«هل مدرستك جيّدة؟».. إعادة تعريف المدرسة بوصفها مجتمعاً حياً لا مجرد قاعة دراسية

«هل مدرستك جيّدة؟».. إعادة تعريف المدرسة بوصفها مجتمعاً حياً لا مجرد قاعة دراسية


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    يطرح كتاب «هل مدرستك جيّدة؟» للمؤلفين نيل بوستمن وشارل وينجارتنر، وترجمة حسني عايش، سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يمسّ جوهر العملية التعليمية: ما الذي يجعل المدرسة جيّدة فعلاً؟ وكيف يمكن أن تتحول من مجرد فضاء لتلقين المعلومات إلى مجتمع متكامل يبني المعرفة ويغرس القيم ويؤهل الطلبة لمواجهة الحياة؟

    الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» في 82 صفحة من القطع المتوسط، لا يقدم وصفات جاهزة للإصلاح، بل يفتح باباً واسعاً للمراجعة والتأمل في دور المدرسة والممارسات التعليمية المعتمدة. يبدأ المؤلفان باستعراض تاريخ طويل من الشكوى والتذمر من المدرسة، ويشرحان أن كل جيل تقريباً شعر بأن المدرسة لا تواكب عصره، أو أنها تقصّر في إعداد الطلبة للحياة. لكنه لا ينظر إلى هذا التذمر بوصفه أزمة، بل علامة وعي وفرصة لإعادة التفكير في بنية المدرسة وأهدافها.

    ويرى الكتاب أن المدارس التي تطورت هي تلك التي تعاملت مع النقد بوصفه فرصة للمراجعة، لا تهديداً للسلطة، فالنقد هنا ليس هدماً، بل بداية لإصلاح داخلي يعيد ترتيب الأولويات ويطرح أسئلة جوهرية حول طرق التدريس ومحتوى المناهج وأدوار المعنيين بالعملية التعليمية.

    وفي قلب رؤيته، يتجاوز الكتاب الفهم التقليدي للمدرسة كمكان لنقل المعرفة، ليطرحها بوصفها مجتمعاً مصغّراً تتقاطع فيه أدوار المعلمين والطلبة والإدارة وأولياء الأمور، وتتشكل فيه أنماط من العلاقات والقيم والسلوكيات. فالمدرسة الجيدة، بحسب المؤلفين، ليست مجرد مساحة لتلقين المعلومات، بل بيئة تفاعلية تُبنى فيها المعرفة عبر الحوار والمشاركة، وتصبح العملية التعليمية شبكة من التفاعلات التي تتأثر بثقافة المجتمع وتؤثر فيه في الوقت نفسه.

    ويضع المؤلفان مجموعة من المعايير التي تحدد المدرسة القادرة على أداء دورها بفاعلية، منها: تنظيم الوقت والأنشطة بما يخلق بيئة تعلم محفزة، واختيار محتوى معرفي وسلوكي يتوافق مع حاجات الطلبة ومتطلبات العصر، وإعادة تعريف دور المعلم كميسر للتعلم ومنسق للتجربة التعليمية لا مجرد سلطة عليا، وتعزيز التعاون بين الطلبة بدل التنافس الفردي، وإشراك الطلبة في بعض جوانب اتخاذ القرار داخل المدرسة لتعزيز شعورهم بالمسؤولية والانتماء.

    ويستند الكتاب إلى أبحاث تربوية تؤكد أن التعلم يصبح أعمق وأكثر استدامة حين يشارك الطلبة أنفسهم في صياغة خبراتهم التعليمية، وحين تنفتح المدرسة على المجتمع المحلي بدل أن تبقى معزولة عنه. فالمدرسة ليست بنية ثابتة، بل كيانا حيا وقابلا لإعادة التنظيم والتطوير، بدءاً من اليوم الدراسي وطبيعة العلاقة بين المعلم والطالب، وصولاً إلى فلسفة المؤسسة التعليمية نفسها.

    ويشير الكتاب إلى أن المدرسة التي تكتفي بتعديل المناهج دون مراجعة ثقافتها الداخلية، أو بإدخال تقنيات حديثة دون تغيير الأدوار والعلاقات، تبقى أسيرة الشكل التقليدي مهما بدت محدثة، مؤكداً أن إعادة تعريف المدرسة تتطلب مقاربة شاملة تشمل الهيكل، والثقافة، والممارسة اليومية، والقيم التي تنقلها.

    «هل مدرستك جيّدة؟» ليس عنواناً استفهامياً فقط، بل أداة مساءلة للمعلمين والإداريين وأولياء الأمور وصنّاع القرار، تدعو إلى النظر إلى المدرسة بوصفها فضاء حياً يتشكل باستمرار عبر الممارسة اليومية، وليس مجرد شعار أو اختبارات ونتائج. وفي نهاية المطاف، يضع الكتاب القارئ أمام حقيقة أساسية: جودة المدرسة لا تُقاس فقط بنتائج الامتحانات، بل بقدرتها على إعداد أفراد قادرين على التفكير، والمشاركة، وتحمل المسؤولية داخل مجتمعهم.

    ويترك الكتاب القارئ مع سؤال محوري: هل نحن مستعدون لإعادة تعريف ما نريده من المدرسة وما نتوقعه منها؟ أم سنظل أسرى للشكل التقليدي رغم تغيّر العالم من حولنا؟ في هذا السياق، تصبح المدرسة أكثر من مجرد مكان للتعليم، فهي تجربة حياتية متكاملة، تُعنى ببناء الإنسان وتشكيل وعيه، وتعكس ثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه.

    ومن الجدير ذكره أن حسني عايش من مواليد مدينة طولكرم في العام 1933، وهو تربوي حاصل على شهادات جامعية في مجموعة من التخصصات آخرها من جامعة ميشيجن الحكومية في أيست لاسنج في أمريكا، وله العديد من المؤلفات منها: “أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية”، و”البقاء في عالم متغير”، و”الديموقراطية هي الحل”، والعديد من المقالات والدراسات المنشورة في صحف أردنية وعربية.