مرآة النقد

شقوق الضوء في “عربشات على جدران الذاكرة” لرنا أبو سليمان

موسى أبو ريّاشمَن يقرأ مجموعة "عربشات على جدران الذاكرة" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون"، لرنا زكريا أبو سليمان، يُلاحظ أنّ قصصها مُثقلة بالفقد والمرض والوحدة والخذلان والموت والانكسار والفقر والاغتراب والخيانة. وتضع شخصياتها في أقصى درجات المحنة لتختبر قدرتها على العثور على منفذ، ولو كان ضيقًا، نحو الحياة.تضم المجموعة إحدى عشرة نافذة على الألم، يجمع بينها خيط خفيّ يتمثل في الإنسان المُحاصَر الذي يقف على حافة الهاوية، ولا يعيش الحياة بهدوء، ويولد الأمل لديه بعد مخاض عسير. تؤكد قصة "باركود"، أنّ أشدّ الأمكنة ظلمة هي النفس البشرية ذاتها؛ إذ يتحوّل جهاز الرنين المغناطيسي إلى بوابة تدخل الشخصية عبرها إلى أعماقها، حيث تتجسد الزنزانات والمفاتيح والغيوم الرمادية والأبواب صورًا لحالة إنسان استسلم طويلًا لأعبائه وضغوطه. وعندما يبدو أنّ طريق الخلاص مسدود، تتكشف المفارقة أنّ باب النّجاة كان موجودًا طوال الوقت، لكن الشخصية لم تكن قادرة على رؤيته، فيتحوّل الخلاص من حدث خارجي إلى اكتشاف داخلي؛ فالإنسان قد يبحث طويلًا عن يد تنقذه، بينما تكون بداية النّجاة كامنة في تغيير رؤيته إلى ذاته والعالم. تحضر الذاكرة في المجموعة بوصفها مستودعًا للألم، وجدارًا خدشته التجارب، وتركت عليه الأيام أسماء الغائبين وندوب الخيبات. ويتجسد هذا المعنى في قصة "الفزاعة"، بصورة شديدة التأثير؛ فالطفل الذي فقد أمه، يكتب إليها رسائله ويضعها في جيب الفزاعة، ثم يجد الردود...

أن تنجو من الصورة.. قراءة فلسفية تأويلية لسانية في رواية «هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمِهراس» لزينب السعود

الدكتورة تماضر زاهي العطروزأستاذة اللسانيات الحديثةثمة هروب لا يبدأ بالقدمين. يبدأ حين يكتشف الإنسان أن الصورة التي عاش داخلها لم تعد تتسع له، وأن الاسم الذي ينادونه به لا يقول اسمه كله، وأن المرآة، مهما صدقت في ردّ الملامح، قد تكذب في تعريف صاحبها. غير أن المأساة الأشد خفاءً تقع حين يطيل الإنسان النظر في تلك المرآة، حتى ينسى أن العيون التي صنعت صورته لم تكن عينيه، وأن الأحكام التي استقرت في ملامحه جاءت من أفواه الآخرين، ثم وجدت في داخله مكانًا تقيم فيه.من هذه المنطقة المربكة تدخل زينب السعود في روايتها «هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمِهراس» -الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون"- إلى سؤال يبدو مألوفًا: من أنا؟ لكنها لا تتركه في صورته الأولى طويلًا؛ إذ سرعان ما ينقلب السؤال إلى ما هو أشد قسوة: من الذي علّمني أن أرى نفسي هكذا؟وهنا تبدأ الرواية الحقيقية، في تقديري؛ فالأمر يتجاوز حكاية فتاة موزعة بين أصلين، أو امرأة تحاول المصالحة بين وطنين. نحن أمام إنسان اكتشف أن حياته كانت نصًا مفتوحًا لأقلام الآخرين؛ كل واحد منهم يضيف إلى وجهه تفسيرًا، أو يحذف من اسمه مقطعًا، أو يضع في ذاكرته حكمًا، حتى يصير صاحب الوجه آخر من يملك حق قراءته.ولعل المفارقة الأجمل أن بطلة الرواية، كاي لين ماجد كنعان، تعمل في...

