مرآة النقد

«حتف العقارب» حين تكتب الروائيةُ النرجسيَّ من مسافة صفر

إيرك فروم: «النرجسي يرى العالم مرآةً له، فإن لم يرَ فيها صورته، ظنَّ أن المرآة مكسورة»إن التناول الروائي للشخصيات المضطربة نفسيا ليس أمرا يسيرا، لأنه يتطلب معرفة دقيقة بالبنية النفسية للشخصية، وأسباب تشكلها، وآليات تفكيرها، وانعكاس اضطراباتها على علاقتها بالآخرين، فالدخول إلى هذا العالم المعقد لا ينجح فيه السرد بالخيال وحده، بل يحتاج إلى قدرة عميقة على الفهم النفسي والتشريح الإنساني، ولهذا ظلت الروايات التي تقترب من الأمراض والاضطرابات النفسية الحادة أكثر قدرة على إثارة القارئ واستفزازه فكريا وعاطفيا، لأنها تغوص في المناطق المعتمة من النفس البشرية، وتكشف ما يختبئ خلف الأقنعة الاجتماعية من هشاشة وتشوهات وصراعات داخلية.ومن أصعب التحديات في الكتابة الروائية أن ينجح الكاتب في التقمص النفسي لشخصية تنتمي إلى الجنس الآخر، لا بوصفها هيئة خارجية فقط، بل بوصفها وعيا كاملا له منطقه الداخلي وهواجسه وتناقضاته، وقد عرف الأدب نماذج مدهشة لروائيات استطعن الاقتراب عميقا من العالم النفسي للرجل، كما فعلت أحلام مستغانمي في ذاكرة الجسد حين كتبت شخصية «خالد» بوعي ذكوري شديد الإقناع، وكذلك فرجينيا وولف في تقديمها شخصيات رجالية مأزومة ومتشظية نفسيا.وفي المقابل، استطاع بعض الروائيين الرجال أيضا تقديم شخصيات نسائية خالدة بعمق إنساني لافت، كما فعل غوستاف فلوبير في "مدام بوفاري"، حتى قال عبارته الشهيرة: "مدام بوفاري هي أنا"، في إشارة إلى ذوبانه الكامل...

متاهة الهوية والحب تحت القصف في رواية: أنا لست يحيى السنوار للروائية الفلسطينية: سماح خليفة

تمهيد: حين يصبح الاسم نعمة ونقمة: في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع المصير، وتتشابك فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، تأتي رواية "أنا لستُ يحيي السنــوار" للكاتبة الفلســطينية سماح خليفة لتقدّم عملاً أدبياً فريداً، يتجاوز كونه مجرد سرد روائي، ليصبح وثيقة إنسانية بامتياز. فالرواية، الصادرة عام 2026، ليست مجرد حكاية حبّ في زمن الحرب، بل هي مرآة تعكس تناقضات الذات الفلســطينية في لحظة تاريخية فارقة، حيث يمتزج الفردي بالجماعي، والسياسي بالوجداني، والعابر بالأبدي.العنوان نفسه – "أنا لستُ يحيي السنـوار" – يحمل في طيّاته إشكالية مركزية في النص: * صراع الهوية بين ما يفرضه الواقع من رمزية وما تتمناه الذات من خصوصية. فالبطل، الذي يُدعى يحيى أيضاً، يعيش تحت وطأة اسم يتشاركه مع قائد حركة حمـــاس، مما يجعله هدفاً للارتياب والملاحقة، رغم انتمائه لعالم الصحافة والكلمة لا لعالم الرصاص والبارود. هذا التشابك الاسمي يخلق توتراً درامياً ينسحب على كامل بنية الرواية، ويفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الهوية، والمقاومة، والحب، والخيانة، والوطن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أولاً: البنية السردية – حكاية متقاطعة بين ضفتين. . 1- التناوب السردي وثنائية الرؤية تعتمد سماح خليفة بنية سردية متقنة، تقوم على التناوب بين صوتين رئيسيين: * يحيى الصحفي المقيم في جنين. * آية الممرضة النازحة من غــزة. هذا التناوب يمنح القارئ فرصة رؤية الحرب من زاويتين مختلفتين لكنهما متكاملتان: من جهة يحيى: نعيش معاناته اليومية في الضفة الغربية، حيث...

