الثنائيات التكاملية في رواية “أنا لست يحيى السنوار”

الثنائيات التكاملية في رواية “أنا لست يحيى السنوار”


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    مشعل العبادي

    عرَّف “غسَّان كنفاني” أدب الداخل بأنَّه:
    “الأدب المعبِّر عن الذات الواعية بهويتها، والمتطلعة إلى الحرية في مواجهة الآخر العدواني”، وأنَّه يضع الجماعة والأمَّة نصب عينيه، محافظًا على القيم العليا، وليس متطلعًا إلى التحرر الفردي.

    إنَّ الجيل الفلسطيني الذي هاجر بعد النكبة مباشرةً لم يختبر مشاعر العيش تحت وطأة الاحتلال بشكلٍ فعليٍّ؛ حيث كانت تجربته ترتكز على حياة المخيَّمات والنفي والاغتراب والحنين إلى الوطن، أو على المقاومة من الخارج، أو ما هو منقول له من تجارب فلسطينيِّي الداخل، إلا أنَّه في آخر الأمر لم يعش وجهًا لوجه مع محتلِّه، لم يجرِّب شعور أن يكون غريبًا ومحاصرًا ومطاردًا في وطنه؛ ولذا فتمييز الكاتب الفلسطيني “غسَّان كنفاني” لـ”أدب الداخل” عن أدب المنفى، أصبح منطقيًّا ومفهومًا حينها، ولكن بالوقت الحالي صار الوضع مختلفًا، فكثيرٌ من الكتَّاب الفلسطينيِّين المستقرِّين في دولٍ عربيةٍ أو أوروبيةٍ، قد انتقلوا إلى تلك البلاد بعدما عاشوا قدرًا كبيرًا من حيواتهم في غزَّة أو الضفَّة الغربية أو في فلسطين المحتلَّة؛ ولذا فقد عاشوا تجربة المواجهة شبه اليومية مع العدو، أو كانوا تحت حالة من الاشتباك الدائم، أيًّا كان مستقرُّهم الحالي؛ لذا بدت الكتابة الأدبية عند الكتَّاب الفلسطينيِّين عنصرًا أساسيًّا من وجودهم وتمسكهم بأرضهم.

    لقد تعامل الكتَّاب الفلسطينيُّون مع الكتابة كفعل مقاومة بحدِّ ذاته، أو كاحتياجٍ لكسر العزلة والقيود المفروضة عليهم، حتى أن تدوينات أهالي فلسطين عمَّا يحدث الآن من مجازر وإجرام ورعب لا تخلو من لغة أدبية ونفَس شعري، يتجلَّى تحت القصف وفي حضور الموت وبين بحور الدماء، سواءٌ وهم يسجِّلون مشاعرهم، ومخاوفهم، ومشاهداتهم أو حتى رؤاهم المستقبلية، حتى مهندس طوفان الأقصى ذاته، يحيى السنوار، كتب روايةً في أثناء أسره في سجون الاحتلال بعنوان (الشوك والقرنفل)، ورغم أن البعض يعدُّها رواية متواضعة فنيًّا وأدبيًّا، وأقرب إلى تسجيلٍ لسيرته، إلا أنَّ أهميتها تكمن في الاطلاع على عقليَّة أحد أهم قادة المعركة، وطريقة تفكير الرجل الذي اعتبره الصهاينة عدوَّهم الأوَّل، والتعرُّف على نظرته لتنظيمات المقاومة الفلسطينية منذ الستينيات وصولًا إلى الانتفاضة.

    أمَّا ما نحن بصدد قراءته الآن فهي رواية (أنا لست يحيى السنوار)، للكاتبة “سماح خليفة”، الكاتبة الفلسطينية التي هي معلمة، وشاعرة، وروائية، وناقدة، وباحثة أكاديمية، وصانعة محتوى. من مواليد طوباس، سكان عجة/جنين/فلسطين، وعضو في اتحاد الكتاب، وفي اتحاد المعلمين. لها إصدارات ثقافية عديدة، منها في مجال التعليم (التعلُّم النَّشط)، وقصص للأطفال (أمل والبحر، أمل والأقصى، عودة أبي)، (طوباسيوز) (يوميات طفلة الانتفاضة). وفي الشعر أصدرت (أبجديات أنثى حائرة)، (غزة على وتر القلب)، (وشم على جيد القصيد)، هذا غير إصداراتها في الرواية، فلها رواية (نطفة سوداء في رحم أبيض)، هذا غير الكتب النقدية المتنوعة، والأبحاث والدراسات، ونُشر لها العديد من المقالات النقدية والأدبية والسياسية.

