دراسة تداولية
دكتور/ عبد الحليم صابر عبد الجيد عمر
حاصل على دكتوراه – كلية الآداب – جامعة المنصورة
ملخص البحث:
يتناول هذا البحث ظاهرة الصمت والمسكوت عنه في رواية “العبور على طائرة من ورق” للكاتبة الأردنية زينب السعود من منظور تداولي، مستندًا إلى نظرية الملاءمة عند سبيربر وويلسون، ونظرية أفعال الكلام عند أوستن وسيرل، ومفهوم التأدب اللغوي عند براون وليفنسون، فضلًا عن مفهوم المسكوت عنه في الدرس الحجاجي العربي عند صولة، وتراث الحذف البلاغي عند الجرجاني.
ينطلق البحث من فرضية مركزية مفادها أن الصمت في هذه الرواية ليس أداة تعبير موضعية بل نظام تداولي بديل يقوم بوظائف الخطاب الصريح كاملة: يدير العلاقات ويصون الهويات ويُشرك القارئ في إنتاج المعنى.
رصد البحث تسعة أنماط إجرائية للصمت وحللها في ثلاثة مستويات: صمت الهوية عند أمجاد، والإحجام العاطفي بين هتاف وإلياس وأميرة، والصراع الأسري المضمر في عائلة هتاف.
وخلص إلى أن هذه الأنماط تنتظم في بنية كلية تخترق النص في خمسة مستويات متداخلة: بنيوي وهوياتي وزمني وتلقائي ووجودي، مما يُفرد هذه الرواية عن نظيراتها في الأدب العربي المعاصر.
الكلمات الدالة: الصمت – المسكوت عنه – التداولية – أفعال الكلام – نظرية الملاءمة – التأدب اللغوي – الرواية العربية المعاصرة.
Abstract
This study examines silence and the unspoken in Zainab Al-Saud’s novel Crossing on a Paper Plane through a pragmatic framework integrating Relevance Theory (Sperber & Wilson), Speech Act Theory (Austin; Searle), and Politeness Theory (Brown & Levinson), alongside Abd Allah Sawla’s Arabic argumentative pragmatics and al-Jurjani’s classical rhetorical tradition،
The central thesis holds that silence in this novel is not a localised expressive device but an alternative pragmatic system performing the full functions of explicit discourse: managing relationships, preserving identities, and engaging the reader in meaning production،
Nine operational silence patterns are identified and applied across three analytical domains – identity silence (Amjad), emotional reticence (Hattaf, Ilyas, and Amira), and latent family conflict – before being reconstructed as a structural whole operating at five interlocking levels: structural, identitarian, temporal, receptive, and existential،
This distinguishes the novel from other Arabic fiction in which silence remains an incidental stylistic feature.
Keywords: Silence, the unspoken, pragmatics, speech act theory, relevance theory, politeness theory, contemporary Arabic novel.
مقدمة
لا أعرف تحديدًا متى بدأت أشعر بأن ثمة شيئًا غير عادي في طريقة سرد هذه الرواية، ربما كان في الصفحات الأولى حين لاحظت أن أمجاد لا يقول شيئًا عن نفسه تقريبًا ومع ذلك يقول كل شيء، أو ربما في المشهد الذي تسرع فيه هتاف خلف إلياس “لتقول له أي شيء” دون أن تعرف ما هو ثم تتوقف، أو حين ينهي الأب حوارًا لم يبلغ ذروته بعد فيخرج من الغرفة وخلفه صمت أثقل من أي كلام، شيء ما في بنية هذه الرواية يشتغل من تحت السطح لا من فوقه، وينتج معناه من الغياب لا من الحضور.
أمضيت وقتًا في قراءتها قبل أن أبدأ الكتابة، لأن النص يقاوم القراءة العجولة، كلما حاولت الإمساك بمعنى ما اكتشفت أن المعنى الحقيقي في المكان الذي لا كلام فيه: في الجملة الناقصة، وفي التلعثم الذي يصحَّح فورًا، وفي الرسالة التي لم تقرأ في وقتها، وفي الصمت الذي يخيم على مشاهد العائلة رغم أن الجميع يتحدثون، وحين بدأت أتساءل لماذا يفعل هذا الصمت ما يفعله – لماذا يؤثر، لماذا يقنع، لماذا يُبكي أحيانًا – أدركت أنني أمام سؤال تداولي في جوهره: كيف يعمل غياب الكلام عمل الكلام؟
لم تكن الإجابة موجودة في النقد الأدبي التقليدي الذي يهتم أساسًا بما قيل، فانعطفت نحو اللسانيات التداولية، وجدت في نظرية الملاءمة عند سبيربر وويلسون مفتاحًا لفهم كيف ينتج الصمت معنى أكثر مما ينتجه الكلام الصريح حين يشترك الطرفان في قدر كافٍ من المعلومات السياقية المشتركة، ووجدت في نظرية أفعال الكلام عند أوستن وسيرل إطارًا لتفسير الكيفية التي ينجز بها الامتناعُ وظيفةً إنجازية حقيقية لا تقل عن وظيفة الفعل الكلامي المنطوق، ووجدت في مفهوم التأدب اللغوي عند براون وليفنسون تفسيرًا للدوافع الاجتماعية التي تجعل الإحجام عن الكلام أحيانًا الخيار الوحيد لمن يريد أن يحافظ على وجهه في مواجهة الآخر.
والتراث البلاغي العربي لم يكن بعيدًا عن هذه الإشكالية، فالجرجاني قرر منذ قرون أن للحذف في كلام العرب مواضع هي أفصح من مواضع الذكر وأبلغ في الإفادة([1])، وصولة من الباحثين العرب المعاصرين الذين نبهوا إلى أن المسكوت عنه يمارس تأثيره من خلال ما يغيب لا مما يحضر([2]).
ينطلق هذا البحث من فرضية واحدة حاسمة: الصمت في هذه الرواية ليس أداة تعبير موضعية ولا فضيلة شخصية تنتهجها شخصية دون أخرى، بل هو نظام تداولي بديل يقوم بوظائف الخطاب الصريح كاملة: يدير العلاقات ويصون الهويات ويُشرك القارئ في إنتاج المعنى.
وما يميز هذه الرواية عن نماذج روائية عربية أخرى يوظَّف فيها الصمت رمزًا موضعيًا أو عنصرًا تزيينيًا هو أن الصمت فيها يخترق المستويات جميعها في آنٍ واحد: مستوى الهوية في حالة أمجاد، ومستوى العلاقات العاطفية في حالة هتاف وإلياس، ومستوى الصراع الأسري في عائلة هتاف، ومستوى الوجود الإنساني في مواجهة الحرب والكارثة.
يتوزع البحث على خمسة مباحث: المبحث الأول للإطار النظري والتصنيف الإجرائي لأنماط الصمت التسعة، والمباحث الثلاثة التالية للتطبيق التداولي في المستويات الثلاثة المذكورة، والمبحث الخامس للصمت بوصفه بنية كلية وإعادة تركيب للنموذج، وقد بني التحليل على قراءة الرواية كاملة متأنية متعددة لا مجتزأة.
تمهيد
الرواية والسياق والمنهج
تنهض هذه الدراسة على قناعة مفادها أن النص الأدبي الحقيقي لا يقول كل ما يعنيه، وأن المعنى الأعمق كثيرًا ما يسكن في المساحة بين الكلمات لا في الكلمات ذاتها، ولا تجسد هذه القناعة رواية أكثر مما تجسدها “العبور على طائرة من ورق”، التي جعلت من الصمت لغتها الأصيلة ومن المسكوت عنه نسيجها الداخلي.
ومن ثم يستدعي تناولها تمهيدًا يضع القارئ في قلب سياقين متلازمين لا غنى عنهما: السياق الحضاري والإنساني للرواية المتمثل في حرب أوكرانيا وما أنتجته من جراح، والسياق المنهجي المتمثل في مفاهيم الدرس التداولي وآلياته في مقاربة النص الروائي.
أولًا: الرواية وحرب أوكرانيا – السياق الذي صنع الشخصيات:
“العبور على طائرة من ورق” الجزء الثاني المتمم لرواية “الحرب التي أحرقت تولستوي” للكاتبة الأردنية زينب السعود، الصادر عن دار “الآن ناشرون وموزعون” عام ٢٠٢٤م، وهو يقوم على نفسه نصًا مستقلًا دون افتقار إلى ما سبقه.
وإذا كان الجزء الأول قد عالج تأثير الحرب القاسي على الطلاب وهم في موقع الحدث الساخن، فإن هذا الجزء يتناول عواقب ذلك التأثير الممتد بعد أن عادوا إلى أوطانهم يلتمسون السلامة والطمأنينة، فيجدون أن الوطن لم يكن بالضرورة أكثر حنوًا عليهم من منافي الغربة([3]).
في فبراير ٢٠٢٢م، اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية لتفاجئ آلاف الطلاب العرب الدارسين في الجامعات الأوكرانية بمصير لم يحسبوا له حسابًا: مغادرة قسرية عبر حدود الموت، وتخلٍّ قسري عن سنوات من الدراسة والتخصص، وعودة إلى الوطن يحملون فيها الصدمة النفسية جنبًا إلى جنب مع شهادات غير مكتملة ومستقبل غير مضمون.
والرواية تقدم ما لا تقدمه الصحافة عادة: الأثر الإنساني الدقيق للحرب في النفس الفردية، والطريقة التي تتخلل بها الكوارث الكبرى المسامَّ الأكثر هشاشة في الهوية والعلاقات والأحلام.
فهتاف التي كانت تدرس الطب في أوديسا مرغَمة على تخصص لم تختره تعود تعاني أعراض الصدمة: صور تطاردها وأصوات تقتحم صمتها وعجز عن الاندماج في الحياة اليومية المعتادة.
وأمجاد كانت قد بدأت علاجًا هرمونيًا يأمل أن يحسم هويتها، فجاءت الحرب لتُجهض هذا الأمل وتُبقيها في منطقة الالتباس التي عاشتها طوال عمرها: “لم تهدم المدن على رؤوس أهلها فحسب، بل هدمت حياتي التي كانت تقترب من الانعتاق”([4]).
أما الدكتور إلياس، فقد أتم تخصصه لكنه عاد دون وثائقه الرسمية يجمع بين خسارة مهنية وخسارة عاطفية في آنٍ واحد.
والحرب في الرواية ليست خلفية زمنية أو ديكورًا دراميًا بل فاعل نشط ينتج الصمت ويُطيله: فما كان ممكن قوله في الأمان بات مستحيلًا في ظل الهشاشة، وما كانت الشخصيات تؤجل الاعتراف به صار مؤجلًا إلى أجل أبعد.
والرواية بهذا ترسم رحلة حياة تتشابك فيها الحوادث والعُقَد والأزمات في نفوس أشخاص من أكثر من جيل، دون أن تموت في أعماقهم إرادة البحث عن ومضة نور لمواصلة الرحلة وتحقيق الأحلام([5]).
ثانيًا: التداولية – المفهوم والآليات في نقد الرواية:
التداولية (Pragmatics) فرع من فروع اللسانيات يعنى بدراسة الاستعمال الفعلي للغة في سياقاتها التواصلية، أي بما ينجزه المتكلم بكلامه لا بما تعنيه الجملة في ذاتها مجردة من السياق.
ويختلف هذا المنهج جوهريًا عن النقد الأدبي الكلاسيكي الذي يتناول اللغة وصفًا وتحليلًا دلاليًا، إذ ينتقل التحليل التداولي من سؤال “ماذا قالت اللغة؟” إلى سؤال “ماذا فعلت اللغة؟” ومن ثم إلى سؤال أعمق في حالة هذه الرواية: “ماذا فعل غياب اللغة؟”.
