«وحده من يقلع العاقول» الرواية الأحدث للكاتب والأديب العراقى عمر سعيد وهي تعتبر شهادة سردية حية، تعتصر أوجاع البحث عن الهوية والنزوح والصراع الإنسانى المعقد الذى يخوضه الإنسان بين نيران الوطن وعزلته فى الاغتراب.
تقع الرواية فى مساحة تشابك حادة جمعت بين تقنيات السيرة الموازية أو السيرة الغيرية، والموقف السياسى الصلب، والتحليل النفسى العميق لشخصيات العمل، لتستعرض الرواية عبر شخصية بطلها الصحفى والإعلامى وديع ما يعانيه الإنسان المعاصر حين تحاصره الأنظمة المستبدة والمصالح الضيقة، وتتقاذفه أمواج الغربة وقسوة الموروث الذكورى.
ومن الملاحظ أن عمر سعيد يعتمد فى بنائه الروائى على تقنية الزمن المتعدد والمتشابك والتوازى المكانى الممتد ببراعة واستفاضة؛ ويتنقل السرد بنا بسلاسة متناهية بين حاضر البطل فى الولايات المتحدة الأمريكية بين عامى ٢٠٠٦ و٢٠١٤ وهو يواجه قسوة القضاء فى فرجينيا فى قضية عنف أسرى وتهديد بإنهاء إقامته والترحيل، وبين ماضيه المحفوف بالخطر والموت المتربص فى بغداد عام ٢٠٠٧ والظروف الإنسانية الصعبة هناك. هذا التناوب أو التداخل الزمنى المتدفق يعكس أزمة الشتات الداخلى والتمزق النفسى الذى يعتصر الشخصية الرئيسية.
من أجمل المشاهد فى الرواية مشهد استجواب الهجرة والترحيل فى أمريكا، إذ إنه يتقاطع مع ذكريات الاعتقال والتحقيق فى الشعبة الخامسة ومعسكر «الرضوانية» ببغداد، ليمسى المكان فى النص ضاغطًا نفسيًا على البطل ومحركا أساسيا يتجاوز مجرد كونه مسرحا جغرافيا صامتا للأحداث.
أما على المستوى النفسى والتطور الشعورى، تتحرك شخصية «وديع» فى مسار حاد ودقيق للغاية؛ فهو يبدأ كشاب متمرد نرجسى يهرب من مسؤولية الأسرة والتزاماتها ويتجه نحو مجون مؤقت ورحلة انفلات وتحرر فى «كانكون» بالمكسيك، قبل أن تُباغته أزمة زوجته الصحية ولحظة ولادة ابنه «همام» لتحدث زلزالا نفسيا يغير بوصلته بالكامل ويصنع نضوجه الإنسانى الحقيقى والمسؤول. وفى المقابل، تجسد الرواية أزمة الموروث الشرقى وعقدة السيطرة والنزق والشطح الذكورى، والتى تجلت فى نوبة غضب تدفع فيها زوجته «عفاف» من سلامتها لتصاب بجروح فى وجهها؛ وهى اللحظة الحساسة التى يتداخل فيها التاريخ الموروث والانفعال العصبى مع صرامة القانون الغربى الذى يتصدى للعنف الأسرى بكل حزم ودون مجاملة، لتقف الزوجة نفسها بكل نبل مدافعة عن إنسانيته وشجاعته أمام القاضى لتشرح طبيعة الحادث المأساوى وتصر على إنقاذ حبيبها وشريك عمرها.
ولا تكتفى الرواية بالغوص النفسى والتحليل الذاتى، لكنها تتجاوزه بجرأة لنقد كواليس العمل الصحفى والسياسى والدخول إلى تفاصيله والإبحار فيها؛ فعبر تجربة وديع الميدانية والمهنية فى قناة ليبرال الشرق الأوسط، يكشف الكاتب زيف الحياد الإعلامى والشعارات البراقة التى ترفعها المحطات الدولية والموجهة ضد شعوب العالم الثالث، موضحا كيف تُصنع الحقائق وتُصاغ النشرات وفق أجندات مادية وسياسية تسعى لحصد النسبة الأكبر من المشاهدين والأرباح دون التفات حقيقى للحقيقة المجردة والآلام الإنسانية. وتصل الدراما إلى أوج ذروتها السردية عندما يخوض البطل مواجهة تلفزيونية مباشرة ونارية فى بغداد مع كبار مسؤولى الدولة، يكشف فيها بالوثائق والمستندات الحصرية صفقات أجهزة كشف المتفجرات الفاسدة والمتاجرة بآلام الناس وعذاباتهم، فيدفع ثمنها مطاردةً حادة وإهدارا صريحا لدمه من قبل المليشيات والسلطة فبدت الرواية وكأنها تستشرف ما حدث بالفعل بعد زمن كتابتها.
كما تعتمد الرواية كذلك على ثنائية رمزية مكثفة وعميقة تثرى النص وتمنحه أبعادا فلسفية وجمالية فائقة؛ فالرمزية الأولى تكمن فى «العاقول»، ذلك النبات الشوكى الصبور الذى ينمو فى التربة الساخنة الجافة متغذيا على الصبر، والذى يتماهى بشكل كامل مع إصرار المواطن العراقى والمطحونين على البقاء أحياء وسط حرائق الحروب والنزاعات والتهميش ويقتاتون الصبر أملا فى الغد. أما الرمزية الثانية المتضادة فتتجلى فى الحضرة الصوفية التى يلتجئ إليها البطل فرارا من بطش الميليشيات والسلطة عقب الحلقة الفاضحة؛ حيث ترسم الرواية تباينا حادا وشديد النصاعة بين عالم السياسة والإعلام الملطخ بالدم والنفاق والمصالح المادية الضيقة، وبين عالم التصوف الصامت والزهد الملىء بالمحبة والسلام والإخاء الإنسانى التجردى.
تُعد رواية «وحده من يقلع العاقول» إضافة أدبية ثرية ومهمة للأدب العربى المعاصر؛ إذ نجح عمر سعيد بتفوق فى توظيف الخبرة الصحفية الميدانية والتقنيات الروائية الحديثة لتقديم نص متماسك وعميق يعبر عن صدمة الاغتراب وحقائق الشرق والغرائز الإنسانية الباحثة عن النجاة والسلام، معلنا فى نهايتها أن الحقيقة – على الرغم من قسوة شوك العاقول ومرارة الطريق والتضحيات الجسيم – تظل هى الشىء الوحيد الذى يستحق أن يُحكى ويُخوض البشر من أجله النضال الإنسانى.
(محمد رضوان، صحيفة “المصري اليوم”، الأربعاء 05-08-2026)