    رواية (أنا لست يحيى السنوار) هي العمل الأدبي الأحدث للكاتبة الفلسطينية “سماح خليفة”، الذي صدر عن دار “الآن ناشرون وموزعون” في 342 صفحة. الرواية لا تخضع لتصنيفها مذكراتٍ سياسية، بل هي سرديَّة إنسانيَّة عميقة، وشهادة أدبيَّة تتناول تفاصيل المعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال، وتدور أحداثها منذ الأيام الأولى لمعركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر من عام 2023، ويمكن أن تقارب قلم “سماح خليفة” وفق عدد من المفردات المعبِّرة عن انشغالاتها الفكرية الجادة: (المنفى – الوطن – المرأة – الرجل – المقاومة – التاريخ – الإنسان ).

    – رواية الثنائيات التكاملية:
    الثنائيات التكاملية وهي ما تُعرف بـ (المتجانسات): هما الطرفان المتقابلان اللذان رغم اختلافهما إلَّا أنَّهما في حالة توافق وتجانس، وتعتمد ديمومة كل منهما على ديمومة الآخر: (المرأة والرجل، الدولة والشعب، الليل والنهار، النار والهواء، السماء والأرض، المدينة والريف، الحار والبارد، الإنسان والطبيعة، الاسترخاء والنشاط، النوم واليقظة، الظاهر والباطن، العقل والعاطفة، البدن والروح، الواقع والخيال، الزمان والمكان… إلخ).
    ولو عاينَّا غالبية الروايات والقصص في العالم سنلاحظ أنها محكومة بـ “الثنائيات التناقضية”؛ لأنها الثنائيات الأكثر وضوحًا وتشويقًا للمتلقي، مثل: (الحرب والسلام، الخير والشر، الشرطي والمتهم، القاتل والضحية، القامع والمقموع، الغني والفقير، الخيانة والإخلاص، الحقيقة والخداع).

    أ- ثنائية المكان:
    لك أن تقارب عالم الرواية وفق أسلوب الثنائيات الذي حرصت الكاتبة “سماح خليفة” على تشكيله، إذ أقامت عالمها الروائي وفق منظومة من الثنائيات التي تتقاطع أحيانًا، وتتوازى أحيانًا، ولكنها تلتقي عند خطوط شديدة الدلالة مشكَّلة عبر سبع مفردات، تتوازى وتتقاطع لتلتقي منتجةً ما يمثِّل المفاتيح لقراءة العالم كما تصوِّره الكاتبة : (الرواية / المكان – المكان / الإنسان – الإنسان / المرأة – المرأة / القيمة – القيمة / الفن الروائي).
    والفضاء الفلسطيني (المحكي عنه وبه وفيه) هو فضاء مطروح عبر الروايات جميعها تصدَّرته (غزة) بوصفها مرجعية مكانية ومنصة لانطلاق السرد؛ إذ تسرد الرواية حكاية “آية”، وهي ممرضة من غزة، و”يحيى”، الصحفي من مدينة “جنين”. قصة مدينتين فلسطينيتين مختلفتين (أول ثنائية مكانية). مدينتان، لكن متكاملتان، مدينتان توأمان، تتشابهان رغم اختلافهما.

    تدور أحداث الرواية حول “يحيى”، الصحفي الذي يعيش في مدينة جنين في حضن عائلة صغيرة جدًّا، لا أب فيها، يحلم “يحيى” بمغادرة جنين من أجل الحفاظ على حياة من يحبهم: والدته وأخوه وصديقه “نضال” المتهور، وقبل كل هؤلاء يريد إنقاذ “آية” والهروب بها من جحيم البقاء داخل غزة المنتهكة.