وقد نضجت التداولية في النصف الثاني من القرن العشرين عبر اتجاهات نظرية متكاملة، فـنظرية أفعال الكلام عند أوستن وسيرل أثبتت أن الملفوظ ليس نقلًا للمعلومة فحسب بل فعل يَعِد ويطلب ويرفض ويُلزم([6])، وهذا ما يتيح لهذا البحث أن يعامل الإحجام عن الكلام بوصفه “فعلًا كلاميًا سلبيًا” ينجز معناه من الامتناع ذاته لا من النطق.
وقد أضافت نظرية الملاءمة عند سبيربر وويلسون بعدًا معرفيًا: المتواصلون يسعون إلى أكبر أثر معرفي بأقل جهد ممكن في المعالجة، والمتكلم لا يقول كل شيء بل يقول ما يكفي لتوجيه ذهن المستمع، مما يجعل الصمت أداة بالغة الكفاءة حين يشترك الطرفان في معلومات سياقية مشتركة([7]).
أما نظرية التأدب اللغوي عند براون وليفنسون فتفسر الدوافع الاجتماعية وراء الإحجام: كل متكلم يحمي “وجهه” الإيجابي القائم على الحاجة إلى القبول، ووجهه السلبي القائم على الحاجة إلى الاستقلالية، وحين يهدد الكلام أحد هذين الوجهين يغدو الصمتُ استراتيجيةً وقائية عقلانية لا مجرد تقصير في التواصل([8]).
وتتواصل هذه الأطر الحديثة مع التراث البلاغي العربي الذي أدرك مبكرًا أن الغياب قد يكون أبلغ من الحضور؛ إذ كتب الجرجاني: “وللحذف في كلام العرب مواضع هي أفصح من مواضع الذكر، وأبلغ في الإفادة وأدل على المعنى”([9])، وأشار خطابي إلى أن ما يغيب عن النص قد يكون أشد تأثيرًا مما يحضر فيه من حيث تشكيل المعنى الكلي([10])، فيما طور صولة مفهوم المسكوت عنه في الدرس الحجاجي العربي مبينًا أن الخطاب يمارس تأثيره أحيانًا من خلال ما يُغفله لا مما يُصرح به([11]).
وتوظف هذه الأطر في هذا البحث أدواتٍ تحليلية تكاملية لا متنافسة: ما تضيء نظرية الملاءمة من زاوية الاقتصاد المعرفي تكمله نظرية أفعال الكلام من زاوية الوظيفة الإنجازية، وتعمقه نظرية التأدب من زاوية الدوافع الاجتماعية، وتؤصله الموروثات البلاغية والحجاجية العربية في إطارها الثقافي الخاص.
وبهذا التكامل المنهجي يقارب البحث الصمتَ في الرواية ليس استعارة أسلوبية عابرة بل نظامًا تواصليًا متكاملًا يدير النص من باطنه.
المبحث الأول
الإطار النظري وأنماط الصمت
قبل أن نخطو إلى تفاصيل هذا المبحث، تجدر الإشارة إلى أننا في هذا البحث نتعامل مع الصمت بوصفه ظاهرة لغوية مركبة لا يكفي لفهمها الاتكاء على تعريف معجمي واحد، ولا يكفي لتحليلها إطار نظري بعينه، لذلك بدا ضروريًا أن تسبق المباحث التطبيقية وقفة نظرية تحدد المفاهيم وتفرق بين ما يتداخل منها، والهدف من هذه الوقفة ليس استعراض النظريات استعراضًا أكاديميًا خالصًا، ففي ذلك تطويل لا طائل من ورائه، الهدف هو أن يُسلَّح القارئ بالأدوات التي ستوظف فعليًا في الفصول التالية، وكل مفهوم نظري يُقدَّم هنا سيعود في موضعه التطبيقي – إن لم يعد فلا مسوغ لإيراده.
أولًا: من السكوت إلى الصمت – ضبط المفاهيم:
نقطة البداية سؤال يبدو بسيطًا: هل الصمت لغة؟ المعجم العربي يجيب بـ “لا” ضمنيًا حين يُعرَّف الصمت بأنه السكوت عن الكلام والإمساك عنه([12])، كأنه النقيض الكامل للكلام لا شيء غير ذلك، وظل هذا التصور مهيمنًا طويلًا على الدرس اللغوي التقليدي الذي يرى اللغة في النطق وما عداه فراغ([13])، غير أن اللسانيات التداولية في النصف الثاني من القرن الماضي جاءت لتسقط هذه المعادلة الثنائية، وتثبت أن الصمت ليس وجهًا آخر لغياب الكلام بل هو شكل من أشكاله له قواعده وشروطه ووظائفه الخاصة([14]).
حين نقول “الصمت” في هذا البحث، نعني شيئًا محددًا: الإحجام المقصود عن الكلام في موضع يستدعيه، مع بقاء المتكلم حاضرًا في الموقف التواصلي، وهذا يختلف عن السكوت البسيط الذي قد يكون غيابًا أو انصرافًا أو مجرد توقف، الصمت الذي يعنينا قصدي ووظيفي – أي أنه ينجز معنىً ما من خلال الامتناع ذاته([15])، ويسمي هذا البحث هذا الإنجاز بالغياب “الفعل الكلامي السلبي” – وهو مصطلح وصفي إجرائي مقترح لا مصطلح نظري مستقر في الأدبيات – ويوظف توظيفًا فعليًا في مشاهد تحليلية محددة في المباحث التالية لا مجرد لافتة نظرية.
ثمة فارق ثانٍ لا يقل أهمية: الفرق بين الصمت والمسكوت عنه، الصمت فعل تواصلي آني مرتبط بلحظة بعينها، نقدر أن نضع إصبعنا عليه في النص ونقول: هنا أحجم أمجاد، هنا توقفت هتاف، أما المسكوت عنه فأشمل من ذلك؛ إنه المنظومة الدلالية الكاملة التي يتحاشاها الخطاب باستمرار دون أن يُقِر بوجودها([16]).
وهذا التمييز جوهري للتحليل: الصمت هو الفعل الآني المتكرر، والمسكوت عنه هو ما يتراكم من هذه الأفعال ليشكل نمطًا دلاليًا يسري في الرواية كلها، هوية أمجاد المكتومة مسكوت عنه بامتياز، مشاعر هتاف تجاه إلياس مسكوت عنه أيضًا، أما المشاهد المتفرقة التي يحجم فيها أحدهما عن الكلام في لحظة بعينها فتلك أنماط صمت تداولية آنية.
وثمة فارق ثالث يستحق الضبط: الصمت والحذف، الحذف ظاهرة نحوية تتعلق بغياب عنصر لغوي يمكن استرداده من السياق اللغوي المحيط([17])، وقد نبه الجرجاني قبل قرون إلى أن للحذف في كلام العرب مواضع هي أفصح من مواضع الذكر وأبلغ في الإفادة وأدل على المعنى([18]).
وهذه الملاحظة البلاغية تلامس ما يقوله هذا البحث من أن المعنى لا يسكن في الكلمات وحدها، لكن الحذف في معناه النحوي يظل ظاهرة شكلية على مستوى الجملة، في حين أن الصمت التداولي يتعلق بغياب خطاب كامل في موقف تواصلي كامل، ويُستثمر مفهوم الحذف البلاغي في هذا البحث لتأصيل الظاهرة في التراث العربي لا لتفسير مشاهد الصمت بذاتها.
وأخيرًا: الفرق بين الصمت والاستلزام الحواري، الاستلزام – كما صاغه غرايس في إطار مبدأ التعاون الحواري([19]) – هو المعنى غير الحرفي الذي ينتجه الملفوظ في سياقه دون تصريح، والاستلزام ينتج من كلام موجود، أما الصمت فينتج معناه من الغياب ذاته.
الفارق بينهما في التطبيق واضح: حين تُحجم هتاف عن ذكر اسم إلياس، لا يوجد ملفوظ نستلزم منه شيئًا – الصمت هو الفعل التواصلي الكامل، غير أن المفهومين يتقاطعان في أن المعنى في كليهما مستنتج لا مصرح به، مما يجعل الاستلزام أداة تكميلية لا بديلة عن الصمت في التحليل.
ثانيًا: الأطر النظرية الثلاثة:
أُؤسس التحليل في هذا البحث على ثلاثة أطر نظرية متكاملة، وهو تكامل مقصود لأن كل إطار يضيء جانبًا مختلفًا من ظاهرة الصمت في الرواية.
نظرية الملاءمة لسبيربر وويلسون تقوم على مبدأ أن الإنسان في تواصله يسعى إلى أكبر قدر من الأثر المعرفي بأقل قدر من جهد المعالجة([20])، المتكلم لا يقول كل شيء بل يقول ما يكفي لتوجيه ذهن المستمع نحو المعنى المقصود تاركًا له أن يستكمل الباقي انطلاقًا من السياق المشترك.
وفي ضوء هذا المبدأ يغدو الصمت أداة بالغة الكفاءة حين يشترك الطرفان في قدر وافٍ من المعلومات السياقية: لا داعي لقول ما يعرفانه كلاهما.
وقد مايزت ويلسون في أعمال لاحقة بين الاستدلال الضعيف والاستدلال القوي، مشيرة إلى أن الصمت كثيرًا ما ينتج استدلالات متعددة يتركها المتكلم مفتوحة عن قصد([21])، وهذا يفسر بالضبط ما يحدث حين تقول هتاف إنها لن تذكر اسم إلياس ثم تذكره في نفس الجملة.
ونظرية أفعال الكلام أرسى أوستن أسسها بتمييزه بين الملفوظ الوصفي والملفوظ الإنجازي الذي يُنجز فعلًا في العالم بمجرد النطق به([22])، وطور سيرل هذه النظرية بتصنيف الأفعال الكلامية وتحديد شروطها الاستعمالية([23]).
ما يبنى عليه في هذا البحث هو أن الإحجام المقصود عن الكلام في موضع يستدعيه يشكل بدوره فعلًا إنجازيًا ينجز معناه من خلال الغياب، وهذا هو الفعل الكلامي السلبي المذكور آنفًا، وسيُوظَّف في مشاهد تحليلية محددة لا كلافتة نظرية مجردة.
أما نظرية التأدب اللغوي عند براون وليفنسون فتقوم على مفهوم “الوجه” مميزًا بين وجه إيجابي هو الحاجة إلى القبول والتقدير، ووجه سلبي هو الحاجة إلى الاستقلالية وعدم الإكراه([24])، والخطاب في مواضع كثيرة يهدد أحد هذين الوجهين، فيلجأ المتكلمون إلى استراتيجيات تخفيف هذا التهديد، والإحجام عن الكلام واحدة من هذه الاستراتيجيات، حين تُحجم هتاف عن الاعتراف بمشاعرها فهي تحمي وجهها الإيجابي من خطر الرفض، وحين يُحجم الأب عن مناقشة قرارات هتاف الأدبية فهو يحمي وجهه السلبي من أن يبدو متسلطًا لا أبًا حكيمًا.
ويضاف إلى هذه الأطر مفهوم المسكوت عنه الذي يشكل بعدًا حجاجيًا في الخطاب يمارس تأثيره من خلال ما يغيب لا مما يحضر([25])، وأن ما يغيب عن النص قد يكون أشد تأثيرًا مما يحضر فيه من حيث تشكيل المعنى الكلي([26]).
ثالثًا: التسعة أنماط – من أين جاءت؟
الأنماط التسعة التي رصدها هذا البحث لم تُستنبط من نظرية بل استُخرجت من النص نفسه بعد قراءته قراءات متعددة، ثم أسندت إلى مرجعياتها النظرية، وتجدر الإشارة صراحة إلى أن هذه الأنماط تصنيف إجرائي مقترح يخدم تحليل هذه الرواية تحديدًا، لا مصطلحات نظرية مستقرة في الأدبيات التداولية، وكل نمط منها يتكئ على مفهوم نظري معروف.
