حين يتحوّل الاسم إلى قَدَر: في رواية “أنا لستُ يحيى السنوار” لسماح خليفة

حين يتحوّل الاسم إلى قَدَر: في رواية “أنا لستُ يحيى السنوار” لسماح خليفة


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    د. إحسان الزبيدي

     

    ثمة عناوين تُختصَر فيها الرواية بأكملها قبل أن يُقرأ منها سطرٌ واحد، وعنوان رواية سماح خليفة “أنا لستُ يحيى السنوار” الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون”، يُعد واحد من هذه العناوين النادرة؛ فهو جملة نفيٍ ودفاعٍ في آنٍ واحد، صادرة عن شخصٍ يُضطَرّ، في بلدٍ محتلّ، إلى أن يُثبت أنه ليس شخصًا آخر يحمل اسمه. وحين ننهي الرواية، بعد ما يقارب ثلاثمئة وستين صفحة، نكتشف أنّ هذا النفي لم يكن سوى مصيدةٍ سردية محكمة: كلّما ألحّ البطل على أنّه ليس يحيى السنوار، اقترب أكثر، في عيون جلاّديه وربما في أعماق نفسه، من أن يصيره.

    هذه المفارقة – الاسم الذي يتحوّل إلى تهمة، والتهمة التي تتحوّل إلى قَدَر – هي المحرّك الفعلي لرواية سماح خليفة، أكثر من أنّها رواية عن (حرب غزة) بالمعنى المباشر للكلمة، وإن كانت الحرب هي مادتها الخام ووقودها اليوميّ من الصفحة الأولى إلى الأخيرة.

    بنيةٌ من صوتين لا يلتقيان

    تُبنى الرواية على تناوبٍ صارم بين راويين بضمير المتكلم: آية، الشابة الغزّية التي نلتقيها للمرة الأولى واقفة على أمتارٍ من معبر رفح، تنتظر عبورًا إلى حياةٍ موعودة؛ ويحيى، الصحفي الفلسطيني في الضفة الغربية، رئيس تحرير صحيفة “النورس”، الذي يحبّ آية عبر الهاتف والشاشة دون أن يلتقيا جسديًّا مرة واحدة طوال النص. بين الفصل والفصل، تتوزّع الرواية جغرافيًّا وسياسيًّا: غزةُ آية مساحة إبادة وتهجير ونزوح متكرر نحو الجنوب، وضفةُ يحيى مساحة اعتقالٍ وتحقيقٍ وترقّبٍ دائم لدهم الجيش. وما بين الجغرافيتين يقف “معبرٌ” لا يُعبَر إلا افتراضيًّا: عبر الاتصال، والرسائل، والحلم.

    هذا الخيار البنيوي -صوتان متوازيان لا يلتقيان جسديًّا حتى آخر سطر- هو أذكى ما في الرواية على المستوى التقني؛ فهو لا يوازي فحسب بين مأساتين فلسطينيتين (إبادة في الجنوب، واعتقالٌ وتعذيبٌ في الشمال)، بل يحوّل غيابَ اللقاء نفسه إلى بيانٍ سياسي: أن الاحتلال لا يقتل فقط، بل يمنع حتى إمكان أن يلتقي فلسطينيٌّ بفلسطينيّ، عاشقٌ بمعشوقته، فوق جغرافيا وطنه المجزّأ. الحبّ هنا ليس استراحةً من الحرب، بل هو الحرب ذاتها مرئيّة من زاوية أخرى: استحالة اللقاء بوصفها الشكل الأكثر حميميةً للاحتلال.

    لعنة الاسم: حين يصبح التحقيق مسرحًا للهوية

    يبلغ هذا المنطق ذروته في مشاهد التحقيق التي تُغلق بها الرواية، وهي من أقوى ما كُتب فيها. فحين يُعتقل يحيى بعد “طوفان الأقصى”، يتحوّل التحقيق إلى محاكمةٍ لاسمه لا لفعله: “من سمّاك يحيى؟” يسأله المحقق، ثم يُصرّ على معادلةٍ لا تقبل الجدل: كل يحيى هو، بالضرورة، ظلٌّ ليحيى السنوار. حين يحاول البطل الاحتجاج بمنطقٍ إحصائي بسيط – “لو أن كل فلسطيني اسمه يحيى متهم بعلاقة مع السنوار، إذن ستعتقلون نصف سكان الضفة” – يصطدم بمنطقٍ آخر لا يقبل الإحصاء: منطق الاشتباه الجماعي الذي لا يحتاج دليلًا لأنه لا يبحث عن الحقيقة أصلًا، بل عن الاعتراف.