    وردتِ (النهاية) للثنائية الروائية بصيغة من الدائرية المحكمة (ننتهي لنبدأ من جديد)، وهي ذاتها الثنائية التي تلخِّص الفكرة؛ فالنهاية ليست إلَّا شكلًا من أشكال البدايات، ليست سوى قوس يكتمل؛ ليعيد رسم الدائرة من نقطة أخرى، والثنائية هنا ليست صارمة بمعنى انغلاقها وفق رؤية متلقٍّ ما؛ إذ يمكن لمتلقي الكاتبة سماح خليفة أن يقيم ثنائياته الخاصة وفق قدرته على الإمساك بخيوطٍ أحسنت الكاتبة وضعها في يده، في دعوةٍ منها إلى مشاركتها في تشكيل هذا العالم المسرود بعناية، وهي خيوط منتقاة بدقَّة ومن ثَمَّ فالتعامل معها يتطلب عناية تكافئ ما اعتُمِدَ في إنتاجها.

    ب – ثنائية الشخوص:
    تُبنى معادلة الوجع الفلسطيني من خلال شخصيتَي “يحيى وآية”، فـ “يحيى” يُدفع إلى المقاومة تحت ضغط القهر والتعذيب، “يحيى” يمثِّل الشخصية المناقضة لآية -في موقفه تجاه المقاومة- صحفي يعيش في مدينة جنين، لا همَّ له سوى حماية أسرته وذويه، والتفكير في مخرَج آمن وسريع لأسرته من جحيم العيش تحت وطأة الحرب (الفرار دون التفكير في غيره ممَّن يتمسكون بالبقاء والكفاح من أجل الوطن)، ولكنه في ذات الوقت يعاني من ضغوط نفسية ومجتمعية تزج به إلى حيث لا يرغب أن يكون، فـالاعتقال والتعذيب في غياهب السجن يحوِّلانه من المهادنة إلى المبادرة بالهجوم، بل والتخطيط له وتنفيذه.
    و”آية” هي الشخصية الموازية لـ “يحيى”، فهي ممرضة فقدت عائلتها (أباها وأمَّها وأختها الوليدة) وتضطر للعيش وحيدة في غزة تحت ظروف لا تُحتمل ولا تضمن حدًّا أدنى من الآدمية، لكنها رغم ذلك ترفض المغادرة، رغم فداحة خسارتها، بل سلبها كل أسباب الحياة، وتظل متمسكةً بالبقاء في غزة، وفوق ذلك تحمل في دواخلها جريرة “النجاة”، وتحمل فوق كتفيها عقدة “ذنب الناجية الوحيد”، ويحتدم داخلها صراع قاتل معنويًّا، بين “أفضلية” الرحيل و”حتمية” البقاء.

    هناك ثنائية ناعمة مرَّرتها الكاتبة بين جزيئات السرد، وهي ثنائية (طوفان)، ما بين “طوفان” الوليدة التي ارتقت، و”طوفان” الهجوم العسكري الشامل ضد إسرائيل، الذي يبث الأمل في نفوس الفلسطينيين، فالطوفان هنا يرمز إلى البداية، الفرصة السانحة التي تلوح في الأعين، وطوفان الوليدة التي أتت في سن متأخرة، تحمل رمزًا للخصوبة وامتدادًا للمقاومة بكثرة الإنجاب، وجلب المزيد ممَّن يحملون لواء فلسطين، أملٌ قادم للغد يحمل بشائر بالنصر، وكلاهما يُغتال، يُسلب أو يجهض أمام الأعين.

    وهناك ثنائية أخرى، تتمثَّل في وسم الشخصية الرئيسية بـ “يحيى” في مقابل الشخصية الحقيقية، وهو بطل المقاومة “يحيى السنوار”، فشخصية “يحيى” الروائية هنا زُجَّ بها زجًّا إلى المقاومة بعد قهره واعتقاله وتعذيبه بالسجن؛ فتحوَّل رغم أنفه، من أثر العنف الممارس عليه، إلى العنف وممارسة القتل وتنفيذ الاغتيالات.

    ولا يتوقَّف أمر الثنائية على الالتزام بها شكلًا، ولكنَّ التركيز أيضًا على المضمون والدلالة. كما استندت الرواية أيضًا إلى بنية سردية اتَّسمت بالتناوب بين الأصوات، حتى في توزيع تقنيات معيَّنة مثل المونولوج الداخلي، كان بالتناوب، وكذلك في المراسلات، والسرد المباشر.