صمت الهوية هو إحجام مدفوع بضغط اجتماعي يحول دون التصريح بهوية مغايرة لما يعرفه المجتمع عن صاحبها، وهو أطول أنماط الصمت في الرواية وأعمقها، يرتبط بنظرية الوجه السلبي لأن التصريح بهذه الهوية سيهدد الاستقلالية الاجتماعية للشخصية تهديدًا لا رجعة منه.
صمت الإحجام العاطفي هو امتناع عن التصريح بمشاعر خشية انتهاك استقلالية الذات أو مواجهة خطر الرفض، وهو أكثر أنماط الصمت تشعبًا في الرواية لأنه يمس شخصيات متعددة في علاقات مختلفة، يرتبط بمفهوم الوجه الإيجابي وبمبدأ الاستلزام الحواري.
صمت القوة هو إغلاق الحوار من موضع السلطة – فعل إنجازي ينجز الهيمنة لا الحوار، يتصل بنظرية أفعال الكلام وبالتحليل النقدي للخطاب.
صمت العجز هو توقف الخطاب حين يكون ثقل التجربة أكبر من طاقة الكلام على احتمالها، يرتبط بما يسميه ريكور “الصمت الإلزامي” في سياقات الصدمة والفقد.
صمت التضحية الواعية هو اختيار الإحجام قربانًا طوعيًا لحماية الآخر أو صون التوازن الذي تقوم عليه العلاقة، وهو النمط الأشد مفارقة في الرواية لأن صاحبه يملك الكلام ويختار التنازل عنه، يتصل بالتهذيب الإيجابي عند براون وليفنسون.
صمت الإكراه يختلف عن السابق اختلافًا جوهريًا: ليس اختيارًا بل استجابة قسرية لسلطة خارجية تفرض الصمت، يرتبط بمفهوم الخطاب المُسكِت في التحليل النقدي للخطاب.
صمت المعروف هو الإحجام عن الإعلان عن خير يُسدى دون توقع مقابل، النمط الأرقى إنسانيًا في الرواية، يرتبط بمقولة الكمية في مبدأ التعاون الحواري: المتكلم يعطي أقل مما هو مطلوب قصدًا.
صمت الكلام الذي لم يقرأ نمط نادر: الكلام وجد وأرسل، لكنه لم يصل في الوقت الذي كان يعني فيه شيئًا، الخلل ليس في إرادة المتكلم ولا في استعداد المستمع، بل في القناة أو في الزمن، يتصل بمفهوم خلل القناة عند جاكوبسون.
صمت الكارثة هو الأثقل في الرواية: انقطاع قسري للتواصل بفعل حدث خارجي يتجاوز كل الحسابات الإنسانية، لا يُختار ولا يُفرض بإرادة بشرية، يأتي من خارج معادلة الصمت والكلام بالكامل، يرتبط بالصمت الإلزامي عند ريكور.
هذه الأنماط لا تعمل في الرواية كأسطر متوازية في جدول، كثيرًا ما يتشابك نمطان أو ثلاثة في موقف واحد، وبعضها ينتج بعضًا: صمت الهوية عند أمجاد لم يكن ممكنًا لولا صمت الإكراه المفروض عليه، وصمت التضحية الواعية عند أميرة هو الذي أتاح للأب أن يمارس صمت القوة دون أن يحاسَب، والرواية كلها تتجه نحو صمت الكارثة الذي لا يُغلق الأنماط السابقة بل يعلقها في فضاء لا إجابة فيه.
رابعًا: الصمت في الدرس اللساني العربي:
لم يكن الدرس اللساني العربي بعيدًا عن هذه الإشكالية، فالبلاغيون العرب القدامى أدركوا أن في الحذف قوة بلاغية تفوق أحيانًا قوة الذكر، وقد كتب الجرجاني في دلائل الإعجاز: “وللحذف في كلام العرب مواضع هي أفصح من مواضع الذكر، وأبلغ في الإفادة وأدل على المعنى”([27])، وهذه الملاحظة تسبق بقرون ما توصلت إليه اللسانيات الحديثة.
وأضاف تمام حسان أن اللغة العربية تملك رصيدًا ثريًا من الأدوات التي تتيح للمتكلم أن يوحي بما لا يصرح به([28])، وتناول خطابي في سياق مختلف مسألة الانسجام والتماسك في الخطاب، ورأى أن ما يغيب عن النص قد يكون أشد تأثيرًا مما يحضر فيه من حيث تشكيل المعنى الكلي([29]).
إذن نحن أمام إدراك مشترك في التراث البلاغي العربي وفي الدرس اللساني العربي المعاصر: المعنى الكامل أوسع من الكلام المنطوق، ما تضيفه اللسانيات التداولية هو أدوات أكثر دقة لتحليل هذه الظاهرة ووصفها وتصنيفها.
المبحث الثاني
صمت الهوية – أمجاد والجسد المكتوم
أمجاد شخصية لا تقول شيئًا عن نفسها تقريبًا، ومع ذلك يعرف القارئ عنها كل شيء تقريبًا، هذه المفارقة هي ما يجعل صمتها موضوعًا تداوليًا بامتياز لا موضوعًا نفسيًا فحسب، فالصمت هنا لا يُخفي فراغًا بل يدير حضورًا – حضور هوية كاملة تسري في الجسد واللغة والعلاقات دون أن تسمى.
يتناول هذا المبحث صمت أمجاد من الداخل: من لحظة ميلاده في عيادة طبيبة قبل أكثر من عشرين عامًا، مرورًا بالآليات اللغوية التي طورها على مدار سنوات لإدارة هذا الصمت والتعايش معه، وصولًا إلى الجملة التي تعيد تأطير كل شيء في نهاية الرواية، والهدف ليس مجرد رصد ما لم يقل، بل فهم كيف أصبح الصمت نفسه طريقة في الوجود.
أولًا: لحظة الاكتشاف وميلاد الصمت:
يحدد النص لحظة ميلاد الصمت بدقة مدهشة: عيادة طبيبة في منطقة العبدلي بالأردن، عام ٢٠٠٢، والرابعة عشرة من العمر، يقول أمجاد في سرده الداخلي: “كنتُ في الرابعة عشرة من عمري عندما عرفتُ للمرة الأولى أنني لستُ أنا“([30]).
جملة واحدة تحمل تداوليًا دلالتين متلازمتين: الأولى أن الصمت سبق الاكتشاف الطبي – كان أمجاد يحمل شعورًا بالاختلاف قبل أن يسميه أحد، والثانية أن الاكتشاف الطبي لم ينهِ الصمت بل زاده ثقلًا، لأنه منح الفجوة بين الهوية الجسدية والهوية الاجتماعية اسمًا طبيًا دون أن يمنحها مخرجًا اجتماعيًا مقبولًا.
والأهم تداوليًا ما حدث بعد الاكتشاف مباشرة، رفضت أميرة كلام الطبيبة وخرجت تتمتم: “عملت البنت ولد! قال دكتورة قال!”([31])، وبهذا الرفض أرست أميرة قاعدة ما يسميه هذا البحث “التواطؤ الصامت”: الاتفاق الضمني بين أطراف يعرفون الحقيقة على تجاهل الاعتراف بها، وهو نوع من الافتراضات المسبقة المشتركة التي يبنى عليها التفاعل دون الإقرار بها صريحًا، واستمر هذا التواطؤ عقودًا كاملة، وكان هو النسيج الحقيقي للعلاقة بين أمجاد وأميرة.
ثانيًا: الجسد بوصفه مستوى تواصلي موازٍ:
أشار سبيربر وويلسون إلى أن التواصل الإنساني يشمل كل ما يستدل به على مقاصد المتكلم، بما في ذلك السلوك المرئي والتعابير الجسدية([32])، وجسد أمجاد في الرواية يعمل مستوى تواصليًا مستقلًا ينتج دلالات متعارضة مع ما تحاول اللغة الاجتماعية إثباته، البشرة المتهيجة بفعل الهرمونات المضطربة، والخطوات الواسعة، والصدر المستوي، والملابس التي يصفها بأنه “لا ينتمي إلى أي قطعة منها“([33])، كل هذه علامات جسدية تصرح بما يحجم عنه الكلام وتعمل في اتجاه معاكس لكل محاولات التكتم.
وتصرح أنفال في لحظة استغراب: “إنك أخوكِ ولست أختكِ“([34])، مما يكشف أن العلامات الجسدية كانت مرئية لجميع من حول أمجاد طوال الوقت، لكن لم يتجرأ أحد على تسميتها لأن التسمية ستكسر اتفاق التواطؤ الصامت وتُلزم الجميع بما لا يريدون الالتزام به.
وبلغ التناقض بين الجسد والكلام ذروته في مشهد الجامعة حين انزلق الأب في لغته ليخاطب أمجاد بصيغة المذكر دون أن ينتبه، فلاحظ أمجاد الانزلاق فورًا: “لماذا تخاطبني بصيغة المذكر؟”([35])، هذا الانزلاق اللغوي اللاواعي مؤشر تداولي دال: المعرفة المضمرة المكبوتة تجد طريقها إلى الملفوظ رغم كل محاولات الضبط والسيطرة.
ثالثًا: آليات الصمت اللغوي عند أمجاد:
طور أمجاد على مدار سنوات طويلة جملة من الآليات اللغوية الخاصة في إدارة صمته عن هويته، يمكن رصدها وتأطيرها تداوليًا.
الآلية الأولى: الرفض الإجرائي:
حين تسأله أميرة عن “العلاج” يرد بـ “لا تهتمي” – رفض لإجراء الحوار ذاته لا لمضمونه، والفارق تداولي جوهري: رفض المحتوى يُقر ضمنيًا بوجوده مما يجعله فعلًا اعترافيًا رغم صيغته الإنكارية، أما رفض الإجراء فيبقي مساحة الغموض مفتوحة ويتجنب الاستلزام الاعترافي، وهذا ما يسميه سيرل “رفض شرط الاستعداد” في بنية الفعل الكلامي، حيث يحجم المتكلم عن استيفاء الشرط المؤسس للحوار([36]).
الآلية الثانية: الإبهام بضمير الغائب:
حين يسرد أمجاد قصة نفسه أمام أنفال بضمير الغائب – “في يوم من الأيام ولدت سمية مولودها البكر، للوهلة الأولى بدت أنثى“([37]) – يتحدث عن ذاته كأنها شخص ثالث غائب، هذه الآلية تنتج قابلية تأويلية مرتفعة بسبب تعدد الاستدلالات الممكنة: الملفوظ يحمل المعنى الكامل، لكن المتكلم غير ملزَم به نحويًا إذ يمكنه دائمًا ادعاء أنه يحكي قصة لا قصته، ويفسَر هذا بمبدأ الاستلزام القابل للإلغاء عند غرايس، حيث ينتج المتكلم استلزامًا مفيدًا مع احتفاظه بحق التراجع عنه([38]).
الآلية الثالثة: التحويل إلى الغضب:
في مواجهته مع زياد حين يقول له “اخرسي”، يفجر أمجاد الغضب: “اخرس، ليس ما أنا فيه مجرد ميول“([39])، الملاحظة التداولية الدالة هنا أن الاعتراف الأوضح في الرواية كلها جاء في لحظة ضغط انفعالي مرتفع لا في لحظة اختيار واعٍ، وفي إطار نظرية الملاءمة، الضغط الانفعالي يخفِّض الرقابة على الملفوظ فيفصح عما كان مكتومًا – وهو آلية تتعلق بتعطل استراتيجية الإحجام المنظمة حين يرتفع الأثر السياقي فوق سقف السيطرة الواعية([40]).