قراءة في مجموعة “أهرب من ظلي” للكاتب والقاص: موسى إبراهيم أبو رياش

في مجموعته القصصية "أهرب من ظلي" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، يقدم القاص موسى أبو رياش الأنا في صورة بانورامية تبدو متعددة وكثيرة في قصص المجموعة الخمسة عشر لكنها في الحقيقة أنا واحدة تناوبت على حمل ثيمات قصص كتب بعضها على فترات متباعدة ونشر في منصات ثقافية مختلفة، فلا رابط زمني ظاهري يربطها، بل لم يعد الزمن في هذه المجموعة يؤدي دورا حقيقيا في ظل اندغامه التام بالذات الساردة في القصة حيث لا أهمية لعنصر الزمن أمام عنصر الذات المثقلة التي تدور في متاهة كأن بوصلتها معطلة .في هذه المجموعة لا تركض الذات من عدو خارجي بل من نسختها، يبدو الإنسان "الأنا" في هذه المجموعة مترنحا تحت وطأة العزلة تارة التي تجعله كائنا مهمشا إلى أبعد حد، أو في صراع داخلي مع نفسه وانثيالاتها غير المتوقفة التي أجبرت الزمان والمكان في قصص المجموعة على الاتساع ليحمل وحشة الشعور لأبطال القصص. فبين القصة الأولى "انهيار" والقصة الأخيرة "شاهد عيان" في مجموعة أبو رياش "دور بطل القصص مع رحى الحياة التي تبدأ بانهيار طمأنينة الذات والتباس الحقائق عليها لتوصم بالجنون والخروج عن العقل في عالم يغمض عينيه عما يحدث فيه من تداع لقيم الإنسانية، ليدخل في دائرة "مؤامرة" على كيانه ووعيه ، ولا يلبث البطل الذي يتنقل في قصص...

دراسة مُتَقَصِّية: حول العناية والاهتمام بديوان خوارزمية الروح للدكتور حسام اللحّام

الملخص التنفيذي يُظهر المسح المتاح علنًا حتى 14 يوليو 2026 أن ديوان "خوارزمية الروح: قصائد نثرية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي" حظي باهتمامٍ ملحوظ وسريع نسبيًا منذ ظهوره في ربيع 2026، لكن هذا الاهتمام تمركز أساسًا في ثلاث دوائر: التقديم الرسمي من الناشر وتداول الخبر ثقافيًا، المعالجات الصحفية والحوارية التي ناقشت سؤال الشراكة بين الإنسان والآلة، ثم الانتشار عبر المنصات الإعلامية والاجتماعية أكثر من تراكم نقد أكاديمي محكَّم أو استشهادات جامعية لاحقة. وتؤكد صفحة الناشر الرسمية أن الكتاب صدر عن الآن ناشرون وموزعون بوصفه الطبعة الأولى سنة 2026 في 140 صفحة برقم معياري ISBN 978-9923-63-044-0. [1]أحدث مرجع أولي/أساسي وقفت عليه هذه الدراسة هو حوار القدس العربي المنشور في 5 يوليو 2026 مع الدكتور حسام اللحّام، وهو أحدث مادة أصلية مفهرسة تتناول الديوان مباشرةً بوصفه تجربة شعرية واصفة لمفهوم "الشاعر الظل" وعلاقة الروح بالخوارزمية؛ كما ظهرت له إعادة نشر لاحقة في 8 يوليو 2026 على موقع آخر، لكنها ليست المصدر الأصلي. [2]وتُظهر الشواهد أن الديوان تجاوز حدّ "خبر إصدار" إلى موضوع نقاش ثقافي عربي: فقد تناولته وكالة الأنباء العمانية في 27 أبريل 2026، ثم ظهرت له تغطية في الغد، واندبندنت عربية، والتلفزيون العربي، والدستور، والإذاعة الأردنية، مع حضور واضح لفكرة الريادة بوصفه تجربة عربية مبكرة في الكتاب الشعري الورقي المولَّد بالذكاء الاصطناعي. لكن،...