    وهنا تكمن جرأة (سماح خليفة) الفنية: فهي لا تجعل بطلها يتماهى مع الأسطورة المفروضة عليه بسذاجة تصالحيّة، ولا يرفضها برفضٍ ساذج مقابل، بل تتركه في منطقة رمادية أشدّ إيلامًا؛ ذلك حين يتمنّى، تحت التعذيب، لو كان فعلًا يستحق هذا العقاب، لو كان فعلًا “سِنَوارًا ينجب آلاف الأبطال”، لأن استحقاق العذاب أهون من عبثيّته. وتُغلَق الرواية بجملة المحقق الأخيرة وهو يضحك بهستيريا فوق جسدٍ منهار: “والله إنك سنوار!” –جملة لا تُقرأ بوصفها انتصارًا للمحقق، بل بوصفها اعترافًا ضمنيًّا من الرواية بأن آلة القمع نفسها هي التي تصنع، بلا وعي، الرمز الذي تدّعي محاربته؛ فكلّما ضاعفت العنف، أنتجت مزيدًا من “السنوارات”.

    الجسد الشاهد: بين الوثيقة والتخييل

    ما يميّز أسلوب (سماح خليفة)، وما قد يُختلَف حوله نقديًّا في آنٍ واحد، هو إصرارها على تسريب الوثيقة داخل التخييل بلا مواربة: اقتباسات حرفية معزوّة لمذيعة إسرائيلية تصف جنود الاحتلال في الضفة بـ”الوحوش”، واعترافُ ضابطٍ إسرائيلي مذكور بالاسم حول قصف منازل مأهولة، وذِكرٌ تاريخيّ دقيق لعملية “نفق الحرية” وأسماء منفّذيها الستة عام 2021، وسيرة يحيى السنوار الحقيقية موضوعة كعتبة استهلالية قبل النص الروائي نفسه. هذا التوظيف الكثيف للوثيقة يضع الرواية في قلب ما بات يُعرف بـ”أدب الشهادة”، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين التخييل والتقرير الصحفي عمدًا، بوصف ذلك موقفًا جماليًّا- أخلاقيًّا لا خللًا فنيًّا: حين يكون الواقع بهذه الفظاعة، يصبح اختلاق التفاصيل تخفيفًا غير أمين لها.

    لكن هذا الخيار نفسه يحمل مخاطره. ففي بعض مشاهد التحقيق، يتحوّل الحوار بين يحيى ومحقّقه إلى شبه محاضرةٍ متبادلة في التاريخ والقانون الدولي (تعريف “معاداة السامية”، أصل المصطلح عند شتاينشنايدر، الفرق بين “الصراع” و”الاحتلال”)، بمستوى من التماسك الحجاجي والهدوء الفكري يصعب تصديقه من شخصٍ يُضرَب ويُهان في تلك اللحظة بالذات. هنا تتغلّب إرادة “التبيين” السياسي والتاريخي على منطق المشهد الدرامي؛ يتحوّل يحيى، للحظات، من شخصيةٍ روائية تتألم إلى ناطقٍ باسم أطروحة، والمحقق من جلادٍ نفسيّ معقّد إلى دميةٍ وظيفتها الوحيدة استدراج الردود. وهذا مأزقٌ نموذجي لكل أدبٍ يُكتب في قلب الحدث الذي يصفه لا بعد اكتمال مسافته الزمنية: الحاجة المُلحّة إلى التوثيق والتفنيد تُغري أحيانًا بالتضحية بمنطق الشخصية لصالح منطق البيان.

    آية: الناجية بوصفها مؤرِّخة

    في المقابل، تبدو فصول آية أكثر تماسكًا دراميًّا، ربما لأن وظيفتها في البنية مختلفة: هي ليست في موقع الدفاع عن نفسها أمام سلطةٍ تستجوبها، بل في موقع من يروي لتُثبِت وجودَ من فقدتهم. جُملتها التأسيسية – “أنا الناجية الوحيدة من عيلتي” – التي تسمعها من امرأةٍ أخرى في مركز الإيواء، وتتبنّاها لاحقًا صوتًا لكل النساء اللواتي التقتهن، تكشف عن وعي الرواية بأن النجاة في زمن الإبادة ليست حظًّا فرديًّا بل مسؤولية سرد: من نجا مطالَبٌ، أخلاقيًّا، بأن يصير أرشيفًا للراحلين. ومن أجمل ما في هذه الفصول، تسريبُ العامية الغزّية الحيّة داخل الفصحى السردية – “إجا الطلق”، “الجوع كافر يا حبيبي”، “الموت مع الجماعة رحمة يا حبيبتي” – وهي لمساتٌ تمنح الوجع طابعًا شفويًّا ملموسًا، تنقذه من فخّ التجريد البلاغي الذي يهدّد فصولًا أخرى من الرواية.

