“عائد من نتساريم”: أدب الجرح في مواجهة الفناء

“عائد من نتساريم”: أدب الجرح في مواجهة الفناء


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    تأتي المجموعة القصصية “عائد من نتساريم” للكاتب عبد الكريم أبو مصطفى (الآن ناشرون وموزّعون/ عمّان 2026) بوصفها صرخة أدبية مكثفة، تولد من قلب المأساة الغزية لتؤرخ للحظة الوجودية الأكثر قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
    تتفرع المجموعة إلى نصوص قصصية قصيرة، يمكن اعتبار كل منها وحدة سردية تتناول جوانب مختلفة من رحلة النجاة اليومية؛ حيث يتصدر “الطريق” المشهد كبطل غائب حاضر، عبر تتداخل الأحداث المحورية حول رحلة البحث عن “الخبز” مثلاً بوصفه قوام الحياة، لتتحول خطوات الشخوص إلى قرارات تتقاذفها احتمالات الموت في كل لحظة، إذ إن السرد هنا لا يروي حكاية بطولة كلاسيكية، بل يدون ساعة الصفر في حياة أناس عاديين يجدون أنفسهم في فخاخ الرصاص، حيث يصبح التردد مخاطرة، والعودة إلى البيت بلا طحين هزيمة أكبر من الموت نفسه.
    تتجلى في “نتساريم: طريق لا يشبه العودة”، ومن خلال مجموعة قصصها، فكرة الرحلة التي تحول هوية الناجي إلى مسخ، حيث تتحول “نتساريم” من مجرد ممر جغرافي إلى مطحنة تترك في الروح ذاكرة أثقل من الجسد.
    وفي “الهش الذي أنقذني”، تتحول البراءة إلى دافع للنجاة، حيث تحلل النصوص المجتمعة في إطار هذه الوحدة السردية، كيف يتحول الأب إلى كائن هش يدفع ضريبة بقائه كأب عبر تضحيات جسدية مؤلمة في غابة من الوحوش.
    أما “الذي خرج ولم يعد”، فتغوص عبر قصصها، في الفقد المفتوح، وتوثق قسوة الغياب الذي يذيب الحدود بين الموت والاختفاء، محولةً انتظار الأم إلى تساؤل يحرق القلب.
    وتجسد وحدة “الممر الذي لا يرحم” إرادة الحياة عبر شخصيات، ومن بينهم “صابرين” التي تحوّل الرحمة إلى فعل مقاوم تحت فوهات الدبابات، بينما تركز “من أجل خبز للبنات” كوحدة سردية على التراجيديا الفردية لمن يختزلون المأساة في مفارقة مؤلمة، كما في حال “حسام”: أب يموت وهو يحاول منع الموت عن أبنائه، أما في “يد صغيرة في محور الموت”، فتبرز يد الطفل “محمود” كرمز للفقد المطلق، حيث يتحول جهده البريء من أجل الدفء إلى ذكرى محفورة بالدم تندد بسرقة المستقبل.
    وتنتقل “شبكة البحر والرصاص” لتكشف كيف طاردت آلة الحرب “حسن” الصيّاد في ملاذه الأخير، محولةً شبكته إلى شاهد على جريمة استهدفت الحياة في أبسط صورها.
    و”في ظلال نتساريم”، يتحوّل الظلام إلى استراتيجية قتل ممنهجة، حيث يوظف الكاتب تلاعب الاحتلال بالضوء والرسائل الرقمية ليحول مراكز المساعدات إلى أفخاخ استدراج.
    وأخيراً، توثق “خط الجثث” الواقع الكارثي للقطاع، منتقلةً من السرد الشخصي إلى توثيق الوحشية، لتختتم المجموعة بالتأكيد على أن البقاء في “نتساريم” ليس سوى معجزة يومية في ممر صار عنواناً للفناء.
    وتتميز شخوص المجموعة بكونها واقعية تعاني من أثقال لا تظهر على الأجساد فقط، بل في الذاكرة والوجدان، ففي “ثلاثة أمتار من العجز”، يجسد “عماد” دلالة السقوط الذي لا يراه أحد؛ سقوط الجسد في حفرة الغياب، وسقوط الروح أمام سؤال أطفاله عن الطعام.
    وهذه الشخوص ليسوا أبطالاً خارقين، بل نماذج لأناس عاديين صهرهم التعب والهم اليومي، فكل نص يروي قصة إنسان يرفض أن يتحول إلى مجرد رقم على الشريط الإخباري، إذ تتسم هذه الشخصيات بالصمت، الذي ليس علامة ضعف، بل فعل شجاع في مواجهة الوحشية التي تحاول تجريدهم من آدميتهم.
    واتجه أبو مصطفى إلى استخدام لغة مباشرة وموجزة تبتعد عن الزخارف اللفظية، ما يعزز من وتيرة السرد السريعة التي تتماشى مع إيقاع الحرب والتهديد المستمر، إذ يوظف اختزالاً لافتاً في الجمل النثرية، لتترجم اللغة المشاعر العميقة بأقل الكلمات، ما يضع القارئ في مواجهة عارية مع الفاجعة.
    وتبرز في تقنيات سرد المجموعة، الانتقال بين التوثيق الوجداني والوصف الحسي الدقيق للحظات الرعب، خاصة في تلك المشاهد التي يسبق فيها الضوء الصوت، أو حين تتحول الطبيعة، مثل البحر أو الرمل، إلى أدوات تهديد صامتة.
    وتمثّل مجموعة “عائد من نتساريم” بالمجمل انتصاراً للكتابة على المحو؛ فهي ليست مجرد قصص عن الموت، بل شهادة على استراتيجيات الصمود في جحيم الأرض، حيث تميزت المجموعة بمضامينها التي انحازت للإنسان الفرد ضد الوحشية العمياء، وبشكلها الذي زاوج بين التوثيق الإنساني والجمال الأدبي المتقشف، علاوة على كونها دعوة صادقة لمشاركة هؤلاء البسطاء رحلتهم، ليس من أجل التعاطف العابر، بل لفهم كيف يصوغ الإنسان أبجديته الخاصة من قلب الحصار، في عمل أدبي يشكل وثيقة أخلاقية تضع القارئ أمام مسؤولية التأمل في معنى الحياة حين تصبح الخطوة الواحدة حداً فاصلاً بين البقاء والفناء.

    (بديعة زيدان، صحيفة الأيام، 11/8/2026).