    تجدر الإشارة هنا إلى أن الساردة ارتفعت بأشخاصها جاعلةً منهم نماذج إنسانية في المقام الأول، ولم تقدِّمهم بوصفهم شخصيات أسطورية، وإنما حرصت على العمل في منطقة الإنسانية، فهم يواجهون مصائرهم ومعضلات حياتهم لا بوصفهم أبطالًا تاريخيين، وإنَّما بوصفهم بَشَرًا يمارسون بشريتهم برفقة الآخرين، لا يرتفعون بأسطوريَّتهم عن الآخرين، فإنسان الواقع دالٌّ في وجوده، يحقق دلالته من خلال وجوده، والإنسان الروائي موجود عبر دلالته فقط، فكلما كان دالًّا اكتسب وجوده من هذه الدلالة.

    ج – العتبات:
    عتبات الرواية، هي العتبات التي تشكِّل الحدود الفاصلة بين القارئ ومتن النص الروائي، وتعمل بمثابة “مفاتيح” تمهيدية توجِّه القارئ نفسيًّا وجماليًّا ومعرفيًّا، وتهدف لخلق أفق انتظار وفضول يدفعه للغوص في أعماق العمل السردي. وتتكوَّن العتبات النصية التمهيدية من العنوان، والإهداء، والاقتباس الاستهلالي، وأيَّة ملحوظات أخرى تسبق الدخول إلى عالم الرواية أو بنيتها النصية، وتقول هذه العتبات الشيء الكثير، وتدرَّس ضمن المنهج البنيوي على أنها نصوص موازية محيطة، لها ارتباط عضوي بالعمل الإبداعي الذي تحيط به، وهي دليل على تكامل الصنعة الأدبية، وقدرة من يعمل على هذا العمل؛ الكاتب، والناشر، والمحرر (إن وُجد) على الاهتمام بالتفاصيل الموحية بفنيَّة هذا العمل، ورسائله المباشرة وغير المباشرة.

    وفي رواية (أنا لست يحيى السنوار) للكاتبة “سماح خليفة” ستحمل العتبات أفكارًا مهمة، وإشارات لها قيمتها النصية.

    أولًا:
    الغلاف:
    الواجهة الأمامية: ينتمي الغلاف إلى تلك “الشخصية البصرية” التي تحافظ على وجودها دار النشر في كل الكتب التي يصمِّمها مصمم الدار، وأصبح “هوية” معروفة، يستطيع الناظر إليه أن يلمسه، والقارئ أن يتحسَّسه في طبيعة الغلاف الورقي، وسهولة انسياباته اللونية وتناغماتها، حتى لو احتشد الغلاف بالكثير من العلامات أو الإشارات. وتشتمل الواجهة الأمامية على اسم المؤلفة، الذي يستبق العنوان باللون الأبيض الذي يشوبه بعض الزرقة الطفيفة، ويرمز “الأزرق الخفيف” غالبًا في علم نفس الألوان وتصميم الأغلفة، إلى الرغبة في الهدوء والسلام، ويوحي بالاسترخاء، والتأمل، والابتعاد عن صخب الحياة اليومية، ويعبِّر عن الحنين، أو الاكتشاف الداخلي للذات.

    – ثنائية إيهام الغلاف:
    عنوان الرواية، قُسِّم لونَيه إلى الأسود والأحمر.
    الجملة النافية (أنا لست) جاءت باللون الأسود، وهو إن دل فـيدلُّ على الغموض، والموت، أو التمرد، كما يستخدم رمزًا للشر، والفقدان، أو القتامة النفسية، وفي بعض السياقات، قد يعكس عمق الأحداث الدرامية أو دلالة بعينها.
    ثم “يحيى السنوار” باللون الأحمر المتوهج، الذي غالبًا يرمز إلى العاطفة القوية (كالحب أو الشغف)، أو العنف والموت (كالدم والحرب)، أو أنه قد يشير صراحةً إلى الخطر والتحذير.

