هاربة من ديزني… رحلة المهراس في الأواني المستطرقة

هاربة من ديزني… رحلة المهراس في الأواني المستطرقة


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

     جهاد الرنتيسي

    تقلّب الكاتبة الاردنية زينب السعود في روايتها “هاربة من ديزني” الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن (2026)، الأثر النفسي لازدواجية الهويّة، وتشعّباتها، وإمكانيات الوصول الى تصالح بين هويات متعددة.
    يُلازم بطلة الرواية كاي لين ـ المولودة لأبٍ أردنيّ وأمٍّ صينيّة ـ شعور النبذ لاختلاف اسمها وملامحها التي تأخذ في بعض الأحيان منحى اللغز الذي تحاول تفكيكه. ترفضها أمها لأنّها ترى فيها صورة أبيها، ترصد إيحاءات الرفض الذي تتعرض له في بلد الأب لاختلافها عن أهل المكان، وتأخذ تلك الإيحاءات بُعدًا مُركَّبًا عند انتقالها إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة.
    ظلت علاقة الأب والأم ملتبسة في ذهن كاي لين، تُراوح بين ما تصفهُ بمبالغة الأول في الحماس للآخر، حتى التورّط في نزوة موَّثقة بعد الزواج والاستيلاء على جهدٍ علميّ للوصول إلى الولايات المتّحدة، الأمر الذي ترك أثره على العلاقة بينهما.
    العقدة تَلِدُ أُخرى في رواية السعود، فقد تحولت ملامح الطفلة كاي لين الى عقبة تعترض الاندماج مع عودة الأب وابنته المرفوضة من أمها إلى عجلون، كان بحثها عن أدنى شبه مع والدها وعائلته أقرب إلى استجداء إثبات الهوية، تواجهه مطالب العم بفحص الـ “دي أن إيه” لإثبات النسب.
    تتساءل كاي لين في أحد المقاطع “أي صورة أنا، وأي غصن من أغصان تلك الشجرة القادمة من التاريخ، كيف أصفني في خلوة مع الورق” يقابل أسئِلتها تشبيهات العم بلحاء الشجرة، تقول في مقطعٍ آخر “قال إنَّ اسمي الصيني مثل لحاء شجرة الزيتون المهراس، منظره جميل، وملمسه جارح”.
    يصاحب تشبيه العم تعويم ناس المكان لملامح كاي لين، فهم يتَّكِئون على وَعْيهم السطحي بشعوب آسيا عند تحديدهم لهويتها، صينيّة لمن يعرف قصتها، كورية لمن يراها للوهلة الأولى، فيلبينية في بعض الأحيان، كما حدث عندما “أشار إليّ موظف السوق الحرّة وتساءل ببرود: هل ستحاسب على اغراض الفلبينية؟” تقول في أحد المقاطع، وتبحث عن سبب عدم اكتراث الأب بتصحيح المعلومة .
    لا يخلو الأمر من ازدواجية النظرة لازدواجية الهوية، تتحدث عنها بطلة الرواية باستغراب “هناك شيء تخفونه عني، من الغريب أنكم لا تستطيعون أن تروا فيّ إلا البنت الصينية، ومع ذلك يطالبني أبي وأنت وعمتي وجدتي وجدي والجميع أن أكون عربية الانتماء والتفكير والإيمان”، ولا تجد تفسيرًا.
    لإشكالية الهوية مظاهر وتجليات مختلفة في الولايات المتحدة، تستعرضها الروائية بتأن لتكشف عن آثار التمييز العرقي والأثني المبني على ملامح ابناء القوميات المتعددة التي تسكن في تلك البلاد، وتبقي قارئها في مواجهة الإيحاءات.
    حاولَت هناك تكوين نظرة واعية للانتماء، تتحدث عن بدايات علاقتها مع زميلتها أروى القادمة من الأهواز قائلة “اجتمع اسمي واسمها في بحث واحد عن أثر الانتماءات المتباينة في هوية الفرد”، لتنفتح نافذة جديدة للتأمل، ولم تكن بحاجة للبحث عن التباين وأثره، فقد كان واضحا، يمكن التقاطه بسهولة.
    وجد الأب ضرورة لتوضيح ما لم تدركه في أحد المواقف، قال لها إن “زملاؤك ذوو الشعر الاشقر أبناء هذه الجغرافيا سيعودون في النهاية إلى منازلهم وجامعاتهم حتى لو اقترفوا الأخطاء”، واقتيدوا إلى المراكز الأمنية.
    أطلّت ثنائية هوية المهاجرين من زاوية أخرى خلال احتجاز كاي لين بعد اتهامها بالمشاركة في تظاهرة، تعرفت في مكان احتجازها على “الهان” التي عرَّفت على نفسها بأنَّها “من الصومال، ولدتُ في مدينة أوهايو، والدتي من البوسنة هربت مع عائلتها في ذروة تعاطف العالم المتحضر مع مجازر الصرب”، لتسقط أسطورة الهرب من الفقر والحرب إلى الحلم الأمريكي الأقرب إلى طبقة هشة من الجليد.
