«كي تتمكن من النجاة عليك أن تروي القصص». إمبرتو إيكو
تقوم نظرية «الأثر المفرد» التي أسس لها إدغار آلان بو وتوسع في شرحها هنري سيدني كانبي، في كتابه «القصة القصيرة في اللغة الإنكليزية»، على أن القصة القصيرة ينبغي أن تُبنى منذ جملتها الأولى باتجاه أثر نفسي أو فكري واحد، بحيث تتضافر جميع عناصرها من حدث، وشخصية، وزمان، ومكان، ولغة، ونهاية، لإحداث انطباع متماسك في وجدان القارئ. ولا يُقاس نجاح القصة بعدد أحداثها، أو تنوع شخصياتها، وإنما بقدرتها على ترك أثر يلاحق القارئ بعد انتهاء القراءة وإعادة تشكيل تجربته مع النص.
ومن يقرأ مجموعة «أهرب من ظلي» الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون”، يلحظ أن القاص موسى أبو رياش يكتب وفق هذا الوعي الفني العميق؛ فقصصه لا تبحث عن الإدهاش المجاني، ولا تراكم الوقائع أو الحبكة المعقدة، بل تنحت أثرها ببطء وثبات، حتى تبدو النهايات نتيجة منطقية لمسار نفسي ظل يتشكل منذ السطر الأول، ليغادر القارئ النص وهو يحمل إحساسا مكثفا أكثر مما يحمل حكاية.
ويتجلى هذا الخيار الجمالي منذ مفتتح المجموعة، حيث يتصدر النص تصدير بهاء طاهر: «الحقيقة أن هذه الحياة فخ نتخبط فيه منذ أن نولد.. والغلطة أننا نحاول الخروج من هذا الفخ «، فالقصص هنا لا تُروى من أجل الحكاية لكونها تسلية، بل بوصفها محاولة لفهم إنسان يجد نفسه محاصرا بعالم يزداد غموضا وهشاشة وقسوة، حتى يغدو الهروب من الواقع مستحيلًا، والهروب من الذات أكثر استحالة. وهذا الظل الذي يعنيه العنوان ليس، كما سيتضح، خصماً خارجياً يُطارَد ويُفَرّ منه، بل هو الذات نفسها في وجهها الآخر؛ ولذا فإن وحدة الأثر التي يبنيها أبو رياش في كل قصة ليست سوى الأداة الفنية التي تُجسّد، نصاً بعد نص، استحالة هذا الفرار.
وحين يغدو الهروب من الواقع مستحيلًا، تصبح العزلة الملجأ الأخير، وهو ما يتجلى بوضوح في قصة «مشوار»، حيث لا يحدث شيء استثنائي على المستوى الظاهري؛ رجل مسن يستعد للخروج الأسبوعي لشراء حاجاته اليومية. يستهل السرد بيانه اليومي: « هو موعده الأسبوعي المنتظم منذ سنوات، وقلما تأخر أو تخلّف عنه»، غير أن هذه البساطة التمهيدية تخفي بناء نفسيا شديد الإحكام ؛ فكل تفصيل من حلاقة الذقن بتمعن، وتهذيب الشارب، وتثبيت ربطة العنق، إلى عدّ درجات السلم الست والثلاثين، يسهم في بناء إحساس واحد متنام: الخوف من الخروج إلى العالم.
وعند خروجه يتذكر المدفأة الكهربائية في غرفة نومه ويعود على أعقابه يلهث ليتأكد من إطفائها، يبدأ بالتراجع النفسي عبر مراجعة قائمة المشتريات جازما: «الشاي المتبقي يكفيني أسبوعًا وأكثر.. الحمد لله لست بحاجة ماسة إلى أي شيء، فلا داعي للخروج هذا الأسبوع». وتنتهي القصة بعودته إلى عزلته المفضلة: «تنهد بارتياح، أرجع حذاءه إلى مكانه، وعاد إلى غرفة النوم يستبدل ملابسه، ويستريح من عناء مشوار لم يكتمل». وهنا تتضح الحيلة الفنية الأولى للمجموعة: فحين يستحيل الهروب من الظل الذي يلاحق الإنسان أينما ذهب، يصبح الانكفاء على الذات هو الهروب الوحيد الممكن، وإن كان هروبا إلى الداخل لا إلى الخارج.