الآلية الرابعة: الجملة الناقصة:
في مشهد الاعتذار لأميرة يقول أمجاد: “أعتذر عمتي، أنا لا أقصد.، أريد أن أقول إنني…”([41]) ولا يكمل، هذا التوقف في منتصف الجملة ليس عجزًا في المعجم الذهني – فالكلمات موجودة – بل هو “الفشل في استيفاء شرط الصدق” بمعنى أن المتكلم يريد إنجاز الفعل الكلامي لكنه غير مستعد لتحمل تبعاته الاجتماعية([42])، والجملة الناقصة في هذا الموضع بعينه تحمل من الدلالة أكثر مما كانت ستحمله لو أكملت.
رابعًا: الصمت المشترك بين أمجاد وأميرة:
يتجاوز الصمت في الرواية بعده الفردي ليغدو ظاهرة مشتركة بين أمجاد وأميرة، فأميرة – كما يتضح من فصلها الداخلي – تعرف أكثر مما تبدي منذ سنوات طويلة، وما يميز صمتها هو أنه ليس جهلًا متظاهرًا بالمعرفة بل معرفة تتظاهر بالجهل – وهو فارق تداولي جوهري.
وتكشف جملة أمجاد الداخلية “هل نسيتِ يا أميرة؟ أم تتناسين الآن بعد أن عدتُ من منتصف الطريق؟”([43]) أن الصمت المشترك بينهما قائم على “معرفة مشتركة مضمرة” يتجنب الطرفان تسميتها لأن التسمية ستهدم التوازن الهش الذي قامت عليه حياتهم([44]).
وحين ينكسر هذا الصمت المشترك في المشهد الأخير – حين يعلن أمجاد لأميرة أنه لن يغطي رأسه بعد اليوم – لا تنهار أميرة من مفاجأة المعلومة بل من ثقل ما كانت تحمله طوال تلك السنوات، وهذا الفارق تداوليًا جوهري: فمن يتفاجأ لم يكن يعلم، أما من يتألم من الاعتراف فكان يعلم ويحتاج إلى الصمت حفاظًا على التوازن.
خامسًا: وظائف الصمت عند أمجاد وثمنه الوجودي:
يؤدي الصمت عند أمجاد ثلاث وظائف تداولية متلازمة: حفظ التوازن الاجتماعي في مجتمع لا يتيح الاعتراف، والإيثار بتحمل العبء المنفرد حماية للآخرين قبل الذات، والصمود الإيماني، وقد صاغ أمجاد هذه الوظيفة الأخيرة في حديثه مع إلياس: “لأنني اخترتُ أن أستسلم للقدر، رضيتُ بكل ما حدث لي في حياتي، عرفتُ أن الإيمان يقتل الخوف“([45]).
هذا الملفوظ يعيد تأطير كل ما سبق من صمت في الرواية، ما بدا طوال العمل كتمانًا وإخفاءً يتكشف في النهاية أنه كان ضربًا من الصمود، ومن منظور تداولي، يؤدي هذا الملفوظ وظيفة إعادة التأطير الكاملة لكل ما سبقه: هو ليس اعترافًا بالضعف بل إعلانًا عن فلسفة في الوجود.
ويوصَف هذا الصمت المحتقن في جملة أميرة وهي تصف أمجاد في لحظة انهياره: “أعلم أنها تبكي بلا دموع، وتصرخ دون صوت، وتحترق دون دخان“([46]).
تشكل هذه الجملة تكثيفًا دلاليًا لمفهوم الصمت الذي يملأ لا الذي يفرَّغ: القنوات التعبيرية المعتادة – الدمع والصوت والدخان – معطَّلة في حين أن الانفعال حاضر بكامل ثقله، وهو لهذا السبب – بسبب تعدد الاستدلالات الممكنة التي ينتجها – مفتاح تأويلي للمفهوم المركزي في البحث كله.
سادسًا: الحرب بوصفها ضاغطًا يُطيل صمت الهوية:
ذهب أمجاد إلى أوكرانيا جزئيًا هربًا من ثقل الصمت المجتمعي، وبدأ علاجًا هرمونيًا كان يأمل أن يُنهي صمت هويته، ثم جاءت الحرب لترجعه محملًا بصمت أثقل: “لم تهدم المدن على رؤوس أهلها فحسب، بل هدمت حياتي التي كانت تقترب من الانعتاق“([47]).
الأوراق الطبية والاستشارات والعلاج الهرموني ضاعت في غبار القصف، وعاد أمجاد إلى العاصمة بجسد لم يكمل تحولاته، والحرب في الرواية ليست خلفية للأحداث بل فاعل نشط ينتج الصمت ويطيله، وهو ما يشكل الرابط البنيوي بين صمت الهوية في هذا المبحث وصمت الكارثة في المبحث الخامس.
المبحث الثالث
خطاب الإحجام العاطفي – هتاف وإلياس وأميرة
إذا كان صمت أمجاد يمتد عشرين عامًا ويتعلق بهوية كاملة، فصمت هتاف وإلياس وأميرة من نوع مختلف – أخف في ظاهره وأكثر تشعبًا في باطنه، إنه صمت المشاعر التي تعرف أصحابها تمامًا ما هي، لكنهم يختارون ألا يقولوها، لأسباب تتراوح بين الخوف من الرفض وحفظ التوازن وحماية كبرياء مكتسَب بصعوبة.
يتناول هذا المبحث ثلاثة مسارات متوازية للإحجام العاطفي في الرواية: مسار هتاف وإلياس الذي يمتد من طائرة الإجلاء إلى رسالة لم تُقرأ في وقتها، ومسار إلياس مع نفسه الذي يُفصح للبعيد ويصمت أمام القريب، ومسار أميرة وعبد السلام الذي ظل طيًا عقودًا حتى انفجر في مكتب لم يُعَدّ للمواجهة، والقاسم المشترك بين المسارات الثلاثة هو أن الجسد في كل الحالات كان أصدق من اللغة وأعجز عن الصمت.
أولًا: الإحجام العاطفي بوصفه فعلًا كلاميًا سلبيًا:
يختلف الإحجام العاطفي عن صمت الهوية في أنه لا ينبع من ضغط اجتماعي خارجي بل من دوافع داخلية تتعلق بحفظ الوجه، فهتاف لا يمنعها شيء خارجي من الاعتراف بمشاعرها تجاه إلياس، غير أن الاعتراف نفسه يمثل تهديدًا لوجهها الإيجابي – خطر الرفض – ولوجهها السلبي في الوقت ذاته، إذ ستخسر استقلالية عاطفية ترسخت عبر تاريخ من الاحتكاك بينهما، وهذا ما يجعل إحجامها استراتيجية وقائية واعية، هي في الوقت ذاته فعل كلامي سلبي ينجز معناه من خلال الامتناع.
والشاهد الأوضح على هذه الاستراتيجية أن هتاف في الجملة التي تُعلن فيها الإغلاق تُحضر ما تريد إغلاقه: “لم أحاول طوال الأيام الماضية أن أسأل عنه، أو أذكر اسمه، أو أتحرى أخباره، تلك صفحة طُويت مع ما سيُطوى من ذكريات أوديسا وجامعتها وأهوال الحرب فيها“([48]).
هي تذكر اسمه في الجملة التي تعلن فيها عدم ذكره، وهذا التناقض الخطابي الذاتي مؤشر تداولي دال: بنية الملفوظ تنقض مضمونه، وما يصرح به في المستوى الدلالي يُنكره المستوى التصريحي، استراتيجية الإغلاق لم تنجح حتى في مواجهة صاحبتها ذاتها.
ثانيًا: مشاهد الإحجام العاطفي – قراءة وظيفية:
أ- مشهد الطائرة: حين يستنزف الصمت أكثر من الكلام:
في طائرة الإجلاء من وارسو إلى الوطن، تجلس هتاف وتراقب الوجوه من حولها، فتصل إلى إلياس وتتوقف، تصف بدقة تفصيلية ما تريد رؤيته في وجهه: هل يشعر بالخوف؟ هل تهتز عضلات وجهه؟ أترمش عيناه وترتجف يداه؟ ثم تختم بجملة واحدة: “قاومتُ رغبتي“([49]).
الفعل “قاومت” مؤشر تداولي محوري لأنه يكشف أن الإحجام استنزف جهدًا حقيقيًا ذهنيًا وانفعاليًا، وفي إطار نظرية الملاءمة، الصمت هنا يستنزف تكلفة معالجة أعلى مما يستنزفه الكلام، مما ينفي عنه صفة العفوية ويؤكد طابعه الاستراتيجي([50])، فالمرأة التي تحتاج إلى مقاومة رغبتها في النظر إلى وجه أحد ليست امرأة لا تعبأ به.
ب- سرقة الرقم وكذبة الماء:
في ليلة هادئة تخرج هتاف من غرفتها وتجد مكتب أبيها مضاءً، فتدخل وتأخذ هاتفه وتنقل رقم إلياس إلى كفها، ويفاجئها أبوها فتقول: “خرجتُ لأجلب كأسًا من الماء، فوجدتُ غرفة المكتب مضاءة“([51]).
هذه الكذبة الصغيرة دليل على أن الإحجام العاطفي كان واعيًا ومقصودًا وذا تكلفة فعلية: هتاف لا تقر بما فعلته ولا تجاهر برغبتها، بل تستر الفعل الكاشف عن المشاعر المكتومة بحجة واهية، وهو ما يجعل هذا المشهد تجسيدًا للفعل الكلامي السلبي في حالته الأكثر وضوحًا: الفعل موجود لكن الإقرار به غائب.
ج- مشهد التلعثم: الحرب أم الدراسة؟
حين تتصل هتاف بإلياس أخيرًا تقول: “أنا هتاف عبد السلام زميلتك في الحرب…! تلعثمتُ وأكملتُ: أقصد في الدراسة في أوديسا“([52]).
“الحرب” هي الكلمة ذات الحمولة الدلالية المرتفعة لأنها تحيل إلى ما كان حقيقيًا بين الطرفين: خوف مشترك ومصير واحد وهشاشة إنسانية قصوى، ثم تراجعت وأبدلتها بـ “الدراسة” وهي الصيغة الأبرد والأكثر رسمية والأقل إلزامًا، ومن منظور سيرل، هذا “التعديل الدفاعي”: تغيير الملفوظ بعد النطق به لأن المتكلم أدرك أنه تجاوز حد الإفصاح الذي حدده لنفسه([53])، وهو يعيد تأكيد أن الفعل الكلامي السلبي يعمل حتى في داخل الملفوظ ذاته حين يصحَح بعد النطق.
د- مشهد البكاء خلف الشجرة:
حين يخبرها إلياس بأنه سيعود إلى أوكرانيا متطوعًا تنهمر دموعها دون أن تستطيع كبحها، فتدير وجهها نحو شجرة قريبة وتتكئ على جذعها، ويصف إلياس اللحظة من منظوره الداخلي: “لا بد أنه عرف أنني ابتعدتُ لأبكي“([54]).
الصمت هنا لم يُنجح الإخفاء التام، لكنه أتاح لكليهما تجنب المواجهة المباشرة التي كانت ستُلزم بمواقف لم يكونا مستعدين لها، وهذا ما يسميه براون وليفنسون “الإنقاذ المتبادل للوجه”: يتعاون الطرفان ضمنيًا على تجنب الموقف المحرج ويُبقيان على التوازن الهش([55])، وإدارة الوجه نحو شجرة لا نحو إنسان هي أجمل استعارة جسدية للصمت العاطفي في الرواية.
هـ- مشهد “اسم يشبهني”:
حين تسأل إيفا إلياس عن اسم المرأة التي يحبها يجيب: “اسم يشبهني“([56]).