    ظهرت الدولة الحلم بوليسية بجدارة في بعض أجزاء الرواية “قبل عامين أيضًا ألقت الشرطة القبض على مجموعة في محيط جامعة كولومبيا، وقفت معهم بدافع الفضول والكثير من عدم المبالاة التي أرغمتني الحياة لاحقًا على التخلص منها، جاريت هتافاتهم وحملت لافتة من اللافتات الصغيرة التي يوزعونها، بعضها حمل عبارات منددة باستثمارات الجامعة في شركات تصنيع الأسلحة، وبعضها يطالب بوقف دعم أبحاث الطاقة غير النظيفة”، وانتهت التظاهرة بسماع ألوان من السباب والشتائم التي تدافعت من فم الشرطي، خاصة بعد فشله في إجبار الشبان على الكلام.
    للإجراءات البوليسية في دولة الحلم دوافعها المختلفة التي تطل برأسها في الرواية بين الحين والآخر، ولا تخلو هذه الدوافع من تأثيرات الاستشراق والمركزية الغربية، مشاهدات كاي لين والشهادات التي استمعت إليها تفيد بأنّها تستهدف لون البشرة في معظم الأحيان.
    كانت ردود الفعل على الهجمات التي استهدفت بُرجي التجارة كاشفة لنزعات متأصلة “لا فائدة من المظاهرات، هذه بقايا تركة قانون باتريوت”، وعلى الرغم من أنّ الحكومات تغيّرت والأوضاع هدأت “ما زالوا مغرمين بتوسيع قائمة الرفض والترحيل للمهاجرين وقانون الأمن الداخلي”، كما جاء على لسان الصومالية الهان.
    فساد الجهاز الأمني في الملاذ الحلم جزء من المنظومة، تقول كاي لين عن الشرطي “أمسكت الهان بيدي، ونصحتني بعدم التحدث معه، أو الانجرار معه إلى أي حوار، فهو أسلوب للابتزاز، ليستثير غضبي، ويستغل أي كلمة مني أو سلوك بالمقاومة لتقديم شكوى شخصية” طمعا في المال.
    يتماهى منطق الممارسات التي تحدث في الملاذ الأمريكي مع أخرى تجري في مناطق الحروب العرقية والإثنية، حيث يأخذ العنف العرقي إشكالًا أكثر فجاجة، تقول كاي لين عن الهان “حركت نبرة التهكم في حديثها فضولي، فسألتها عن قصدها بحملات التطهير، تنهدت وأشاحت بنظرها نحو الكوة الصغيرة المعتمة في أعلى الجدار وقالت: ألم تسمعي عن التغيير الديموغرافي بالقوة؟ التخلص من السكان الأصليين؟ إبادة أهل الأرض هي الطريقة الوحيدة لإنشاء أرض صربية نقية، أحيانًا يتحول الإنسان إلى جزء من شوائب أو عوالق طحلبية، يحدث هذا في العالم من حولنا كثيرًا، ألا تعرفين، ألم تسمعي عن الهنود الحمر”، وتشير إلى السخرية اللاذعة التي اتسم بها الحديث.
    يعتري الملاذ الحلم شيئًا من اللبس مع حديث الهان، ففي أساساته نماذج تطهير عرقي يظهر بعضها مع الإشارة الساخرة إلى الهنود الحمر، كما صارت تلك البلاد المستقبلة للمهاجرين الهاربين من مناطق النزاع منصة تطل على أبشع الجرائم التي تحدث في مناطق الحروب العرقية والإثنية.
    تنتهي بطلة الرواية إلى أنَّ أميركا بلد لا يعترف إلا بمن ينصهر على طريق الوصول، ولهذه الخلاصة تأثيرها على السلوك والنظرة إلى التاريخ الذي يتم تعليمه في المدارس “لم يعلق في قلبي شيء منه، أما عقلي فكان يخزن ما يعنيه للإجابة على أسئلة الامتحانات، ثم يتخفف منه سريعًا، شعرت دائمًا بأنَّ ما أعيشه وأراه وأحسه هو التاريخ الحقيقي، أما المروي في الكتب فهو تاريخ ما اقترفوه” تقول في أحد المقاطع.
    حاولت السعود إيصال رسالتها حول علاقة ملامح الإنسان بما يدور في داخله، من خلال رحلة بطلتها كاي لين بين ثنائيات الشرق، و الشرق والغرب، تكاد أن تصل الى تساوي التمييز العرقي المتكئ على الثقافات، لتسقط مبررات تمايز تسوقه هيمنة ما بعد الاستعمار على شعوب الكوكب، لكنها تجاهلت دور المركز الاستعماري في دحرجة بؤر التوتر وإشعال الحرائق.