يبني الكاتب في «معركة خاسرة» أثره من إعلان واحد يتكرر صداه حتى النهاية؛ حيث يروي البطل حياته بوصفها سلسلة متواصلة من الضربات والانتكاسات، يفتح الراوي النص بلا مقدمات: «معركتي مع الحياة خاسرة على الدوام، ولا أتذكر أنّي كسبت أي جولة ضدها، فقد كُتبت عليّ الهزيمة منذ الصغر.. فأنا مهزوم، مهزوم، مهزوم من المهد إلى اللحد!».
تتوالى المحطات الفاجعة بدءا من موت الأم بحمى النفاس فور ولادته، ثم يتمه المبكر بموت الأب بحادث سير وهو في سن الرابعة، وقسوة زوجة الأب، فالانتقال إلى دار الأيتام والتعرض للإيذاء والاستغلال، وصولا إلى عمله في المنجرة واستغلال المعلم له، ثم حريق المنجرة واستيقاظه في المستشفى مقيد اليدين ومتهما بالحرق والانتحار، لا تهدف هذه الأحداث إلى التوثيق التاريخي للشخصية، بل تتضافر لتوليد انطباع كلي بالانسداد؛ ليختتم النص بقول الراوي: «ولا رغبة لي بمواصلة العيش لأكون مجرد لوحة أهداف يتناوشني الجميع بسهامهم، أو مرمى من دون عوارض مُشْرَعا ومُتاحا ومشاعا للجميع!»، فالراوي هنا لا يهرب من ظله بقدر ما يكتشف أن هذا الظل – القدر الملاحق منذ المهد – هو نسخته الأخرى التي لا انفكاك عنها، وأن كل محاولة للفرار منه لا تنتهي إلا بمزيد من الالتحام به.
يستيقظ راوي «متاهة» على انطباع خادع: «صحوت كعصفور يحلق بسعادة.. كزهرة تفتحت وفاح عبيرها.. كطفل استفاق نظيفا شبعا بين والديه وإخوته!»، ليكتشف فجأة أنه في صحراء ممتدة بلا حدود ولا أثر لبشر أو حياة. وهنا تتخلى القصة عن الحدث الواقعي كليا لصالح فضاء رمزي مفتوح، تصنع منه وحدة أثرها، وتتكاثف تفاصيل القصة كلها حول إحساس واحد: الضياع؛ فالجهات تختلط عليه، والسير لا يفضي إلا إلى الدوران في حلقات متسعة ثم ضيقة، حتى يصرخ الراوي: «كنت أتجنب سجنا يقيد حركتي، ولكن، ما أفظع هذه الحرية المطلقة التي أكابدها!»، ليغرق النص والقارئ معه في أثر متماسك من التيه الذي ينتهي بالنوم العميق تحت سياط التعب، فالحرية المطلقة التي يكابدها الراوي ليست نقيض الظل، بل ظلٌ آخر بلا حدود؛ إذ يكتشف أن الهروب من سجن يقيّد الخطى قد أوقعه في تيهٍ يقيّد الروح، وكأن القصة تقول: لا فكاك من الظل إلا بالوقوع في ظل أوسع منه وأشد قسوة.
في قصة «مؤامرة» يحلم البطل منذ مدة بكتابة «قصة قصيرة غير مسبوقة شكلاً ومضمونا»، لكن هذا السعي الشديد نحو المثالية سرعان ما يتحول إلى عائق يكبّل الكاتب نفسه، فذلكة النقاد ورطانتهم تستقر في ذهنه: «أقوالهم حول الاستهلال اللافت والعقدة والحبكة، والتبئير، والنهاية المدهشة، والمفارقة، والتكثيف والإيجاز»، وكلما كتب صفحة أو محاولة، سارع إلى إتلافها وتظليلها وحذفها، حتى تعطلت لوحة المفاتيح وتوقف برنامج معالج النصوص. يُطفئ الجهاز غاضبا: « فحتى برنامج معالج النصوص يتآمر عليه وعلى إبداعه منقطع النظير، كما يتآمر مدعي الأدب والنقاد المتنمرين».
