقة فيها ليست نهاية للمعنى، بل بداية له؛ فهي لا تهدف إلى إدهاش القارئ فحسب، وإنما تدفعه إلى إعادة التفكير في المسلمات التي اعتادها. إن كل مفارقة تفتح سؤالًا جديدًا، وكل دائرة سردية تكشف أن الحياة نفسها ليست خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من الدوائر التي تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، والحلم مع الواقع، واليقين مع الشك.
    وعلى هذا الأساس، فإن «أهرب من ظلي» تقدم نموذجًا متقدمًا للقصة القصيرة العربية التي تستثمر التقنيات السردية الحديثة من غير أن تنفصل عن هموم الإنسان اليومية. فهي تزاوج بين العمق الفكري والاقتصاد الفني، وبين الرمز والواقعية، وبين البنية المحكمة والانفتاح التأويلي، لتؤكد أن القصة القصيرة لم تعد جنسًا أدبيًا يعتمد على المفاجأة وحدها، وإنما أصبحت فضاءً معرفيًا قادرًا على مساءلة الوجود، وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم.
    إن موسى إبراهيم أبو رياش، في هذه المجموعة، لا يكتب قصصًا عن شخصيات تهرب من ظلالها، بل يكتب عن الإنسان وهو يطارد صورته في مرايا الحياة، وكلما ظن أنه اقترب من ذاته، اكتشف أنها ابتعدت خطوة أخرى. ومن هنا تتجلى القيمة الفنية للمجموعة؛ فهي لا تقدم يقينًا، وإنما تؤسس لقلق معرفي خلاق، يجعل النص مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي، ويمنح القارئ إحساسًا بأن الأدب الحقيقي لا يفسر العالم، بل يعيد تعقيده، لأن الأسئلة الكبرى لا تولد من الأجوبة، وإنما من المفارقات التي تظل قادرة على إرباك وعينا، وإيقاظ دهشتنا، كلما أعدنا قراءة النص من جديد.

    ولعل ما يثري هذه البنية القصصية هو قدرة الكاتب على إحكام خيوطها عبر نماذج حية تتوزع في مفاصل العمل؛ فقصة «انهيار» تمثل العتبة الأولى للتشظي النفسي وصدمة الاصطدام بالواقع، حيث تتزعزع طمأنينة البطل وتتصدع يقينياته منذ اللحظات الأولى لتؤسس لرحلة المتاهة، بينما تتوج قصة «شاهد عيان» هذا المسار السردي لتعكس عجز الإنسان المعاصر واكتفاءه بمراقبة انهيار عالمه دون قدرة على التدخل. لتلتفت النهاية على البداية في حلقة دائرية مفرغة تؤكد استحالة الإفلات من قبضة الوعي المأزوم وتجذر حالة الاغتراب الوجودي، وليظل النص بأكمله فضاءً مفتوحًا يعيد إنتاج أسئلته الكبرى بلا نهاية.