“غزة تبدع”: الأدب في تعرية الإبادة ومواجهة الحصار

“غزة تبدع”: الأدب في تعرية الإبادة ومواجهة الحصار


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    بديعة زيدان

    في إطار المساعي الثقافية لكسر الحصار وإيصال صوت الإبداع الفلسطيني، أطلقت دار “الآن ناشرون وموزعون” من العاصمة الأردنية عمّان مبادرة “غزة تبدع”، وهي مبادرة مستقلة تقوم فلسفتها، كما يُوضح المدير العام للدار د. باسم الزعبي، على التفكير في دور الناشر وواجبه القومي في تقديم الدعم لغزة بعيداً عن التبرعات التقليدية، لكون غزة بيئة “ولادة” للمبدعين والعلماء والمثقفين، وهو ما يتطلب إفراد دعم خاص لنشر أفكارهم ونتاجهم الأدبي الذي ينبغي ألا يغيب عن الساحة الأدبية العربية في ظل حرب الإبادة والظروف الاستثنائية القاسية.
    وفيما يتصل بآلية العمل واختيار النصوص، أشار الزعبي إلى أن المبادرة استهدفت بشكل أساسي الكتاب والكاتبات المقيمين داخل أرض غزة لنقل تجاربهم الحقيقية والمعايشة الواقعية؛ حيث أُعلن عن المبادرة وباب استقبال الطلبات عبر وسائل التواصل المتاحة ووصلت العديد من الأعمال التي تمت المفاضلة بينها، إذ اعتمدت عملية الانتقاء على معايير دقيقة تشمل إعطاء الأولوية لأبناء القطاع المقيمين فيه، والسوية الإبداعية العالية للنصوص، والتنوع في الأجناس الأدبية بين اليوميات، القصص، الشعر، والروايات.
    وبينما انطلقت المبادرة في الأصل لنشر 12 عملاً إبداعياً بمعدل كتاب كل شهر، فقد توسع نطاقها ليصل إلى 14 عملاً، حيث أوضح الكاتب جعفر العقيلي، الشريك المؤسس للدار والمشرف العام على المبادرة، أن هذا الارتفاع جاء استجابة لنصوص استثنائية وردت إلى اللجان وتستحق الدعم والتسليط، مشيراً إلى أن العدد قد يصل مستقبلاً إلى 15 عملاً، لافتاً إلى أنه ولإضفاء طابع فني موحد، حرصت الدار على تطوير هوية بصرية خاصة بسلسلة الإصدارات استوحت أسلوبها من أعمال الفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط.
    وحول الجانب الإجرائي والتحكيمي، أشار العقيلي إلى أن أوراق كل كتاب تخضع للجنة تقييم برئاسة الروائي خالد الجبر، وتضم محكمين ونقاداً عرباً من خارج الأردن لضمان الحيادية والمهنية. كما يتضمن كل كتاب تقديراً أو تصديراً خاصاً يكتبه أحد المقيمين باسم اللجنة، إلى جانب خضوع النصوص لتحرير وتدقيق دقيقين وحوار مستمر مع المؤلفين لضمان تجويد العمل وإخراجه بأفضل صورة.
    وعلى صعيد طبيعة المحتوى، أكد الزعبي أن الأعمال المنشورة أو قيد النشر أدبية تعكس واقع الناس والحياة والحرب بأسلوب أدبي راقٍ، وليست أيديولوجية أو سياسية مباشرة أو بروباغندا دعاية، مشيراً إلى أنه وبينما تمت إتاحة النسخ الإلكترونية لجميع القراء حول العالم، توجد صعوبات بالغة في إيصال النسخ الورقية إلى القطاع بسبب أهوال الحرب والحصار.
    وكان الكتاب الأول بعنوان “مجازر مخيم جباليا” (قصص صحافية) لحمزة خليل أبو الطرابيش، ونقل فيه تفاصيل العيش تحت النار ورصد حياة الشهداء كأحياء لهم أحلام وأسماء لا مجرد أرقام، إذ وصفه الإعلامي الفلسطيني أحمد الشيخ بالسجل الأمين الذي يعيد الضحايا لذاكرة الحياة استجابة لوصيتهم.
    وتحت عنوان “دكّة الاحتياط” لأنسام كامل أبو ستّة، كان الكتاب الثاني الذي يقدّم مرويات قصصية تعكس المعاناة اليومية تحت الحرب، إذ تتساءل الناقدة والفنانة الفلسطينية رنا بشارة في تقديمها له عن مفهوم التقييم الأدبي أمام نصوص شُقّت من تحت الركام، مشيدة ببراعة السرد في انتشال القارئ من العجز.
    “عائد من نتساريم” (قصص) لعبد الكريم أبو مصطفى، كان ثالث إصدارات السلسلة، ويوثق تجربة الاقتلاع والمقاومة بالأدب، فيما يُبرز تقديم الناقد العراقي زهير كريم “انتصارات الكتابة” في العمل عبر التكثيف الشاعري، والانحياز للإنسان دون شعارات.
    وفي روايتها “فاطمة تغسل الحرب عن ذاكرة القلب”، أعادت وفاء إسماعيل المبيض تشكيل اليومي والذاكرة الجمعية تحت أهوال الحرب، إذ أوضحت الناقدة العُمانية د. عزيزة الطائي في تقديمها كيف تتقاطع الذات بالهم الجمعي لمواجهة الموت بنبرة اعترافية تصنع أدباً مقاوماً.
    وتناولت رواية “الخامسة نَجَتْ” لولاء شفيق السلمان أهوال الحرب والنجاة بتقنية “رواية داخل رواية”، ما دفع الناقد والروائي المغربي صدوق نور الدين في تقديمها للحديث عن الكفاءة في البناء الروائي والتماهي بين شخصيتين في الداخل والخارج لطرح سؤال النجاة وتجسيد الصمود.
    نصوص سميّة عصام وادي الموسومة بـ”كم جنازةً عُمْرُك؟ مدونات الموت، والجوع، والنجاة”، وشكلت سادس إصدارات السلسلة، رصدت الشجن اليومي، إذ يصفها الناقد الأردني د. راشد عيسى في تقديمه بأنها عمل أدبي رفيع بلغة فاتنة تحوّل الموت اليومي وعدد الجنازات إلى نصوص وقصائد نثر شاهقة.
    ولم تخلُ مسيرة المبادرة من التحديات الرقمية؛ إذ كشف جعفر العقيلي عن تعرض حسابه الشخصي وحساب الدار على منصات التواصل الاجتماعي للحظر والحذف الكامل نتيجة حملات بلاغات مكثفة عقب نشر إحدى الكاتبات منشوراً يتصل بالمبادرة، إلا أن القائمين على “غزة تبدع” يؤكدون استمرارهم بثبات في إنجاز المشروع، لإيصال صوت المبدع الفلسطيني المحاصر إلى العواصم العربية والعالمية، مع التخطيط لتنظيم ندوات وفاعليات لتسليط الضوء على الإصدارات عقب اكتمال نشر السلسلة.

    (بديعة زيدان، صحيفة “الأيام”، 3/8/2026).