“الخامسة نَجَتْ”: وجع غزة بين الركام والذاكرة

كثيرةٌ هي الكتابات والشهادات التي تناولت كارثة غزة، والإبادة الجماعية التي تعرّض لها أهل القطاع المنكوب، ولكلّ كاتبٍ وشاهدٍ أسلوبُه في تقديم المشهد من زاويته الخاصّة. وهنا، تقوم رواية- شهادة "الخامسة نَجَتْ" للكاتبة ولاء شفيق السلمان (كاتبة من غزّة)، على بنيانٍ يتكوّن من مجموعة شهادات وتأمّلات في أحوال غزّة والكارثة التي يعيشها أهلها منذ حرب الإبادة الصهيونية عليها، بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما قبلها. وهي بذلك توثّق وجع غزة بين الركام والذاكرة، وذلك من خلال سردٍ قائمٍ على شهادات ليلى (قناع الكاتبة) التي فقدت أربعةً من أفراد أسرتها، حيث استُشهد والدها ووالدتها والطفل براء، بينما فُقد أخوها أحمد، فلا هو حيٌّ ولا ميتٌ، وربّما يكون معتقلًا. أما ليلى فهي "الخامسة الناجية" من المجزرة، وهي التي تتحمّل ذنب "نجاتها" التي ليست نجاةً أبدًا... بل إنها تتمنّى لو لم تنجُ، لأنّ نجاتها أدخلتها في صدمةٍ نفسيةٍ وعصبيةٍ (تروما) لا علاج لها، حتى في ألمانيا التي سافرت إليها، واللقاء مع الطبيب العربي هناك. يقول الناقد المغربي صدوق نور الدين في تقديمه للرواية الصادرة حديثًا في (دار الآن ناشرون- عمّان)، ضمن سلسلة مبادرة "غزة تبدع" التي تتبنّاها الدار: "إن الكاتبة قد راهنت على لغةٍ سرديةٍ واضحةٍ لا غموض فيها، لكنها في الوقت نفسه مشبعةٌ بالصور الأدبية والحمولات النفسية العميقة". كما تعمد الكاتبة، وفق...

خطاب الصمت والمسكوت عنه في رواية “العبور على طائرة من ورق”

دراسة تداوليةدكتور/ عبد الحليم صابر عبد الجيد عمرحاصل على دكتوراه – كلية الآداب – جامعة المنصورة ملخص البحث:يتناول هذا البحث ظاهرة الصمت والمسكوت عنه في رواية "العبور على طائرة من ورق" للكاتبة الأردنية زينب السعود من منظور تداولي، مستندًا إلى نظرية الملاءمة عند سبيربر وويلسون، ونظرية أفعال الكلام عند أوستن وسيرل، ومفهوم التأدب اللغوي عند براون وليفنسون، فضلًا عن مفهوم المسكوت عنه في الدرس الحجاجي العربي عند صولة، وتراث الحذف البلاغي عند الجرجاني.ينطلق البحث من فرضية مركزية مفادها أن الصمت في هذه الرواية ليس أداة تعبير موضعية بل نظام تداولي بديل يقوم بوظائف الخطاب الصريح كاملة: يدير العلاقات ويصون الهويات ويُشرك القارئ في إنتاج المعنى.رصد البحث تسعة أنماط إجرائية للصمت وحللها في ثلاثة مستويات: صمت الهوية عند أمجاد، والإحجام العاطفي بين هتاف وإلياس وأميرة، والصراع الأسري المضمر في عائلة هتاف.وخلص إلى أن هذه الأنماط تنتظم في بنية كلية تخترق النص في خمسة مستويات متداخلة: بنيوي وهوياتي وزمني وتلقائي ووجودي، مما يُفرد هذه الرواية عن نظيراتها في الأدب العربي المعاصر.الكلمات الدالة: الصمت – المسكوت عنه – التداولية – أفعال الكلام – نظرية الملاءمة – التأدب اللغوي – الرواية العربية المعاصرة.  AbstractThis study examines silence and the unspoken in Zainab Al-Saud's novel Crossing on a Paper Plane through a pragmatic framework integrating...

