“الأقنعة”… رواية تتحدى القارئ للتفكير في نفسه ومجتمعه

“الأقنعة”… رواية تتحدى القارئ للتفكير في نفسه ومجتمعه


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    تدفعنا رواية “الأقنعة” للكاتب السعودي محمد بن سالم البلوي إلى التفكير في هويتنا الحقيقية ومواجهة الخوف الذي نختبئ وراءه.
    حيث يدعو الكاتب القرّاء إلى استكشاف أعماق النفس الإنسانية وهويتها المزدوجة من خلال عمله الأدبي الذي يقدم رؤية فلسفية وعلمية خيالية تجمع بين التاريخ والخيال المستقبلي.
    ترصد الرواية الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” رحلة القناع عبر الحضارات الإنسانية، منذ اكتشاف الإنسان لنفسه في النار، حيث ظهر الخوف وولِد القناع كأداة للحماية والخداع، مرورًا بمراحل التطور التاريخي والثقافي، وصولًا إلى عصر مستقبلي تتحكم فيه التكنولوجيا في الهوية الإنسانية.
    يستعرض البلوي تطور وظيفة القناع عبر الحضارات القديمة من سومر ومصر واليونان وروما إلى الشرق البعيد وفينيسيا، حيث استخدم في الطقوس الدينية، والمسرح، والهوية الاجتماعية، وحتى كأداة للحرية والتمرد. ومع ذلك، ظل القناع أداة مزدوجة: يخفي الإنسان ويكشفه في الوقت نفسه، ليصبح مرآته الكبرى.
    في بعد فلسفي، يقدم الكاتب فكرة أن الحقيقة الإنسانية لا تُدرك إلا من وراء قناع، وأن الإنسان يعيش بوجهين: وجه أمام الآخرين وآخر يخفي خوفه وقلقه الداخلي. يتحول القناع هنا من أداة مادية إلى مفهوم فلسفي يسكن الإنسان ويحدد سلوكه، حتى أن صاحب القناع في بعض الحالات ينسى أن هذا القناع ليس وجهه الحقيقي.
    تنتقل الرواية إلى الخيال المستقبلي، حيث تظهر مدينة “نيڤارا”، إحدى نتائج مشروع “العقل المركزي” الذي يسعى إلى توحيد البشر في وعي رقمي واحد، فتُمحى الهويات ويصبح القناع الضوئي واجهة مفروضة للجميع. لكن رجلًا واحدًا، سِيار، يحتفظ بذاكرة وجهه الحقيقي، ويبدأ رحلة كشف الحقيقة. في البداية، يكتشف سِيار مجلدًا محظورًا باسم “المرآة المحرّمة”، ويخضع لمراقبة صارمة من النظام، لكنه يصر على مواجهة الواقع وكشف الأسرار المخفية وراء الأقنعة.
    تسرد الرواية مغامرات سِيار خارج أسوار نيڤارا، حيث يلتقي بمجموعة من البشر بلا أقنعة، يُعرفون باسم العُراة، ويكتشف أرشيف الأقنعة، منشأة ضخمة تحتوي على وجوه البشر وذكرياتهم الحقيقية، ويكتشف أن حياته كلها كانت جزءًا من تجربة الجيل الأول التي لم يتمكن النظام من كسر إرادته فيها. يقوده فضوله ومعرفته بالماضي إلى مواجهة العقل المركزي، حيث يستخدم مفاتيح رمزية لتحرير وجوه الناس، فيبدأ سقوط النظام تدريجيًّا ويكشف الأسرار للمواطنين.
    مع سقوط الأقنعة المادية، تظهر تحديات جديدة: أقنعة نفسية واجتماعية، يقودها تنظيم يُعرف باسم “الطاهرون”، الذي يفرض قيمًا أخلاقية صارمة ويعيد المجتمع إلى قيود جديدة، لكن نور، ابن سِيار، ورفاقه يكتشفون أن الثورة لم تنتهِ، بل تغيّر شكلها، ويبدؤون رحلة مواجهة الأقنعة الداخلية لكشف الحقيقة الفردية والجماعية.
    تتّسم الرواية بأسلوب سردي مشوق يمزج بين التاريخ، الفلسفة، الخيال العلمي، والرواية الرمزية، وتطرح أسئلة عميقة حول الحرية والهوية والذات. كما أرفق الكاتب فصلًا جانبيًّا ساخرًا بعنوان “دليل الأقنعة للمدني العصري”، يقدم نصائح عملية وفكاهية حول الأقنعة الاجتماعية اليومية، من إدارة الانطباعات في الاجتماعات إلى مواجهة مشاعر الزيف والتظاهر، ليضيف بعدًا إنسانيًّا مرحًا إلى الرواية.
    في النهاية، يؤكد البلوي أن وراء كل قناع وجه ينتظر أن يُرى، وأن الحرية تبدأ من الداخل، وأن الثورة الحقيقية ليست فقط إسقاط الأنظمة أو إزالة القيود الخارجية، بل مواجهة المخاوف والقيود النفسية التي يضعها الإنسان على نفسه. رحلة “الأقنعة” إذًا ليست نهاية قصة، بل بداية رحلة اكتشاف الذات والبحث عن الحقيقة في عالم معقد بين الظاهر والمخفي.