الذكاء الاصطناعي يكتب ما يعلّمه الشاعر أن يقوله

الذكاء الاصطناعي يكتب ما يعلّمه الشاعر أن يقوله


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    حاوره: منذر اللالا

    يشكّل ديوان «خوارزمية الروح»، للشاعر والباحث الدكتور حسام اللحّام، تجربة لافتة في المشهد الشعري العربي؛ إذ يطرح أسئلة جديدة حول حدود الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي، والعلاقة بين الإنسان والآلة، وبين الخيال والخوارزمية. فلا يقف الديوان عند حدود توظيف التقنية في الكتابة، بل يحاول استكشاف إمكاناتها بوصفها وسيطًا إبداعيًا يخضع للرؤية الإنسانية ولا يحلّ محلها.

    وفي هذا الحوار، يقدّم اللحّام قراءة معمّقة لتجربته، موضحًا مفهوم «الشعر الآنسي» الذي يجمع بين الإبداع البشري والتوليد الآلي، ومفسّرًا سبب اختياره وصف «المهندس الجمالي» لدوره في صناعة النص. كما يناقش إشكاليات المؤلف في عصر الذكاء الاصطناعي، وحدود الوعي الذي يمكن للآلة أن تبلغه، والفارق بين إنتاج اللغة وإنتاج الشعر، مؤكدًا أن القيمة الجمالية للنص تظل ثمرة الرؤية الإنسانية، وأن الذكاء الاصطناعي، مهما تطورت قدراته، يبقى أداة في يد الشاعر لا بديلًا عنه.

    ضمن أي تصنيف يندرج ديوان «خوارزمية الروح»؟ أهو شعر إنساني أم آلي؟

    – إذا كان المقصود تصنيف العمل وفق طريقة إنتاجه، فأراه ينتمي إلى ما يمكن تسميته «الشعر الآنسي»؛ أي الإنساني/الآلي. فالإنسان، بوصفه الشاعر، هو المحرك الأول الذي رسم الطريق، وقاد عملية البناء الشعري خطوةً خطوة، مستفيدًا من التوليد الآلي الأولي، ومن استجابة الآلة للتوجيه والتعديل. ولولا هذا التآزر بين الطرفين، كلٌّ وفق إمكاناته، لما خرج الديوان بصورته الحالية.

    أما إذا كان التصنيف قائمًا على القيمة الجمالية للنص، بصرف النظر عن طريقة إنتاجه، فهو شعر إنساني مكتمل الرؤية والموقف.

    إذا كان العمل «آنسيًا»، فما دورك فيه؟ وبأي وصف تعرّف نفسك؟

    – يمكن إطلاق تسميات عدة، منها ما اقترحه الناقد الدكتور ناصر شبانة، مثل: «الشاعر الظل»، و»المشغّل»، و»المدير». وكلها تصف جانبًا من الدور الذي قمت به، إذ لا يستطيع غير الشاعر بناء نصوص مكتظة بالدلالات والإيحاءات، وهو الذي يختار المفردات، ويصوغ التراكيب، ويشكّل الصور والإيقاعات، موجّهًا إمكانات الآلة. ومع ذلك، أميل إلى تسمية أراها أكثر دقة، هي «المهندس الجمالي»؛ لأنها تحيل إلى ذات تصمم البناء الفني، وتدير تقنيات الاختيار والتأليف وصناعة التوازنات.

    كيف توفق بين حضور مفهوم «موت المؤلف» في مقدمة الديوان، وعودة المؤلف بوصفه صاحب الرؤية والموجه الأسلوبي؟

    – هذا المفهوم طرحه الناقد الدكتور ناصر شبانة في مقدمته للديوان، انطلاقًا من إيمانه بأن النص وحده هو مجال عمل الناقد، وأن المؤلف لا ينبغي أن يكون حاضرًا في القراءة النقدية.

    وقد بدا هذا المفهوم أكثر حضورًا بسبب الطبيعة الهجينة للديوان، التي تجعل السؤال عن المؤلف مفتوحًا: أهو الإنسان أم الآلة؟ أما في النقد، فالأمر لا يختلف كثيرًا؛ فالناقد يقرأ نصًا للمتنبي أو لمحمود درويش أو لشاعر معاصر بالمنهج نفسه، دون أن تكون شخصية المؤلف جزءًا من عملية التحليل.