“محاولات في حب رجل” لـ سمر سامي العدوان

استمتعت بقراءة رواية "محاولات في حب رجل" للكاتبة الأردنية سمر سامي العدوان، والتي تناولت الكثير من الموضوعات المسكوت عنها في المجتمع، استعملت الكاتبة لغة شاعرية معبرة تتناسب مع عذابات البطلة (أغراب) التي يجبرها أهلها تحت ضغط الحاجة إلى الزواج من رجل لا تكن له أية مشاعر، لتنطلق معه في علاقة تواجه فيها العذاب بعد العذاب. فمن البداية يقف يوسف ضد حملها ويطلب منها اجهاض الجنين، بالإضافة إلى خيانته و عدم إخلاصه لها، مرورا بعنفه الشديد ضدها، انتهاءً بزواجه من إحدى صديقاتها المدعوة ميادة.كانت (أغراب) بين تلك المحطات الدامية للسرد، وكأن سطوره كتبت بشفرة، تحاول أن تعيد يوسف إلى جادة الصواب و الإخلاص بحبها و حنانها، لكن جهودها كانت دائما تذهب جفاء، و لا ترى من يوسف إلا الصدود والبرود. ومع تصاعد عذابات وخيبات (أغراب) حتى تتهم بقتل زوجها يوسف وتدخل السجن ظلما.تتبع الكاتبة من حيث الزمان السردي تقنية الاسترجاع أو (فلاش باك) ، حيث يبدأ الاشتعال السردي في الرواية من داخل جدران السجن حيث تقوم إحدى زميلاتها بقراءة المذكرات التي كانت أغراب قد كتبتها، وفي تلك المذكرات يقع الجسم الرئيس للرواية و أحداثها، ثم يعود بنا الزمان في نهاية الرواية إلى نفس اللحظة داخل جدران السجن، ثم يسير إلى المستقبل، و هو ما يسمى كذلك بالزمن الحلزونية، بحسب الناقد...

“امرأة الرسالة” تتأطّر في “برواز شوق” وتنتظر نهاية تحلم بها، ثنائية رجاء بكرية

قراءة: دكتور نبيه القاسم"كان يجب أنْ تتوقّع رسالتي إليكَ. احترقت حقولُ عبّاد الشّوق في رأسي ولم يبق في قلبي مكانٌ لزهر الشّمس.في قلبي يُقيمُ مَعبد واحد.لزهر شوقكَ. هل تسمع غسّان؟قبل أنْ ترتبكَ كلماتي بين ابتسامتك ورماد دَهْشتكَ ستجدُني مكانها مستلقيةً تحت عينيكَ أنا وغسّان صغير يعيش في مكان لن تتوقّعَه له.هيّئ له أرجوك، سريرا من قطن البحر الذي أحبّنا""امرأة الرّسالة"واستعادتْ تلك الليلة الصّاخبة التي قضتها مع غسّان الذي تركته نائما في بيته في عكا، وسافرت بسبب خياناته المُتكرّرة لها.لكنّها لم تستطع مَحوَ حبّها له، وقرّرت بعد خمس سنوات قضتها في لندن أنْ تعود وتأسرَه في داخلها إلى الأبد. سافرت إليه "وفي رأسها خطّةُ مَكْر، يجب أنْ تأخذَه إلى الأبد. أنْ لا تتركه طُعْما للسّمك، يجب أن تكون السّمكةَ التي تربطه بزعانفها، وتأخذه إلى حيث لا يصل سواها إليه". (امرأة الرسالة ص363)لقد اختارت توقيتَ لقائها به بدقّة مُتناهية، وقامت بمُضاجعته ليلة واحدة قَصْد الحَمْل منه، ومع أوّل الفجر فتحت البابَ بحذر وردّته إلى قَدَر ينتظرها. وسافرت عائدة إلى لندن. لكنها سرعان ما تركت لندن هاربة مع أوّل إحساس لها بتحرّك طفيف لغسّانها الصغير الذي بدأ ينمو في رحمها.ووصلت إلى عكا وإلى بيت غسّان، لكنّها لم تجدْه. كان غسان في غزة يُتابعُ ويُسجِّلُ ويصوّر أحداثَ غزة وما يقترفه جيشُ الاحتلال من...