إلياس يرفض التسمية المباشرة ويستبدلها بوصف يحيل إلى دلالة الاسم اللغوية، “هتاف” بمعناه العربي – الصوت الخافت البعيد – يلائم فعلًا إلياسَ الصامتَ الذي يقول الكثير بالقليل، ومن منظور غرايس، هذا انتهاك مقصود لمقولة الكمية: إعطاء أقل مما هو مطلوب قصدًا، مما ينتج استلزامًا حواريًا ذا قابلية تأويلية مرتفعة بسبب تعدد الاستدلالات الممكنة([57])، الوصف يفتح المعنى لا يغلقه، وهو في ذلك الاعتراف الأجمل في الرواية لأنه لا يُلزم بشيء ويقول كل شيء.
ثالثًا: الرسالة التي لم تُقرأ في الوقت المناسب:
يمثل هذا المشهد تطبيقًا للنمط الثامن من أنماط الصمت التي رصدها البحث – صمت الكلام الذي لم يقرأ، يقول إلياس وهو في الطائرة عائدًا إلى الوطن: “ظهرت لي رسالة غير مقروءة، تاريخها قبل مغادرتي إلى إسطنبول بيوم واحد.، قرأتها بذهول، أعدتُ قراءتها مرات عدة، هل تهذي هذه الفتاة؟ نعم لا بد أنها تهذي“([58]).
الرواية لا تخبرنا بمضمون هذه الرسالة، وهذا الصمت مزدوج: صمت إلياس الذي لم يقرأها في وقتها، وصمت الكاتبة عن الإفصاح بمضمونها للقارئ، وفي إطار جاكوبسون([59])، هذا المشهد يمثل خللًا في قناة التواصل لا في إرادة المرسل: هتاف أرسلت بكل ما في الكلمة من معنى، ولم تصل الرسالة في وقتها، والأثر التداولي الأعمق هو أن الرسالة حين وصلت متأخرة صارت تنتج معنى مختلفًا عما كانت ستنتجه في وقتها – مما يبين أن التواصل ليس مجرد نقل مضمون بل هو حدث زمني لا يمكن فصله عن لحظته.
ويعلق إلياس بعد قراءتها: “ليتني قرأتها قبل أن أسافر“([60])، هذا الندم الوحيد الصريح في الرواية على الصمت – ندم على ما لم يُسمَع لا على ما لم يُقَل، وفي هذا الفارق تحديدًا تتجلى نظرية التواصل بأكمل صورها.
رابعًا: إلياس والصمت المتعدد الطبقات:
بنى إلياس على جرح قديم دفاعًا محكمًا يجعله يُفصح للبعيد ويصمت أمام القريب، فهو يبوح لمراد الغريب في مقهى إسطنبول بما يصفه بأنه “انساب الكلام من فمي كمن كان ينتظر فرصة ليُفرغ حمولة قلبه“([61])، في حين يصمت أمام هتاف ووالدها ومن هم الأقرب إليه، وهذه الآلية المعكوسة – الإفصاح للبعيد والصمت أمام القريب – تفسَّر بأن ما يقال للقريب يُلزم، والالتزامات لا يريد البوح بها قبل أوانها.
وحتى حين يُهدي هتاف كتاب “رحلة إلى أرضروم” لبوشكين([62])، يضع إهداءً يجمع الاعتراف بالعيب والمصالحة الضمنية والدعوة إلى استمرار شيء لم يُسمَّ بعد، والكتاب ذاته – لا الكلام المباشر – هو وسيلة التواصل المختارة، وهذا “التواصل عبر الوسيط”: استراتيجية تتيح الإفصاح مع الاحتفاظ بإمكانية التراجع – وهو الفعل الكلامي السلبي في أرقى أشكاله، يقول بالإيماء ما يحجم عنه القول.
خامسًا: أميرة وعبد السلام – الإحجام المتراكم عبر العقود:
إذا كان الإحجام بين هتاف وإلياس يمتد أشهرًا، فالإحجام بين أميرة وعبد السلام امتد عقودًا كاملة وظل طيًا في الخلفية حتى انكشف في مشهد مكتب الجامعة الذي لم يُعَدّ للمواجهة، قال عبد السلام لأميرة في خطوبة شقيقته “عقبي لنا“([63]) – ملفوظ ملتوٍ ذو حمولة ضمنية واضحة لكلا الطرفين، وحين يسألها بعد عقود “هل أحببته – أقصد خليل؟”([64])، تتحاشى الإجابة: “ثم ما الفائدة من خوض هذا الحديث الآن؟” تحويل السؤال إلى تساؤل عن الجدوى استراتيجية لتجنب الفعل التهديدي للوجه بتحييد الموضوع بدلًا من الرد عليه([65]).
وما يعمق هذا المشهد تداوليًا أن صمتهما عن بعضهما عقودًا طويلة أنتج صمتًا في موضع آخر تمامًا: فقرارات الأب بإبعاد أمجاد عن هتاف التي كانت تبدو أبوية خالصة تنكشف في المواجهة الأخيرة على أنها كانت تحمل طبقة مضمرة من دوافع لم تعلَن: “ما الذي يجبرني أنا أن أتحمل وجود ابنة أخيك في حياة ابنتي من جديد؟”([66])، وهذا ما يسميه فان دايك “الأيديولوجيا المضمرة في الخطاب”: البنى العميقة من المشاعر التي توجه الخطاب دون أن تعلَن([67]).
المبحث الرابع
الصراع الأسري المضمر – السلطة والصمت والدوافع الخفية
العائلة في هذه الرواية لا تتشاجر كثيرًا، وهذا تحديدًا ما يستدعي التوقف، فالصراعات الحقيقية لا تعلَن بالصراخ بل تعيش مضمرة تحت سطح الحوارات الهادئة، مؤجَلة من مشهد إلى مشهد حتى تجد طريقها في لحظة غير محسوبة.
يتناول هذا المبحث الصراع الأسري من زاوية مختلفة عن المعتاد: لا يبحث عما قيل في الخلافات بل يبحث عما لم يقل ولماذا، كيف يُدار الصمت من موضع السلطة؟ وكيف يتحول الكلام الكثير إلى ضرب من الصمت حين لا ينجز أثره؟ وماذا يكشف المشهد الأخير بين الأب وأميرة عن طبقات الصمت الأبوي التي ظلت خفية طوال الرواية؟
أولًا: حوار التحاشي – تداولية الهدوء الظاهر:
لو قُرئت حوارات العائلة في هذه الرواية بعين عابرة لبدت في معظمها هادئة: أب يتحدث برصانة، وأم تبكي بصمت، وابنة تومئ وتنصرف، غير أن القراءة التداولية تكشف أن هذا الهدوء هو التوتر ذاته في أرقى صوره وأكثرها تنظيمًا.
يقع الحوار الأسري في هذه الرواية في منطقة تسميها هذه الدراسة “حوار التحاشي” – وهو مصطلح وصفي إجرائي مقترَح: حوار يبدو في ظاهره تواصلًا وهو في جوهره تهرب منظم من التواصل الحقيقي، وقد أشار باريت إلى أن التحاشي في الحوار ليس غيابًا للتواصل بل هو شكل خاص منه ينتج دلالاته الخاصة بكفاءة لا تقل عن كفاءة الكلام المباشر([68])، والفرق المهم بين “حوار التحاشي” و”صمت الإحجام العاطفي” في المبحث السابق هو أن الأول يعمل على مستوى المجموعة الأسرية كاملة لا على مستوى ثنائي: الجميع يتحاشون في آنٍ واحد.
ثانيًا: الأب – الفعل الكلامي السلبي من موضع السلطة:
الأب أستاذ جامعي في اللغة والأدب يملك من الكلام ما يكفي لإنهاء أي نقاش، لكنه يختار ألا يفعل، وهذا الاختيار هو الشكل الأرقى لممارسة السلطة الخطابية، فالصمت الاختياري لصاحب السلطة ينتج أثرًا هيمنيًا ممتدًا لأن الجميع يدركون أن الكلام موجود لكنه مُحجم عنه عمدًا، وقد أشار فوكو إلى أن السلطة لا تعمل بالضرورة عبر الخطاب الصريح بل تعمل أيضًا عبر ما تسكِته وتُقصيه([69]).
وتؤدي جملة “كل شيء سيكون بخير“([70]) المتكررة على لسانه وظيفة “الملفوظ الإغلاقي”: جملة تنهي التبادل الكلامي لا تُعلق عليه ولا تُجيب عن السؤال الذي استدعاها، وحين تقال في سياق خلافي مشحون فهي لا تقدم حلًا بل تجمد النقاش وتعيد رسم حدود ما يمكن قوله.
وتصل سلطة هذا الصمت ذروتها في المشهد الذي تطلق فيه الأم تساؤلاتها الغاضبة المتلاحقة، تصف هتاف وجه الأب بأن “الجمود اكتسح وجهه فحوله إلى لوحة من الطين الذي جف ماؤه“([71])، ثم ينهض ويخرج قائلًا: “العتاب واللوم لن يحلا المشكلة، كل شيء سيكون بخير“([72]).
الخروج من الغرفة ليس هروبًا، هو “انسحاب خطابي” – مصطلح وصفي إجرائي ثانٍ يوظَّف في هذا البحث لوصف الحركة التواصلية التي يُحكم بها المتكلم القوي قبضته على الحوار بالخروج منه لا بمواصلته، وقد استُخدم هذا النمط في ثلاثة مشاهد على الأقل في الرواية، مما يجعله سلوكًا خطابيًا متكررًا لا حادثة معزولة.
ثالثًا: الأم – الكلام الذي لا يُنجز أثره:
إذا كان الأب يملك الفعل الكلامي السلبي من موضع السلطة، فالأم تملك نوعًا مغايرًا من الخطاب: كلام كثير لا ينجز أثره المقصود، وفي إطار سيرل([73])، يميز بين “قوة الإنجاز” و”أثر الإنجاز”: فالأم تنجز فعل الاتهام والعتاب بكامل مقوماته الشكلية، لكن أثره يتبدد أمام الجمود الأبوي، وهذا الفارق بين إنجاز الفعل الكلامي وتحقق أثره هو ما يجعل كلام الأم مساحة من الصمت المعاد إنتاجه: تتكلم لكن كأنها لا تتكلم.
غير أن صمت الأم الختامي ليس استسلامًا، تصفها هتاف بأنها “وقفت تبكي وتتنهد وتبتلع ريقها كما تفعل دائمًا عندما تريد اختصار الشر“([74])، وتفسر هتاف: “مفهوم والدي لاختصار الشر هو ألا تهدر كلامها في غير موضعه وعلى مسمع ممن لا يريد قصفه“([75])، صمت الأم الختامي إذن استراتيجية وقائية واعية لحفظ طاقة الكلام لموضع أجدى.
وفي هذا التقابل تتجلى بنية حوار التحاشي كاملة: صمت الأب يبدأ الحوار بالإغلاق، وصمت الأم يختمه بالقبول الواعي، وبين الصمتين يدور الحوار العائلي كله في حلقة تعيد إنتاج نفسها عند كل أزمة.
رابعًا: هتاف – المعرفة الصامتة التي تحمي:
هتاف في المشاهد الأسرية مراقِبة فاهمة تمتلك من الوعي بالمشهد أكثر مما تفصح عنه لأيٍ من طرفَيْه، وتبلغ الفجوة بين ما تعرف وما تقول ذروتها حين يجلس الأب قربها ويسألها بحنان واضح: “هل تخبئين في قلبك شيئًا؟”([76])، فتجيب: “لا تقلق يا أبي، أنا بخير“([77])، وتعلق في سردها الداخلي: “آثرتُ أن أتخلص من هذا الموقف دون أن أثير أي شعور سيئ لديه“([78]).