    كيف استطعت الارتقاء باللغة المولدة رقميًا إلى نص شعري متماسك وذي هوية؟

    – لم يكن ذلك عسيرًا، لأنني انطلقت من خبرة تراكمت عبر سنوات من البحث الأكاديمي والقراءة والكتابة. كانت العناصر الشعرية حاضرة في ذاكرتي، وكنت أسعى في كل نص إلى بلوغ أعلى درجات التحقق الشعري.

    في قصيدة «نشيد الكينونة» يظهر الإنسان بين الطين والنور، وبين النقص والحنين. كيف وجهت الذكاء الاصطناعي إلى هذه الجدلية؟

    – البناء الشعري يتأسس على ائتلاف عناصر الشعر، وفي مقدمتها الصورة والإيقاع، ومن خلالهما يتشكل الموقف من الوجود. وهذا ما سعيت إليه في جميع النصوص.

    وفي «نشيد الكينونة» ينشغل النص بأصل الإنسان ووجوده من منظور إيماني، يجمع بين سماويته وترابيته، ويضعه أمام صورته الأولى: كائنًا ناقصًا، متسائلًا، يبحث عن ذاته، في لغة تعتمد التقابل، والاستعارة، والرمز، والتكرار، والتوازن الصوتي، بعيدًا عن المباشرة.

    في قصيدة «كتاب الأرض المنسية» تحضر رموز مثل ابن العلقمي ويهوذا وسالومي. هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج وعي قومي؟

    – لا. فالذكاء الاصطناعي ليس ذاتًا واعية، بل برنامج يُوجَّه ويُلقَّن. أما الوعي القومي الذي يظهر في القصيدة فهو وعي الشاعر، أو «المهندس الجمالي»، الذي صاغ الرؤية، ووجّه اللغة، واختار الرموز.

    هل ترى أن البناء الجمالي في الديوان تحرر من سجن الإيقاع التقليدي لصالح الشعرية الخالصة؟

    – السؤال يفترض أن الوزن الخليلي يمثل «سجنًا»، وهذه رؤية لا أتبناها. فقصيدة النثر تطور طبيعي في الشعر العربي، لكنها لا تتفوق على الشعر الموزون بمجرد اختلاف الشكل.

    المعيار الحقيقي هو مقدار الشعرية التي يحققها النص، لا شكله الفني. وقد اخترت قصيدة النثر لأن الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، يتيح فيها إمكانات شعرية أوسع مما يتيحه في الشعر الموزون، بعدما جربت طويلًا إنتاج نصوص موزونة ولم أجد نتائج ترقى إلى مستوى الشعر العربي الرفيع.

    أما في قصيدة النثر، فإن الشعرية تتحقق بقدر كفاءة «المهندس الجمالي» في الاختيار والتأليف، وبقدر صبره على استثمار الإمكانات التي تتيحها الآلة.

    أين تكمن البصمة الإنسانية: في النص المولد آليًا أم في التعديل الأخير؟

    – تكمن في جميع مراحل التعديل، لكنها تبلغ ذروتها في الصياغة النهائية.

    فالآلة تنتج مسودة أولى تكون، في الغالب، باردة وجافة، ولا تصلح لأن تكون قصيدة مكتملة. أما الخبرة الجمالية فتعمل على تطويرها عبر نسخ متعددة، قد تصل إلى عشر أو خمس وعشرين نسخة، حتى يبلغ النص صورته المنشودة.

    ولهذا فإن كتابة قصيدة النثر بالذكاء الاصطناعي تقوم على شرطين متلازمين: القدرة على التوجيه والاختيار، ثم الصبر الطويل. وقد يتوقف الشاعر عند نسخة يعلم أن بالإمكان تجاوزها، لكن التعب والإرهاق يفرضان أحيانًا لحظة الاكتفاء.

    أنحن أمام أنسنة الآلة أم رقمنة الروح؟

    – نحن أمام سؤال ثقافي ومعرفي أكبر: كيف نجعل الآلة في خدمة الإنسان، لا قوة تستدرجه إلى التبلد والارتهان؟

    فالواقع الرقمي لم يعد خيارًا يمكن تجاهله، بل حقيقة تفرض نفسها. والتحدي اليوم ليس في رفض التقنية، وإنما في توظيفها وتطويعها، بحيث تظل خاضعة لوعي الإنسان ورؤيته، لا العكس.

    (الأستاذ منذر اللالا في حوار مع الدكتور حسام اللحام حول “خوارزمية الروح”، صحيفة الدستور، 30/6/2026).