    وهي (ثنائية) أخرى تنبثق من لون العنوان للوحة الخارجية للرواية؛ فاختلاف لونَي العنوان -بل وانقسامهما- يُعَدُّ تصريحًا بليغًا بتضمين الثنائيات في العمل ككل، بدءًا من لون كتابة العنوان على الغلاف حتى الغلاف ذاته. فقد انقسم الغلاف بين لونين هما الأحمر الناري في مقاربة لألسنة النيران، وبين الأزرق السماوي الرائق، الذي يحتل نصف اللوحة، ويشير اللون الأزرق للسماء في غلاف الرواية إلى ابتغاء الهدوء، والسلام، والصفاء، ويرمز إلى الحرية، الروحانية، أو التأمل، كما قد يعكس حالةً من الحنين للماضي، ويوحي للقارئ بأجواء حالمة، وواسعة، ومفتوحة للاحتمالات.

    أمَّا عن اللون الأحمر المتوهج فهو يدل على مداهمة الخطر، والدمار، أو العاطفة الجامحة، ويُستخدم هذا اللون ليعكس الصراع أو التحول الجذري، كما تشير النار المشتعلة إلى أزمات مدمرة، وحروب، أو فوضى عارمة تمرُّ بها الشخصيات، ويعكس التوهج العالي مشاعر قوية متأججة، مثل: الغضب الشديد، والحب المستحيل، أو الطموح الجامح، وغالبًا ما تُستخدم النار رمزًا للرغبة في التغيير الجذري، وتحدي الأنظمة، أو التحرر من القيود.
    داخل شخوص اللوحة هناك ثنائية أيضًا، فاللوحة يظهر بها شخصان؛ شاب خارج حدود مسيَّجة يتحدث عبر الهاتف الخلوي، يشاهد (المرتحلين، والمقبلين) عبر بوابة، وشابَّة تتجه ناحية البوابة تضع الهاتف على أذنها، لكنها ماضية في طريقها نحو المعبر، وهنا نجد ثنائية الداخل والخارج -المقبل والمدبر- داخل الوطن وخارجه.
    يحتلُّ ظهر الغلاف نبذة سريعة -تشويقية- عن مجمل أحداث الرواية من الناشر، مذيَّلة أسفل الغلاف الخلفي بصورة الكاتبة المبتهجة، وتعريف سريع بمنجزاتها الأدبية.

    ثانيًا:
    ثنائية العنوان (أنا لست يحيى السنوار)
    ما بين (الإرهابي والبطل الخارق).

    يشكِّل العنوان عتبةً مهمةً من عتبات العمل الأدبي، وقد أشرتُ أعلاه إلى تميُّزه في الحضور البصري على الغلاف، أمَّا العنوان ذاته فهو الجملة الخبرية -النافية- التي تعني رفض حصر الفلسطينيِّين في قالب “الإرهابي” أو “البطل الخارق” الذي يصوِّره الإعلام، كما يعكس العنوان رحلة بحث الفلسطيني عن ذاته، وسط سياسات القمع التي تفرضها بنية الاحتلال لإعادة تشكيل هوية الفرد، ومحاولة أبطال الرواية التشبث بإنسانيتهم رغم كل الظروف. كما يؤكِّد العنوان على أن كل شخصية في الرواية هي إنسان مستقل له معاناته وحياته. كما يعبِّر عن رفض تحويل الضحية الفلسطينية إلى مجرد رقم أو رمز سياسي. إذًا هو محاولة لاستعادة الصوت الفردي والقصص الإنسانية اليومية التي تضيع وسط أحداث العنف.

    ثم تُستفتح الرواية بمفتتح عبارة عن نبذة تعريفية عن شخصية وتاريخ “يحيى السنوار” ودوره الهام والبارز في هجوم 7 أكتوبر، وحتى قضاء نحبه في رفح على أيدي الإسرائيليِّين.

    ثم مفتتح ثانٍ من الكاتبة تعرض فيه للقارئ تعريفًا آخر للإرهابي من منظور المحتل كغطاء لتبرير ممارساته التعسفية.

    وفي داخل هذا المفتتح انتقيت ثنائية دالة أخرى، وهي أفضل ما أختتمُ به قراءتي المتواضعة، التي لا تفي حجم رواية بهذا العمق والرسوخ، وبهذا التمكُّن والثبات:
    (يكفي فقط أن تتعثر بحظك السيئ وأنت هارب من جنون الحرب، في الطريق إلى ضفة النجاة، تحمل وردةً وقصيدةً؛ لتستقبل وجه حبيبتك بابتسامة وغمرة، فتتحولا في نهاية المطاف إلى بطلين من ورق…)
    في حكاية كان يا ما كان .
    ________________

    مشعل العبادي