هذا التعليل الداخلي يكشف أن صمت هتاف عن أبيها كان في أغلبه صمت الحماية: حمايته من شعور الذنب قبل حمايتها هي من الألم، ومن منظور التأدب اللغوي، هذا التهذيب الإيجابي في أرقى صوره: التضحية بالمصلحة العاطفية الذاتية حفاظًا على وجه الطرف الآخر([79])، وهو نمط يتكرر في علاقتها بكل من يحيط بها: تعرف وتصمت، تدرك وتتجاهل، تتألم وتبتسم.
خامسًا: الكشف الكبير – الصمت الأبوي وطبقاته المضمرة:
ما يُفرد هذه الرواية في معالجة الصراع الأسري هو أنها تكشف في مشهد حاسم أن الصمت الأبوي كان يحمل طبقة مضمرة من الدوافع لم تعلَن على مدار الرواية كلها، فحين يبرر عبد السلام قراره بإبعاد أمجاد عن هتاف بالخوف على ابنته، لم يكن هذا التبرير كاذبًا لكنه لم يكن كاملًا، والحقيقة الكاملة تنكشف في خضم المواجهة مع أميرة: “ما الذي يجبرني أنا أن أتحمل وجود ابنة أخيك في حياة ابنتي من جديد؟”([80]).
هذا الملفوظ يعيد تأطير كل صمت الأب السابق في الرواية، ما كان يبدو حكمة أبوية يتكشف أنه كان يتضمن طبقة إضافية من المشاعر القديمة تجاه أميرة، وتقر أميرة بأن الصمت المتبادل بينهما كان صمتًا واعيًا لا صمت جهل: “لم يكن لي خيار، لو رفضته لملأت أمك الحي بإشاعات“([81])، والأب يُقر ضمنيًا بعدم النسيان: “لو لم أنسَ لما كنتُ واقفًا أمامك الآن“([82]).
هذه الجملة هي الأكثر كثافة دلالية في المشهد: الجملة الشرطية المنفية تقر بما تنفيه – “لو لم أنسَ” تعني أنه لم ينسَ.
سادسًا: الصراع المضمر حول حلم هتاف:
يتمركز أعمق الصراعات الأسرية في الرواية حول قرار لا يناقَش صراحة في أي مشهد: إرسال هتاف للدراسة الطبية بدلًا من كلية الأدب التي كانت تحلم بها، تقول في سردها الداخلي: “أملتُ أن ألتحق بكلية العلوم الإنسانية لدراسة الأدب المقارن، كانت مخيلتي مليئة بعالم الإخوة كارامازوف ومسرحيات تشيخوف“([83])، وغياب هذا الحلم من الحوار الأسري الصريح يكشف عن توافق صامت غير معلن على أن بعض الأمنيات لا تقال – وهو نمط من المسلَّمات الحوارية التي يتشاركها المتحاورون ويبنون عليها حواراتهم دون أن يصرِح بها أحد.
وحين تنكسر هذه المسلَّمة في نهاية الرواية وتخبر هتاف أباها بتركها دراسة الطب، يرد بما لم تكن تتوقعه: “على الرغم من أنكِ ستحرمينني من لقب والد الطبيبة، إلا أنني فخور بكِ يا بنتي“([84])،
هذا الملفوظ انكسار للصمت الأبوي الأعمق في الرواية، الأب الذي بنى كل شيء على رؤيته لهتاف يقر أخيرًا بحقها في رؤيتها لنفسها، وكان بإمكانه قول هذا منذ سنوات لو لم يكن حوار التحاشي قد أغلق الطريق أمام مثل هذا الاعتراف، الصمت الطويل لم يُلغِ المعنى بل راكمه حتى تفجر في لحظة كشف واحدة.
المبحث الخامس
الصمت بوصفه بنية كلية – إعادة تركيب النموذج
المباحث الأربعة السابقة حللت الصمت في سياقاته المختلفة: هوية أمجاد، وعلاقات هتاف وإلياس وأميرة، وحوارات العائلة، لكن ثمة سؤالًا ظل معلقًا: هل هذه الأنماط التسعة مجرد خصائص متفرقة في نص متنوع، أم أنها تنتظم في ما هو أعمق؟
يسعى هذا المبحث إلى الإجابة من موضع مختلف – لا بالنزول إلى تفاصيل جديدة بل بالصعود إلى مستوى أشمل، يثبت أن هذه الأنماط ليست متوازية بل متداخلة ومتغاذية، وأن الصمت في الرواية لا يعمل أداة أسلوبية بل يعمل نظامًا تواصليًا بديلًا يدير الرواية من الداخل، ثم يعيد تركيب النموذج كاملًا: من الصمت الفردي إلى البنية الكلية، ومن الإنسان الصامت إلى الرواية التي تصمت هي أيضًا في لحظاتها الأكثر صدقًا.
أولًا: كيف تتكامل الأنماط التسعة؟
ما يكشفه هذا المبحث هو أن الأنماط التسعة لا تعمل متوازية مستقلة بل هي مترابطة في نظام داخلي محكم تتغذى فيه الأنماط بعضها من بعض، صمت الهوية عند أمجاد (النمط الأول) يُنتج صمت الإكراه عليه (النمط السادس) حين يفرض الأب والمحيط الاجتماعي السكوت، وصمت التضحية الواعية عند أميرة (النمط الخامس) يُغذي صمت القوة الظاهري عند الأب (النمط الثالث) بتوفير الغطاء الأسري لقراراته، وصمت الكلام الذي لم يُقرأ (النمط الثامن) يتحول في الخاتمة إلى صمت الكارثة (النمط التاسع) حين يسبق الزلزال أي إجابة ممكنة.
وما يجمع هذه الأنماط في بنية واحدة هو الدافع المشترك الذي تقوم عليه جميعها: كلها تسعى إلى حفظ توازن هش يهدده الكلام الصريح، وهذا الاشتراك في الدافع العميق هو ما يجعل الصمت في الرواية بنية لا مجرد سمة عارضة.
وقد أشار فان دايك إلى أن الأنماط الخطابية المتكررة عبر سياقات مختلفة مؤشرات على بنى اجتماعية وثقافية عميقة يعيد النص إنتاجها([85])، وما تُعيد إنتاجه هذه الرواية هو نظام قيمي اجتماعي يجعل الصمت في مواضع كثيرة الطريق الوحيد الممكن للحياة.
ثانيًا: العلاقة البنيوية بين أنماط الصمت:
يمكن تصوير العلاقة البنيوية بين أنماط الصمت التسعة على النحو الآتي:
الأنماط الأربعة الأولى – صمت الهوية، وصمت الإحجام العاطفي، وصمت القوة، وصمت العجز – تمثل ما يمكن تسميته “الصمت الدفاعي”: وهو صمت يقوم على منطق الحماية والصون، الإنسان يصمت لأن الكلام سيعرضه أو يعرض من يحب لما لا يطاق.
أما الأنماط الثلاثة المتوسطة – صمت التضحية الواعية، وصمت الإكراه، وصمت المعروف – فتمثل “الصمت الإيثاري”: وهو صمت يقوم على منطق العطاء، بعضه مختار وبعضه مفروض، لكن كليهما ينتج معناه من التنازل عن الكلام لا من الاحتفاظ به.
والنمطان الأخيران – صمت الكلام الذي لم يقرأ، وصمت الكارثة – يمثلان “الصمت القسري”: وهو صمت لا يختار ولا يُفرض بإرادة بشرية بل يأتي من خارج حسابات الإنسان كلها.
وهذه التصنيفة الثلاثية ليست تقسيمًا تعسفيًا بل تعكس التطور البنيوي للرواية: تبدأ بصمت دفاعي يسعى الإنسان إلى إدارته، وتمر بصمت إيثاري يختاره بعضهم ثمنًا لحماية من يحبون، وتنتهي بصمت قسري يُسقط كل الحسابات ويترك الرواية معلقة في “ربما”.
ثالثًا: الحرب والكارثة بوصفهما ضاغطَيْن بنيويَّيْن:
الحرب في هذه الرواية فاعل نشط ينتج الصمت ويُطيله لا خلفية تزيينية للأحداث، أمجاد ذهب إلى أوكرانيا جزئيًا هربًا من ثقل الصمت المجتمعي، وبدأ علاجًا هرمونيًا كان يأمل أن يُنهي صمت هويته، ثم جاءت الحرب لتُسقط كل الخطط: “لم تهدم المدن على رؤوس أهلها فحسب، بل هدمت حياتي التي كانت تقترب من الانعتاق“([86]).
وهتاف لا تستطيع أن تعود بذاكرتها إلى أوديسا دون أن تنهار: “عادت الأصوات تطرق سمعي واضحةً تمامًا، أزيز الطائرات، ارتطام القذيفة بالشارع، عواء صافرات الموت“([87]).
هذا صمت الصدمة – صمت لا يُختار بل يُفرض حين تعجز اللغة المتاحة عن احتمال ما عاشه الإنسان، وقد وصف ريكور هذا النوع بـ “الصمت الإلزامي” المرتبط بتجارب تتجاوز طاقة التعبير اللغوي المتاح([88])، وقد اختارت هتاف تجنب الأخبار منذ عودتها – لا لأنها لا تريد المعرفة بل لأن المعرفة ستعيد الصدمة من حيث طردتها.
وتتجلى وظيفة الحرب البنيوية في رمزية الكتاب الذي يُهديه إلياس لهتاف بعد العودة: “رحلة إلى أرضروم” لبوشكين، وتقول هتاف في ومضة دالة عن ديوان الشعر الذي أحرقته في أوديسا دفئًا من البرد: “لأتبين فيما بعد أن الكتب عالم الآمنين، وأن الخائفين من الموت لا يقرؤون“([89])، الكتاب والصمت والحرب مترابطة في سلسلة دلالية واحدة: الحرب تجعل الكلام ترفًا وتحيل الكتب وقودًا للدفء، وتُسكت الأصوات التي كان يمكنها أن تقال في الأمان، ولهذا يأتي إهداء إلياس للكتاب بعد العودة حاملًا دلالة مضاعفة: إعادة الكلام إلى من سرقت الحرب منها مساحة الكلام.
رابعًا: الصمت والهوية – الإخفاء بوصفه صونًا للذات:
الصمت في الرواية يؤدي وظيفة هوياتية مزدوجة: يُخفي المعلومة ويثبت الصورة المرادة في آنٍ واحد، أمجاد حين يصمت عن هويته لا يخفي حقيقة بل يحمي تعريفه لنفسه بوصفه إنسانًا كاملًا لا مريضًا يستحق الشفقة ولا غريبًا يستوجب التفسير، وهتاف حين تصمت عن مشاعرها تحافظ على استقلالية موقفها العاطفي في لحظة هشاشة، والأب حين يُنهي الحوار بـ “كل شيء سيكون بخير” يحمي صورته بوصفه الرجل الذي يملك الحلول لا المشكلات، وأميرة حين تصمت عن خسارتها تصون كرامتها من الشفقة ومن عبء الحكاية.
التناقض بين الهشاشة الداخلية والتماسك الخارجي هو ما يمنح شخصيات الرواية عمقها الإنساني الحقيقي، وهو ما تصيبه أميرة إصابة وظيفية دقيقة في جملتها التي تصف بها أمجاد في لحظة انهياره: “أعلم أنها تبكي بلا دموع، وتصرخ دون صوت، وتحترق دون دخان“([90]).
ثلاثة أفعال تعبيرية في حالتها الفاعلة – البكاء والصراخ والاحتراق – ومعها ثلاثة انعدامات لوسائل الخروج – الدموع والصوت والدخان، الصمت هنا ليس فراغًا بل امتلاء محتقن يتجاوز طاقة القنوات التعبيرية المتاحة، وهو لهذا السبب مفتاح تأويلي للمفهوم المركزي في البحث كله.
