“شجرة الفهود.. تقاسيم الحياة” لسميحة خريس.. استعادة سمات المجتمع الأردني في مرحلة تأسيس الدولة

“شجرة الفهود.. تقاسيم الحياة” لسميحة خريس.. استعادة سمات المجتمع الأردني في مرحلة تأسيس الدولة


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    يسلّط الجزء الأول من رواية “شجرة الفهود” للروائية الأردنية سميحة خريس، والذي يحمل عنوان “تقاسيم الحياة”، الضوء على المجتمع الأردني في مرحلة مبكرة من مراحل تأسيس الدولة الأردنية، ويرصد طبيعة حياة الناس وعلاقاتهم البينية والتغيرات التي ألمّت بهم حتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين.

    تمور الرواية التي صدرت في طبعة جديدة عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن (2026) بأحداث اتخذت من مدينة إربد في شمال الأردن مسرحاً لها، مع امتدادات للحدث في عمّان والسلط ودمشق؛ وهو ما يؤشّر إلى الوشائج القوية التي ظهرت آثارها على المستويين الاجتماعي والسياسي في آن معاً.

    وتتمركز أحداث الرواية التي تقع في 512 صفحة، حول شخصية فهد الرشيد ووالدته فريدة، ثم العائلة الممتدة التي يؤسِّسها فهد بعد زواجه من أربع نساء، واتخاذه من قطعة أرض كبيرة تخذ شكل هضبة مقرّاً له ولسلالة “الفهود” التي حملت اسمه في حياته ومن بعده.

    تُظهر الرواية التي حمل غلافها الأول لوحة للفنانة الأردنية مرام علي، سمات الأسرة الأردنية الممتدة التي تجمع تحت سقف واحد الأجدادَ وأبناءهم وأحفادهم، وتُبرز صراع الضرائر، وعلاقات الإخوة في ما بينهم، وتسلط الضوء على معالم الحياة الفلاحية، ونمط عيشها وإنتاجها، وتفاعلات المجتمع والعائلات التي تجمعها صفات القربى والجوار.

    نقرأ في أحد المقاطع الاستهلالية للرواية: ” عاودت فهد الأحلام؛ هذه الأرض الجنة ستمتلئ بالفهود قريبًا، حين ابتاعها قالوا الولد مجنون، ماذا سيفعل بأرض صخرية جبلية؟ لكن فهد بنى فوقها حُجرَتين؛ واحدة من الحجر الأبيض وأخرى من الطين رافضًا مساعدة أيٍّ من أبناء عمه، مستكريًا أولاد الرعاة الذين أسهموا في البناء وشاركهم هو بيديه. حتى فريدة التي أشرفت على سير العمل ودقته حملت الطين في القفف وضربت بالفأس. كانت تشرف على العمل بنفسها وتحمَّلت سخرية ولدها إذ يداعبها”.

    وترصد الرواية أنواعاً كثيرة من التحولات، كتلك المتعلّقة بإقبال الأردنيين على التعليم منذ عهد مبكر، فتَظهر المدارس التي باتت مقصداً لطالبي العلم؛ كمدرسة السلط التي كانت تسمى في العهد العثماني “مدرسة التجهيز”، وتشير إلى ارتحالهم للدراسة في جامعات الدول العربية المجاورة. كما تُظهر تأثرهم -على مختلف مستوياتهم العلمية والاجتماعية- بالأحداث السياسية في المنطقة، وانخراطهم في أكثر من حزب وأيديولوجيا سياسية، وتقديمهم التضحيات في سبيل القضايا التي آمنوا بها.

    تصف الرواية تلك المرحلة بالقول: “لم يكن أولاد فهد الرشيد وحدهم يقصدون هذا الصرح المسمى «مدرسة التجهيز»، ففي جنباته اكتشفوا أن الخريطة أوسع وأرحب، وأن العالم يموج ببشر لا يعلمون عنهم إلا القليل. حظوا بأساتذة من دمشق وبغداد والقاهرة، لم تعد تلك البقاع تاريخا قديما بل واقعا قائما يقع قاب قوسين أو أدنى على مد البصر. كان هؤلاء الأساتذة الرُّحَّل يشعرون بالشفقة حيال الشباب الذين لم يعرفوا العالم بعد فيزيلون عن عيونهم الغشاوة؛ فكأنَّ المدرسة القابعة في أعلى جبال السلط نافذة حية على عالم أشبه بالخيال، مفتوحة على العالم”.

    وتشي الرواية بأسلوب الكاتبة في فترة التسعينيات، وهو أسلوب يشكّل مرحلة من مراحل خريس الإبداعية، ويمكن وصفه بـ”المتجدّد” والقادر على الانتقال من العوالم الواقعية التي تظهر في هذه الرواية، إلى عوالم مباينة في سياقاتها الاجتماعية والزمانية، وهذا ما يُلاحَظ عند مقارنة العمل بروايات خريس المتأخرة التي صدرت بعد هذه الرواية بعشرين أو ثلاثين عاماً.

    ولعل السمة الأبرز في لغة الرواية استخدام الكاتبة اللهجةَ العامية في معظم الحوارات، وقدرتها على أن تنهل من قاموسٍ غني بالمفردات التي يكاد معظمها يختفي من الاستعمالات اليومية لأجيال الألفية الجديدة.

    يُذكر أن سميحة خريس حصلت على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1978، عملت في مجال الصحافة الثقافية في الأردن والإمارات العربية المتحدة، صدر لها منذ العام 1976 ما يزيد على 25 عملاً إبداعياً ما بين الروايات والمجموعات القصصية والنصوص المسرحية وأدب المكان وأدب الرحلات، وقد فازت بمجموعة كبيرة من الجوائز من بينها: جائزة الدولة التشجيعية في الأردن (1997)، وجائزة أبو القاسم الشابي (2004)، وجائزة كتارا للرواية العربية (2017)، وتُرجمت أعمالها إلى لغات عدة من أهمها الإنجليزية والألمانية والإسبانية والفرنسية.