    فقدان آية المتدرّج – الأخ إياد الذي يُعتقل ثم يغيب خبره تمامًا (وتتخيّل مصيره في أحد أعنف المقاطع: التعذيب، الاغتصاب، خلع الأظافر، سرقة الأعضاء)، الصديقة سلمى التي “ترحل جسدًا وتخلد روحًا” في طريق النزوح إلى رفح، خالدية الحامل التي تذوب جثتها وجثة جنينها بين الركام بلا أثر – يُبنى تصاعديًّا لا دفعة واحدة، بما يمنح القارئ مساحةً للتعايش مع الفقد بدل التبلّد أمامه، وهي ميزة أسلوبية تفتقدها أحيانًا فصول يحيى حين تتكدّس فيها الاستعارات (الوحش المفترس، الغول، ميدوسا، الأخطبوط) في فقراتٍ متلاحقة قد تُنهك أكثر ممَّا تُوجِع.

    نهايةٌ ترفض الإغلاق

    تختار الرواية أن تنتهي لا بموتٍ معلَن ولا بنجاةٍ مؤكدة، بل بمقطعٍ تأمّلي شبه مستقلٍّ عن صوتَي الراويين، يقترح أن “كل نهاية ليست إلا شكلًا من أشكال البدايات”، وأن الزمن “يلتفّ في دوائر” لا في خطٍّ مستقيم. هذا الرفض المتعمَّد للإغلاق قرارٌ فنيّ شجاع في زمنٍ يميل فيه أدب الحروب إمَّا إلى مأساويةٍ قاطعة (الموت اليقين) أو إلى بطولةٍ استهلاكية (النجاة المضمونة)؛ فسماح خليفة تترك مصير يحيى، وربما مصير آية عند المعبر، معلَّقين عمدًا، لا عجزًا عن الحسم بل لأن التعليق نفسه هو الحالة الفلسطينية الراهنة كما تراها الرواية: لا “بعد” واضح، بل استمرار الدائرة.

    ختامًا أقول: إن رواية “أنا لستُ يحيى السنوار” رواية تنتمي، بامتيازٍ، إلى ما يمكن تسميته أدب اللحظة الحارقة: نصٌّ كُتب من قلب الحدث لا بعد أن استقرّ غبارُه، فحمل ميزة الحدث ومأزقه معًا؛ ميزته في صدق الغضب وحرارة الشهادة وعمق التفاصيل المعيشة التي لا يمنحها إلا القرب الشديد من المأساة، ومأزقه في أن الاستعجال الأخلاقي للتوثيق يبتلع أحيانًا صبر البناء الدرامي، فتتحول بعض الحوارات إلى منابر، وبعض الاستعارات إلى ركامٍ بلاغي يُضعف بتكراره ما كان يمكن أن يبلغه بإيجازه.

    ومع ذلك، يبقى إنجاز الرواية الأهمّ كامنًا في فكرتها التأسيسية ذاتها: أنها حوّلت معضلة الاسم – ذلك التفصيل الذي يبدو عرَضيًّا – إلى مجازٍ شامل لمصير جماعيّ؛ فحين يُصبح كل (يحيى) مشتبهًا به لمجرّد اسمه، وحين تتحوّل محاولة إثبات الفرادة الشخصية “أنا لستُ” إلى دليل إدانةٍ لا إلى دفاع، تكون الرواية قد وضعت إصبعها على واحدةٍ من أعمق آليات الاحتلال: نزع الفردية عن الفلسطيني، وتحويله من إنسانٍ له اسمٌ خاص إلى نسخةٍ من عدوٍّ عام. وهذه، في نهاية المطاف، هي المعركة الحقيقية التي تخوضها الرواية: ليست معركة السلاح، بل معركة الاسم، أي معركة أن يظلّ للإنسان، وسط الإبادة والاعتقال معًا، حقُّ أن يكون هو نفسه لا غيره.

    (قراءة د. إحسان الزبيدي لرواية “أنا لست يحيى السنوار”، الاتحاد الثقافي العدد 106، أكتوبر/2026).