خامسًا: الصمت والزمن – التعليق المقاوِم للإغلاق:
يعمل الصمت في الرواية وسيلة لمقاومة الإغلاق الزمني: فبدلًا من أن تُغلق اللحظة الكلامية لحظتها وتتحول إلى ماضٍ قابل للحكم عليه، يبقيها الصمت مفتوحة معلقة، وحين تقول هتاف “تلك صفحة طُويت“([91])، فهي تُعلن إغلاقًا يكذبه السياق كله: الكتاب لا يزال بين يديها، والاسم يعود في كل فقرة، هذا التناقض بين إعلان الإغلاق وحضور ما يغلَق يفسَّر في إطار نظرية الملاءمة بأن المعنى الحقيقي لا يقرأ في الجملة التي قيلت بل في المسافة بين ما قيل وما يجري فعلًا([92]).
وهذه الوظيفة التعليقية للصمت تتجلى في مستويات متعددة من الرواية: أمجاد لا يتخلص من هويته المكتومة بالصمت عنها، وهتاف لا تُلغي علاقتها مع إلياس بعدم ذكر اسمه، والعائلة لا تحل صراعاتها بتجاهلها، كل ما يفعله الصمت في هذه الحالات هو أنه يُبقي الزمن معلقًا، يمنع اللحظة من الانغلاق حتى يحين وقت انكسار الصمت.
سادسًا: الصمت والقارئ – المتلقي شريكًا في الإنتاج:
من أبرز ما يميز توظيف الصمت في هذه الرواية وظيفيًا أنه يحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل في إنتاج المعنى، فكل مرة يصمت النص عن شيء يجعل القارئ يبحث عنه بنفسه، يستعيد ما سبق ويستشرف ما سيأتي ويملأ الفجوة بفهمه الخاص وتجربته الإنسانية، وهذا ما تصفه نظرية الملاءمة بـ “المعالجة التأويلية النشطة”: المتلقي لا يستقبل المعنى بل ينتجه انطلاقًا من الإشارات التي يقدمها النص([93]).
وتتجلى هذه الوظيفة في ثلاثة صمتات للكاتبة ذاتها: الرواية لا تخبرنا بما كتبته هتاف في رسالتها الأولى لإلياس، ولا بمضمون الرسالة الثانية التي قرأها في الطائرة وابتسم، وهذان الصمتان يُبقيان فضاءً تأويليًا مفتوحًا يملؤه القارئ بما يناسب فهمه لكل شخصية، ثم يأتي الصمت الثالث والأثقل في السطر الأخير من الرواية: “ربما تعبر أمجاد كارثة الزلزال أيضًا وتنجو“([94]).
“ربما” – كلمة بنية صرفية واحدة تحمل قابلية تأويلية كاملة بسبب تعدد الاستدلالات الممكنة: لا يقين ولا إغلاق ولا راحة، وقد أشار إيكو في حديثه عن “العمل المفتوح” إلى أن النصوص الأدبية العميقة تترك فضاءات من عدم الاكتمال المقصود هي ما يجعلها تقرأ وتعاش جيلًا بعد جيل([95])، وهذه الرواية تنتهي بصمت – لا بكلام – وهو الاختيار الأكثر صدقًا لرواية جعلت الصمت لغتها الأصلية.
سابعًا: الصمت حين يهدد الحياة – البُعد الوجودي:
ثمة بُعد حضر بوضوح في الرواية لا تتناوله كثير من الدراسات التداولية: الصمت حين يبلغ ذروته قد يهدد الحياة ذاتها، وهذا ما تجسده لحظة إغماء أمجاد في مكتب زياد حين تتكشف أفكار الانتحار: “الله غفور رحيم، سيغفر لك قتل ما أراد له الحياة“([96]).
هذا الصمت في أشد صوره خطورة – لم يعد صمتًا عن الكلام بل صار قريبًا من صمت الحياة ذاتها، غير أن جواب أمجاد لإلياس يعيد تعريف الصمت من منظور مختلف: “لأنني اخترتُ أن أستسلم للقدر، عرفتُ أن الإيمان يقتل الخوف“([97]).
هذا الإيمان حول الصمت من حالة وجودية مهلِكة إلى صمود، والصمت القائم على الإيمان بُعد وجودي يتجاوز الأطر التداولية المعيارية ويُضيف إلى النموذج الذي بناه هذا البحث طبقة أخيرة تتعلق بعلاقة الإنسان بما هو أكبر منه، وهو ما يجعل البحث يقر بأن الظاهرة التي يحللها تتجاوز في بعض أبعادها الأدوات التداولية المتاحة.
الخاتمة:
لا تزعم هذه الخاتمة أنها ستقول ما لم يقل في المباحث الخمسة السابقة، لكنها ستقف عند ما أثبته البحث بوصفه حصيلة علمية لا مجرد استعراض لما مضى، وعند ما يفتحه من أسئلة لم تغلَق.
أولًا: ما يثبته هذا البحث:
يثبت هذا البحث أن الصمت في رواية “العبور على طائرة من ورق” ليس غيابًا للخطاب بل نمطًا تداوليًا مستقلًا يؤدي وظائف إنجازية كاملة: يدير العلاقات ويصون الهويات ويقاوم الزمن ويشرك القارئ في صنع المعنى، وهذا الإثبات لا يقوم على ملاحظات أسلوبية عابرة بل على تحليل تداولي منهجي وظف ثلاثة أطر نظرية متكاملة وطبقها على مادة نصية كاملة غير مجتزأة.
ويثبت البحث كذلك أن الأنماط التسعة المرصودة لا تعمل متوازية مستقلة بل تترابط في نظام داخلي تتغذى فيه الأنماط بعضها من بعض، وتنتظم في ثلاث مجموعات كبرى: الصمت الدفاعي، والصمت الإيثاري، والصمت القسري، وهذا التراتب البنيوي هو ما يجعل الصمت في الرواية نظامًا تواصليًا لا مجرد خاصية أسلوبية.
وفيما يخص النتائج التطبيقية تحديدًا: تبين أن صمت أمجاد لم يكن إخفاء لحالة طبية بل كان نظام وجود قائمًا على الصمود الإيماني، وأن جملته “عرفتُ أن الإيمان يقتل الخوف“([98]) تعيد تأطير كل ما سبقها في الرواية، وتبين أن الإحجام العاطفي بين هتاف وإلياس يُنتج من الحمولة الدلالية المتراكمة في مواضع الامتناع أكثر مما ينتجه الكلام الصريح، وأن الرسالة التي لم تقرأ في وقتها نموذج استثنائي لما يمكن تسميته “صمت المسافة الزمنية”، وتبين أن الصمت الأبوي حمل طبقة مضمرة من دوافع لم تعلَن طوال الرواية، مما يعيد تأطير مشاهد السلطة الأسرية كلها.
ثانيًا: ما يضيفه البحث للحقل التداولي:
يقدم هذا البحث إضافات محددة لحقل اللسانيات التداولية المطبقة على الأدب.
أولها اقتراح مفهوم “الفعل الكلامي السلبي” بوصفه أداة وصفية إجرائية تعبر عن الإحجام بوصفه موقفًا تواصليًا لا غيابًا عرضيًا للكلام، وقد اتسق توظيفه في المباحث الثلاثة التطبيقية، ويمكن اختبار صلاحيته في نصوص أخرى.
وثانيها اقتراح “حوار التحاشي” بوصفه نوعًا ثالثًا من الحوار يقع بين الحوار التعاوني والحوار التنافسي ويتميز بأنه ينتج دلالاته من التهرب المنظم لا من التعاون ولا من التنافس، وقد أثبتت المشاهد الأسرية أن هذا النوع من الحوار يؤدي وظائف اجتماعية حقيقية، إذ يُبقي التوازن الأسري مع إنتاج صراع مضمر يتراكم حتى ينفجر.
وثالثها الإثبات بالتطبيق الفعلي لا بالادعاء النظري أن الجمع بين نظرية الملاءمة وأفعال الكلام ومفاهيم التأدب اللغوي ينتج تحليلًا أكثر شمولًا من الاكتفاء بأداة نظرية واحدة، فكل إطار أضاف بُعدًا لم يكن الإطاران الآخران يكفيان لتغطيته.
ثالثًا: حدود البحث ومسارات الدراسة المستقبلية:
لا يستقيم بحث علمي دون أن يُقر بحدوده، وهذا البحث يُقر بثلاثة حدود.
أولها أن البنية الزمنية المتقطعة في السرد وعلاقتها بالصمت تستحق مقاربة سردية مستقلة، فتقطع الذاكرة عند الشخصيات يُنتج هو ذاته نوعًا من الصمت لم يتوقف عنده البحث.
وثانيها أن توظيف مفاهيم بتلر حول الهوية المُؤدَّاة سيثري تحليل صمت الهوية عند أمجاد بأبعاد جندرية لم يتناولها هذا البحث.
وثالثها غياب المقارنة المنهجية مع نصوص روائية عربية أخرى توظَّف فيها بنية الصمت، وهو غياب يشكل مسارًا بحثيًا مفتوحًا يستحق الدراسة.
ومن أبرز المسارات البحثية المستقبلية المقترحة: دراسة الصمت في الرواية النسائية العربية المعاصرة دراسة مقارنة تحدد ما إذا كان ما رصده البحث سمة فردية أم جيلية أم ثقافية أوسع، وتوظيف المنهج التداولي في أدب الحرب والتهجير بوصفه خطابًا ينتج الصمت بنيويًا، وتحليل صمت الهوية المغايرة في الأدب العربي المعاصر من منظور التداولية الاجتماعية.
في آخر صفحة من الرواية، حين لا يجيب هاتف أمجاد ولا أحد يعرف ما جرى له في كارثة الزلزال، تقول هتاف: “ربما تعبر أمجاد كارثة الزلزال أيضًا وتنجو“، “ربما” – كلمة واحدة تختتم بها الرواية، لا يقين ولا إغلاق، وهذا هو جوهر ما قالته الرواية كلها عن الصمت: أن الإنسان يعيش في “ربما”، في المساحة بين ما يعرفه وما لا يقال، بين ما يريده وما يجرؤ على طلبه، بين الكلام الذي يخيفه والصمت الذي يرهقه.
والباحث الذي يريد أن يفهم هذا العالم لا يكفيه أن يقرأ ما قيل، عليه أن يتعلم قراءة ما لم يقل.
قائمة المصادر والمراجع
ابن سباع، محمد، تحولات الفينومنولوجيا المعاصرة – بونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر، ط1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2015م.
ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط٣، ١٤١٤هـ.
إمام، عبد الفتاح إمام، دراسة فلسفية في معاني الصمت، المجلة العربية للعلوم الإسلامية، ع86/22، 2004م.
أوستن، جون، كيف ننجز الأشياء بالكلمات، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٨م.
آيت أوشان، علي، السياق والنص الشعري: من البنية إلى القراءة، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٠م.
إيكو، أمبرتو، التأويل بين السيميائية والتفكيكية، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٠م.
باريت، هيرمان، السيميائية والتداولية، ترجمة وتلخيص: سعيد الغانمي، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي، جدة، مج١١، ع٤١، ٢٠٠١م.
بلانشيه، فيليب، التداولية من أوستن إلى غوفمان، ترجمة: صابر الحباشة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط١، ٢٠٠٧م.
بلخير، عمر، تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط٢، ٢٠٠٣م.
بوجادي، خليفة، في اللسانيات التداولية، بيت الحكمة، الجزائر، ط١، ٢٠٠٩م.
جاكوبسون، رومان، الخطاب الشعري، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط١، ١٩٩٣م.
الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، ط٣، ١٩٩٢م.
حسان، تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، عالم الكتب، القاهرة، ط٥، ٢٠٠٦م.
حمراوي، محمد، نظرية التأدب في اللسانيات، اللغة والإعلام والمجتمع، 2022م.
خضرة، زكريا محمد، صلاحية السكوت للتعبير عن القبول وأثره على التعاقد (دراسة مقارنة)، دار الجنان للنشر والتوزيع، 2017م.
خطابي، محمد، لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط٢، ٢٠٠٦م.
رضا، عباس محمد. مفتن، مهدي عبد الأمير، مصطلح الصمت، مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، جامعة بابل، ع24، مج7، 2015م، ص2011، 2013.
ريكور، بول، الذاكرة والتاريخ والنسيان، ترجمة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط١، ٢٠٠٩م.
سبيربر، دان وويلسون، دردري، الملاءمة: التواصل والإدراك، ترجمة: سعيد الغانمي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط١، ٢٠١٥م.
السعود، زينب، العبور على طائرة من ورق، (الطبعة الأولى).
سيرل، جون، أفعال الكلام: بحث في فلسفة اللغة، ترجمة: محمد الشيباني، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٩٤م.
صحراوي، مسعود، التداولية عند العلماء العرب: دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي، دار الطليعة، بيروت، ط١، ٢٠٠٥م.
صولة، عبد الله، الحجاج في القرآن الكريم من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، دار الفارابي، بيروت، ط٢، ٢٠٠٧م.
عودة، عبد عودة عبد الله، الاتصال الصامت وعمقه التأثيري في الآخرين، في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، مجلة المسلم المعاصر، ص112، مصر، 2004م.
غرايس، بول، المنطق والمحاثة، ترجمة: محمد الشيباني وسيف الدين دغفوس، ضمن: إطلالات على النظرية اللسانية والدلالية في النصف الثاني من القرن العشرين، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”، ط١، ٢٠١٢م.
فان دايك، تون، النص والسياق: استقصاء في البنية الدلالية للخطاب، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٠م.
فتغنشتاين، لودفيغ، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة: عزمي إسلام، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط١، ٢٠٠٨م.
فوكو، ميشيل، نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، ط٢، ٢٠٠٧م.
معجم اللغة العربية المعاصر، مكتبة الشروق الدولية، مصر، 2022م، ص542.
يول، جورج، التداولية، ترجمة: قصي العتابي، دار الأمان، الرباط، ط١، ٢٠١٠م.
([1]) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، ط٣، ١٩٩٢م، ص١٤٦.
([2]) عبد الله صولة، الحجاج في القرآن الكريم من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، دار الفارابي، بيروت، ط٢، ٢٠٠٧م، ص٢١٨.
([3]) ينظر: مقال نقدي في رواية “العبور على طائرة من ورق”، منشور على شبكة الإنترنت، [د.ت].
([4]) زينب السعود، العبور على طائرة من ورق، الآن ناشرون وموزعون، ط١، ٢٠٢٤م، ص158.
([5]) ينظر: مراجعة نقدية للرواية، منشورة على شبكة الإنترنت، [د.ت].
([6]) جون أوستن، كيف ننجز الأشياء بالكلمات، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٨م، ص٤٢.
([7]) دان سبيربر ودردري ويلسون، الملاءمة: التواصل والإدراك، ترجمة: سعيد الغانمي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط١، ٢٠١٥م، ص٩٦.
([8]) ينظر: محمد حمراوي، نظرية التأدب في اللسانيات، اللغة والإعلام والمجتمع، ٢٠٢٢م، ص١٢.
([9]) الجرجاني، دلائل الإعجاز، المصدر السابق، ص١٤٦.
([10]) محمد خطابي، لسانيات النص، المصدر السابق، ص٩٢.
([11]) صولة، الحجاج في القرآن الكريم، المرجع السابق، ص٢١٨.
([12]) ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط٣، ١٤١٤هـ، 2/54، معجم اللغة العربية المعاصر، مكتبة الشروق الدولية، مصر، 2022م، ص542.
([13]) ينظر: عباس محمد رضا، مهدي عبد الأمير مفتن، مصطلح الصمت، مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، جامعة بابل، ع24، مج7، 2015م، ص2011، 2013.
([14]) عبد الفتاح إمام، دراسة فلسفية في معاني الصمت، المجلة العربية للعلوم الإسلامية، ع86/22، 2004م، ص69، 89.
([15]) ينظر: عبد الله عودة، الاتصال الصامت وعمقه التأثيري في الآخرين، في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، مجلة المسلم المعاصر، ص112، مصر، 2004م، ص1، 41.
([16]) محمد ابن سباع، تحولات الفينومنولوجيا المعاصرة – بونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر، ط1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2015م، ص242، زكريا محمد خضرة، صلاحية السكوت للتعبير عن القبول وأثره على التعاقد (دراسة مقارنة)، دار الجنان للنشر والتوزيع، 2017م، ص9.
([17]) ينظر: خطابي، لسانيات النص، ص ٢١.
([18]) الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص ١٤٦.
([19]) ينظر: بول غرايس، المنطق والمحاثة، ترجمة: محمد الشيباني وسيف الدين دغفوس، ضمن: إطلالات على النظرية اللسانية والدلالية في النصف الثاني من القرن العشرين، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”، ط١، ٢٠١٢م، ص ٦٢٤.
([20]) ينظر: مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة، بيروت، ط١، ٢٠٠٥م، ص 36-44.
([21]) ينظر: دان سبيربر، ولورانس هيرشفيلد، الأسس المعرفية للاستقرار الثقافي والتنوع، اتجاهات في العلوم المعرفية، (نظرية الصلة)، في هورن، إل آر وورد، جي (محرران) 2004 دليل البراغماتية. أكسفورد: بلاكويل، 607-632.
([22]) ينظر: جون أوستن، كيف ننجز الأشياء بالكلمات، ص ٦٩، ٨١.
([23]) ينظر: جون سيرل، أفعال الكلام: بحث في فلسفة اللغة، ص ٥٤–٦٦؛ فيليب وبلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، ترجمة: صابر الحباشة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط١، ٢٠٠٧م، ص ٦٦.
([24]) ينظر: حمراوي، نظرية التأدب في اللسانيات، ص131، 140. https://aleph.edinum.org/536
([25]) عبد الله صولة، المرجع السابق، ص ٢١٣.
([26]) محمد خطابي، لسانيات النص، ص ١٤.
([27]) الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص ١٤٦.
([28]) ينظر: تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، عالم الكتب، القاهرة، ط٥، ٢٠٠٦م، ص ٢٣٣–٢٥١.
([29]) ينظر: خطابي، لسانيات النص، ص ٩٧–١١٣.
([30]) زينب السعود، العبور على طائرة من ورق، ص ١٤٩.
([31]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٥٢.
([32]) ينظر: سبيربر وويلسون، الملاءمة، From Wikipedia, the free encyclopedia
([33]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٠٣.
([34]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٦٥.
([35]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٥٦.
([36]) ينظر: جون سيرل، أفعال الكلام: بحث في فلسفة اللغة، المرجع السابق، ص ٥٤–٦٦؛ ومسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب، المرجع السابق، ص ٨٢–١٠٠.
([37]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٦٢.
([38]) ينظر: بول غرايس، المنطق والمحاثة، المرجع السابق، ص ٦٢٤–٦٣٠.
([39]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٦٢.
([40]) ينظر: سبيربر وويلسون، الملاءمة، ص ١٣١.
([41]) زينب السعود، المصدر السابق، ص35.
([42]) ينظر: جون سيرل، أفعال الكلام، ص ٥٤–٦٦؛ فيليب بلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، المرجع السابق، ص ٦٦.
([43]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٣٣.
([44]) ينظر: سبيربر وويلسون، الملاءمة، From Wikipedia, the free encyclopedia
([45]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٦٣.
([46]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٠٣.
([47]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٥٨.
([48]) زينب السعود، العبور على طائرة من ورق، ص ١٧.
([49]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١١.
([50]) ينظر: سبيربر، الملاءمة، From Wikipedia, the free encyclopedia
([51]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٣٨–٣٩.
([52]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٤١.
([53]) ينظر: جون سيرل، أفعال الكلام، المرجع السابق، ص ٥٤–٦٦؛ فيليب بلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، المرجع السابق، ص ٦٦.
([54]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٤٦.
([55]) ينظر: خليفة بوجادي، في اللسانيات التداولية، ص ١٢٢–١٢٦.
([56]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٨٦.
([57]) ينظر: بول غرايس، المنطق والمحاثة، المرجع السابق، ص ٦٢٤–٦٣٠؛ جورج يول، التداولية، ترجمة: قصي العتابي، دار الأمان، الرباط، ط١، ٢٠١٠م، ص ٥٢–٥٦.
([58]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢١٨.
([59]) ينظر: رومان جاكوبسون، الخطاب الشعري، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط١، ١٩٩٣م، ص ١٤٥–١٥٠؛ وللنص الأصلي: Jakobson, R., Closing statement: Linguistics and poetics, in T. Sebeok (Ed.), Style in language, MIT Press, 1960, p. 353.
([60]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢١٨.
([61]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١١٦.
([62]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٦.
([63]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٣٠–٢٣١.
([64]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٣٥.
([65]) ينظر: خليفة بوجادي، في اللسانيات التداولية، ص ١٢٤.
([66]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٣٥.
([67]) ينظر: فان دايك، النص والسياق: استقصاء في البنية الدلالية للخطاب، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٠م، ص ١١.
([68]) ينظر: هيرمان باريت، السيميائية والتداولية، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي، جدة، مج١١، ع٤١، ٢٠٠١م، ص ٢٣٠–٢٣٥؛ وللنص الأصلي: Parret, H., Semiotics and pragmatics, John Benjamins, 1983, p. 45.
([69]) ينظر: ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، ط٢، ٢٠٠٧م، ص ٢١–٣٠.
([70]) زينب السعود، العبور على طائرة من ورق، ص ١٨.
([71]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٩.
([72]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٠.
([73]) ينظر: جون سيرل، أفعال الكلام: بحث في فلسفة اللغة، المرجع السابق، ص ٥٤–٦٦؛ مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب، المرجع السابق، ص ٨٢–١٠٢.
([74]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٠.
([75]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٠.
([76]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٦٦.
([77]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٦٧.
([78]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٦٦–٦٧.
([79]) ينظر: خليفة بوجادي، في اللسانيات التداولية، المرجع السابق، ص ١٢٨–١٣٠.
([80]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٣٤.
([81]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٣٥.
([82]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٣٤.
([83]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٠.
([84]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٧٩.
([85]) ينظر: فان دايك، النص والسياق، المرجع السابق، ص ٣٦.
([86]) زينب السعود، العبور على طائرة من ورق، ص ١٥٨.
([87]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٦٣.
([88]) ينظر: بول ريكور، الذاكرة والتاريخ والنسيان، ترجمة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط١، ٢٠٠٩م، ص ٨٥–٩٢.
([89]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٦.
([90]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٠٣.
([91]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٧.
([92]) ينظر: سبيربر، الملاءمة، From Wikipedia, the free encyclopedia
([93]) ينظر: سبيربر وويلسون، المرجع السابق، ص ٥٨؛ خليفة بوجادي، في اللسانيات التداولية، المرجع السابق، ص٨٩–٩٦.
([94]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ٢٨١.
([95]) ينظر: أمبرتو إيكو، التأويل بين السيميائية والتفكيكية، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط١، ٢٠٠٠م، ص ٢٢–٣٠.
([96]) زينب السعود، المصدر السابق، ص ١٩٤.