الثنائيات التكاملية في رواية “أنا لست يحيى السنوار”

مشعل العباديعرَّف "غسَّان كنفاني" أدب الداخل بأنَّه: "الأدب المعبِّر عن الذات الواعية بهويتها، والمتطلعة إلى الحرية في مواجهة الآخر العدواني"، وأنَّه يضع الجماعة والأمَّة نصب عينيه، محافظًا على القيم العليا، وليس متطلعًا إلى التحرر الفردي.إنَّ الجيل الفلسطيني الذي هاجر بعد النكبة مباشرةً لم يختبر مشاعر العيش تحت وطأة الاحتلال بشكلٍ فعليٍّ؛ حيث كانت تجربته ترتكز على حياة المخيَّمات والنفي والاغتراب والحنين إلى الوطن، أو على المقاومة من الخارج، أو ما هو منقول له من تجارب فلسطينيِّي الداخل، إلا أنَّه في آخر الأمر لم يعش وجهًا لوجه مع محتلِّه، لم يجرِّب شعور أن يكون غريبًا ومحاصرًا ومطاردًا في وطنه؛ ولذا فتمييز الكاتب الفلسطيني "غسَّان كنفاني" لـ"أدب الداخل" عن أدب المنفى، أصبح منطقيًّا ومفهومًا حينها، ولكن بالوقت الحالي صار الوضع مختلفًا، فكثيرٌ من الكتَّاب الفلسطينيِّين المستقرِّين في دولٍ عربيةٍ أو أوروبيةٍ، قد انتقلوا إلى تلك البلاد بعدما عاشوا قدرًا كبيرًا من حيواتهم في غزَّة أو الضفَّة الغربية أو في فلسطين المحتلَّة؛ ولذا فقد عاشوا تجربة المواجهة شبه اليومية مع العدو، أو كانوا تحت حالة من الاشتباك الدائم، أيًّا كان مستقرُّهم الحالي؛ لذا بدت الكتابة الأدبية عند الكتَّاب الفلسطينيِّين عنصرًا أساسيًّا من وجودهم وتمسكهم بأرضهم.لقد تعامل الكتَّاب الفلسطينيُّون مع الكتابة كفعل مقاومة بحدِّ ذاته، أو كاحتياجٍ لكسر العزلة والقيود المفروضة عليهم، حتى أن...

وقفة على رواية «خبز وشاي» لأحمد الطراونة

وإن سألوك عن الفقر؛ فقل بلاء يتلبس الذهن، ويستلب العقل، ويجعل من الروح الصافية مستنقعا معكّرا، وإنْ سألوك عن الأدب الحقيقي، فقل سفير باتجاهين، ونافذة بإطلالتين إحداهما تفتح العالم على الواقع، والأخرى تحاول إنعاش حالة مجتمعيّة شارفت على الموت السريري، وفي هذا الإطار فتحت لنا نافذة واقعيّة لنطلّ على بعض أوجاع الوطن، ولنشتمّ رائحة رطبة من مستنقع الفقر، ومن الفقراء الذين يسبحون به بحثا عن صخرة آمنة تأخذهم بعيدا عنه. هذا ما كرّسه أحمد الطراونة في منسوجته الأدبية (خبز وشاي) أو قل هذه البصمة الملطّخة بالحياة المشبعة بالفقر.تطلّ علينا هذه الرواية (خبز وشاي) من منعرج الوعي وانعطافات الحس المدرِك لواقع البؤس المتغلغل في المناطق النائية في الأردن، ففي رحابها بقعة ضوء تحيط المهمشين، والمحرومين، والمستغلين المحرَّضين، وفي ثناياها ضباب كثيف مقتبس من الواقع يلفّ الكبار والعابثين في اقتصاد الوطن ومقدراته.لتصير هذه الرواية معولا ينبش مواطن الألم كما ينبش أبطالها المقابر بحثا عن القوت.فحين يتحول الإرث الحضاري ( المقابر الأثرية) إلى مسرح أسود  يحاول فيه الفقراء  كسب أدنى متطلبات العيش؛ فنحن في مواجهة نبش عميق في جروح المجتمع  الغائرة، وبهذا تظهر هذه الرواية  بصورة مختبر سوسيولوجي يعاين الظروف المكوّنة للذّات الإنسانيّة على صعيد المجتمع، لتنبش  ثنائية تجمع  بين جوع الأمعاء الخاوية وجوع العقول الذاوية، فهي سرديّة تتجاوز أن تكون واقعيّة...