وتترك القصة أثرا مريرا يوضح كيف يتحول الهوس بالكمال النقدي إلى شلل إبداعي تام. وهنا يتخذ الظل قناعا جديدا: ظل الكمال المتخيَّل الذي يطارد المبدع، فكلما اقترب منه ازداد ابتعادا، حتى يتحول السعي إلى الإبداع نفسه إلى مطاردة عبثية أخرى لظلٍّ لا يُدرَك..
يتأمل راوي «ضيف على حاوية» التفاوت الطبقي الصارخ بين حيين يفرقهما شارع واحد: «وهل يستطيع شارع أن يجمع بين ضفتيه النقيضين؟ عالمين مختلفين؟ غنى فاحش وفقر مذل؟ بطر وحرمان؟ سماء وهاوية؟»، من هذه المفارقة المباشرة بين الترف والعدم يبني النص أثره الأخلاقي والإنساني. وتتدرج تساؤلاته لتعري مفهوم «الكرامة» في ظل العوز المفزع: «عفوا ماذا أقول؟ الكرامة؟ عن أي كرامة تتحدث يا هذا؟ وهل بقيت لك كرامة وأنت تعيش مشردا..»، لينتهي هذا المسار الضاغط بتكيّف حزين مع الواقع، وإعادة تعريف للبقاء، حين يقرر الراوي مواجهة جوعه من دون مكابرة: «قررت ابتداءً من هذه اللحظة أن أحل كل ليلة ضيفا على حاوية في الحي المجاور!»، فيبقى الأثر الانفعالي حادا، مبعثه المفارقة الاجتماعية القاسية واعتياد المأساة، وإن كانت القصص السابقة تهرب من ظلال نفسية أو وجودية، فإن هذا النص ينقل الظل إلى فضاء اجتماعي صريح: ظل الشارع الذي يفصل بين عالمين، والذي لا مفر من مواجهته حين يضيق العَوَز بكل بدائل الهروب.
إن المتأمل في مجموعة «أهرب من ظلي» يستنتج أن وحدة الأثر التي التزم بها أبو رياش لم تكن غاية فنية معزولة، بل أداة لتجسيد موضوعة واحدة تسكن النصوص جميعا: أن الظل الذي يُراد الهروب منه ليس خارج الإنسان، بل في داخله، وأن كل قصة من قصص المجموعة ليست إلا محاولة أخرى للفرار منه، تنتهي دائما إلى مواجهته لا إلى الإفلات منه، وإذا كان إدغار آلان بو قد رأى أن نجاح القصة القصيرة يُقاس بقدرتها على توليد أثر واحد متماسك، فإن قصص موسى أبو رياش تقدم مثالا واضحا على هذا التصور؛ إذ تتعدد حكاياتها، وتتباين شخصياتها وفضاءاتها، لكن أثرها النهائي يظل واحدا: استحالة الفرار من الذات. ومع ذلك، يبقى أبطال هذه القصص يكررون المحاولة رغم يقينهم المسبق بالهزيمة، وكأنهم يصدّقون ما قاله طاغور: « ما أكثر القيود التي تربط الإنسان بالدنيا، ولكن أعجبها جميعا قيد الأمل»، فبهذا القيد وحده تصير هزيمتهم المتكررة فعلا إنسانيا نبيلا لا استسلاما، ويمنح وحدة الأثر التي بناها أبو رياش بعدها الأعمق: أثرٌ لا يترك القارئ حزينا فحسب، بل يترك فيه أيضا هذا القيد بعينه، أملاً هشًّا يستمر معه حتى بعد إغلاق المجموعة.
(منذر اللالا، صحيفة “القدس العربي”، 6 أغسطس 2026).


