قراءة في مجموعة “أهرب من ظلي” للكاتب والقاص: موسى إبراهيم أبو رياش

قراءة في مجموعة “أهرب من ظلي” للكاتب والقاص: موسى إبراهيم أبو رياش


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    في مجموعته القصصية “أهرب من ظلي” الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن، يقدم القاص موسى أبو رياش الأنا في صورة بانورامية تبدو متعددة وكثيرة في قصص المجموعة الخمسة عشر لكنها في الحقيقة أنا واحدة تناوبت على حمل ثيمات قصص كتب بعضها على فترات متباعدة ونشر في منصات ثقافية مختلفة، فلا رابط زمني ظاهري يربطها، بل لم يعد الزمن في هذه المجموعة يؤدي دورا حقيقيا في ظل اندغامه التام بالذات الساردة في القصة حيث لا أهمية لعنصر الزمن أمام عنصر الذات المثقلة التي تدور في متاهة كأن بوصلتها معطلة .في هذه المجموعة لا تركض الذات من عدو خارجي بل من نسختها، يبدو الإنسان “الأنا” في هذه المجموعة مترنحا تحت وطأة العزلة تارة التي تجعله كائنا مهمشا إلى أبعد حد، أو في صراع داخلي مع نفسه وانثيالاتها غير المتوقفة التي أجبرت الزمان والمكان في قصص المجموعة على الاتساع ليحمل وحشة الشعور لأبطال القصص. فبين القصة الأولى “انهيار” والقصة الأخيرة “شاهد عيان” في مجموعة أبو رياش “دور بطل القصص مع رحى الحياة التي تبدأ بانهيار طمأنينة الذات والتباس الحقائق عليها لتوصم بالجنون والخروج عن العقل في عالم يغمض عينيه عما يحدث فيه من تداع لقيم الإنسانية، ليدخل في دائرة “مؤامرة” على كيانه ووعيه ، ولا يلبث البطل الذي يتنقل في قصص المجموعة كأنه الشخص ذاته يدخل مع القصة الخامسة في”متاهة” لا يدري معها كنه الزمان أو المكان حتى ظن أنه ربما خرج من الدنيا إلى الآخرة وهكذا تبقى قصص المجموعة تلامس إنسان هذا العصر وتكشف تشظي روحه وأسئلته الباحثة عن طريق للنجاة. والقصة القصيرة بوصفها فن التكثيف والتقاط اللحظة، قادرة على تتبع عوالم النفس وخلق عالم للأنا قائما بذاته يهدف إلى إحداث الأثر وتتبعه بعدد محدود ومدروس من الكلمات، لذلك نجد قصص المجموعة تكاد تخلو من الحشو والإطالة غير الموظفة.

    أما على المستوى الفني فلغة القاص أبو رياش تجمع بين الشاعرية المكثفة والواقعية الملامسة لتفاصيل اليومي والإنساني في دوامة الحياة، فكل كلمة لها وزن وكل جملة تخدم البناء الدرامي بعيدا عن الاستطراد والاسهاب. وتتسم قصص المجموعة بتناسق ثيمتها ومعالجة ثنائية الهروب والمطاردة ومحاولات النجاة من خلال استنطاق المألوف وتحويل التفاصيل الصغيرة مثل مشهد على الشرفة أو حلم أو عابر سبيل إلى رمز إنساني أصيل ، فعزلة البطل في القصص تنتج مستوى من الخلاص والانعتاق نتيجة الأنا الواعية التي خاضت معاركها وانسلت منها بخفة كما في قصة “انهيار” و”كش مات” و”جمرة في الجيب”.

    اعتمدت معظم القصص على النهايات المفتوحة كبناء فني، وهذا يترك القارئ عادة في حيرة وارتباك، ولكن في قصص هذه المجموعة تبدو النهايات منطقية أكثر، إذ كيف للقاص أن يفتعل نهاية مسلسلاتية لسرد يعرض أثر التحولات الاجتماعية والفكرية والسياسية على الفرد؟
    يختتم موسى أبو رياش مجموعته القصصية بقصة معنونة بـ”شاهد عيان” حيث تبرز ثنائية الصدق والكذب، مقابل روابط العاطفة، فأم علي في القصة شخصية مبنية على صراع داخلي مؤلم بين وصفها في الحي بـ”الحقانية” وبين علاقتها مع ماجد الذي هو بمثابة ابنها. تطرح هذه القصة سؤالا فلسفيا وأخلاقيا صعبا: ماذا نفعل عندما يخطئ من نحبهم خطأ فادحا؟ وكيف يوازن الإنسان بين ولائه للأخلاق أو العاطفة وهكذا تهرب أم علي من ظلال الحقيقة وشهادتها بالحق لتخلق القصة توترا دراميا يظهر جانب الضعف في أكثر الشخصيات افتراضا للنزاهة والعدالة.
    ختاما، تطرح مجموعة “أهرب من ظلي” لموسى أبو رياش سؤالا عميقا عن جدوى الهروب، بل عن مشروعيته وعدالته أيضا، وهي محاولة سردية لنزع القناع عن الذات الإنسانية في مواقف تبدو معتادة، لتنقلنا قصص المجموعة من ضجيج العالم الخارجي إلى ضجيج عالم الأنا والفرد حيث مهما حاول المرء أن يهرب من مواجهته مع عالمه الداخلي ومخاوفه المضطردة وظلاله سيلتقي رغما عنه بظله الملتصق به في محاولاته لمواجهة مأزق الهروب.

    قراءة زينب السعود عن المجموعة القصصية “أهرب من ظلي” للكاتب والقاص: موسى إبراهيم أبو رياش
    (جريدة الدستور، الأربعاء 15/7/2026).