“جدل الذات والموضوع” للدكتور محمد عبيدالله… قراءات في مسيرة القصة القصيرة الأردنية

“جدل الذات والموضوع” للدكتور محمد عبيدالله… قراءات في مسيرة القصة القصيرة الأردنية


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    يعد كتاب “جدل الذات والموضوع” للباحث والناقد الأردني د.محمد عبيد الله مرجعاً أساسياً للباحثين والدارسين في هذا الميدان.

    ويمثل الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن، دليلاً تاريخياً وجمالياً على مسيرة القصة الأردنية، ويؤكد قيمتها في المشهد الأدبي العربي، ويتيح للقارئ فرصة التعرف على هذا الفن الأدبي في أبعاده المختلفة بدءاً من جذوره التراثية ومروراً بتجاربه الحديثة ووصولاً إلى تأثيره في الثقافة الأدبية الأردنية والعربية المعاصرة.

    يقع الكتاب في زهاء 400 صفحة، ويكشف عن متابعة مؤلفه العميقة لمسيرة القصة القصيرة الأردنية على مدار عقود، ويأتي بعد سنوات من الاهتمام بالنصوص الأردنية وتطوراتها، ليكون إضافة مهمة لتأريخ هذا الجنس الأدبي ومراجعة ومراحله التاريخية والفنية، بما يتيح للقارئ والمتخصص على حد سواء رؤية شاملة لتطور القصة القصيرة الأردنية.

    قسّم عبيد الله كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة، كل منها يعكس منظوراً مختلفاً لفهم القصة الأردنية، والارتقاء بالبحث النقدي حولها، إذ جاء القسم الأول بعنوان “قضايا التجنيس، المرجع، المكان”، وضم مجموعة من البحوث والمقالات النقدية الشاملة التي تتناول القضايا الأساسية في النقد القصصي، من مثل إعادة النظر في تعريف القصة القصيرة وحدودها وتاريخها، مع تقديم تحليل معمّق لموقع التراث العربي في نشأة القصة القصيرة المعاصرة.

    ويركز هذا القسم على استعراض جذور القصة العربية بعيداً عن الانطباعات الشائعة التي تشير إلى أن العرب استعاروا فن القصة من الغرب، فالدكتور عبيد الله يؤكد هنا أن القصة فن عالمي، لا يختص بشمال أو جنوب، وأن للأدب العربي إسهامات رصينة فيه عبر العصور القديمة والمعاصرة، وفي الوقت نفسه، يعترف بالتأثر الغربي، ويشير إلى أن التفاعل بين التراث العربي والحركة الثقافية الغربية أسهم في صياغة نوع سردي متفرد يمتزج فيه التراث بالمعاصرة، ويستطيع التعبير عن قضايا الإنسان العربي وتطلعاته في العصر الحديث.

    إلى جانب ذلك يتناول الباحث في هذا القسم أيضاً أنواع القصة الفرعية التي ظهرت في التجربة الأردنية، ما يعكس اتساع هذا الجنس الأدبي وانفتاحه على التجريب، إضافة إلى تقديم “معالم القصة القصيرة الأردنية” في صورة بانورامية تاريخية، تمتد من بدايات القصة الأردنية خلال عشرينيات القرن المنصرم، مروراً بتطورها عبر عقود متتابعة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة.

    ويولي عبيدالله اهتماماً خاصاً لمسألة المكان في القصة الأردنية، مستعرضاً تحولات مدينة عمّان كما جسدتها نصوص القصة المختلفة، من قرية بسيطة في مطلع العشرينيات إلى مدينة عصرية مزدهرة.

    وحمل القسم الثاني عنوان “قراءات في تجارب مختارة: رواد القصة قبل التسعينيات”، وركز فيه الناقد على قراءة تجارب رائدة في الكتابة القصصية، بدءاً من جيل الرواد الأوائل مثل يعقوب العودات (البدوي الملثم) وحسني فريز، وصولاً إلى تجارب الجيل الثاني من منتصف القرن العشرين الذين ساهموا في نشر القصة القصيرة عبر الصحافة الأدبية والمجلات الثقافية، وعكسوا تطورات الواقع وحياة المجتمع الأردني عبر نصوصهم ومن أبرز الأسماء التي تناولها عبيد الله: فخري قعوار، وجمال أبو حمدان، وصالح أبو أصبع، وعدي مدانات، ويوسف ضمرة، وسعود قبيلات، حيث قدم تحليلات نقدية دقيقة لنصوصهم وأسلوبهم الفني، مع إبراز أثرهم في تكوين التجربة القصصية الأردنية.

    أما القسم الثالث فكان عنوانه “شعرية السـرد ومبدأ التذويت: قراءات في قصص جيل التسعينيات والألفية الثالثة”، وألقى الضوء على الأجيال الحديثة من كتّاب القصة الأردنية منذ بداية تسعينيات القرن العشرين وحتى اليوم، وهي مرحلة وصفها د.عبيد الله بأنها حيوية ومهمة، لأنها شهدت ولادة جديدة للقصة القصيرة وتجدد اهتمام القراء بها، وكما يوضح الكاتب فقد عايش هذه المرحلة منذ بداياتها، وتابع أبرز الكتاب منذ كتاباتهم الأولى في الصحف والمجلات قبل جمع نصوصهم في مجموعات، ما مكنه من تقديم قراءة معمّقة ومقاربة دقيقة لتطور هذه المرحلة الهامة.

    ويشير الباحث إلى أن القصة القصيرة الأردنية لم تفقد مكانتها الأدبية، بل ما زالت تحتفظ بجاذبية كبيرة للكتاب والقراء على حد سواء، وتواكب طبيعة العصر الراهن من حيث السرعة والتجزئة في الحياة اليومية، مستفيدة من إمكانات الصحافة الحديثة، واللغة السردية المحررة، فضلاً عن وسائل الاتصال الحديثة وشبكة الإنترنت التي أعطت للقصة فرصاً جديدة للتطور والتجريب.

    ويخلص الكتاب إلى أن القصة الأردنية تمثل فرعاً متميزاً من القصة العربية، فهي لم تتأخر عن بدايات القصة العربية المعاصرة، وواكبت تطوراتها وتنوع مدارسها وأساليبها طوال القرن العشرين، وما زالت تسهم في رسم ملامح القصة العربية المعاصرة، مقدمة اقتراحات جمالية متعددة يمكن للنقد الأدبي تقييمها في ضوء درجات الابتداع والاتّباع، وقدرتها على الصمود والتأثير في الواقع الثقافي.