هاربة من ديزني… رحلة المهراس في الأواني المستطرقة

 جهاد الرنتيسيتقلّب الكاتبة الاردنية زينب السعود في روايتها "هاربة من ديزني" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، الأثر النفسي لازدواجية الهويّة، وتشعّباتها، وإمكانيات الوصول الى تصالح بين هويات متعددة. يُلازم بطلة الرواية كاي لين ـ المولودة لأبٍ أردنيّ وأمٍّ صينيّة ـ شعور النبذ لاختلاف اسمها وملامحها التي تأخذ في بعض الأحيان منحى اللغز الذي تحاول تفكيكه. ترفضها أمها لأنّها ترى فيها صورة أبيها، ترصد إيحاءات الرفض الذي تتعرض له في بلد الأب لاختلافها عن أهل المكان، وتأخذ تلك الإيحاءات بُعدًا مُركَّبًا عند انتقالها إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة. ظلت علاقة الأب والأم ملتبسة في ذهن كاي لين، تُراوح بين ما تصفهُ بمبالغة الأول في الحماس للآخر، حتى التورّط في نزوة موَّثقة بعد الزواج والاستيلاء على جهدٍ علميّ للوصول إلى الولايات المتّحدة، الأمر الذي ترك أثره على العلاقة بينهما. العقدة تَلِدُ أُخرى في رواية السعود، فقد تحولت ملامح الطفلة كاي لين الى عقبة تعترض الاندماج مع عودة الأب وابنته المرفوضة من أمها إلى عجلون، كان بحثها عن أدنى شبه مع والدها وعائلته أقرب إلى استجداء إثبات الهوية، تواجهه مطالب العم بفحص الـ "دي أن إيه" لإثبات النسب. تتساءل كاي لين في أحد المقاطع "أي صورة أنا، وأي غصن من أغصان تلك الشجرة القادمة من التاريخ، كيف أصفني في خلوة مع الورق" يقابل...

إضاءة على رواية “الشيب الأزرق” 

حسن جلنبو"الشيب الأزرق" رواية تتجاوز  فكرة سرد دورة حياة عائلة عبر عدّة أجيال، لتتعمّق في طيّات النفس الإنسانية، يتحول فيها القلق إلى إرث ثقيل يتوارثه الأبناء، وكأنه قدر مكتوب على السلالة كاملةً، ومن خلال هذا الإرث النفسي الملتبس، يفتح الكاتب أبواباً واسعة للتأمل في أسئلة الهوية والانتماء والحرية، وفي قدرة الإنسان على الإفلات من ماضيه أو التصالح مع جراحه.تنطلق الرواية من خصوصية المكان الأردني، وتحديداً مدينة السلط التي تظهر هنا بوصفها شخصية حيّة تنبض بالذاكرة والحضور، أكثر منها مسرحًا جغرافيًّا لأحداث الرواية، فالمدينة بأدراجها وبيوتها وأزقتها القديمة تتحول إلى مستودع للحنين والألم معاً، وإلى مرآة تعكس تحولات الشخصيات وتقلب مصائرها. ومن السلط إلى المنافي البعيدة، مروراً بمحطات عربية وعالمية متعددة، يرسم النص صورة إنسان معلّق بين مكانين: غادر أحدَهما، ولم يستطع أن ينتمي إلى الآخر بالكامل.تجمع الرواية بين السرد العائلي والتاريخ الاجتماعي والسياسي، فالشخصيات لا تتحرك في فراغ، إنّما تتشكل تحت ضغط التحوّلات الكبرى التي عصفت بالمنطقة؛ من الهجرة والنزوح، إلى الصراعات الفكرية والأيديولوجية، مروراً بتبدُّل القيم وأنماط التدين والسياسة. وهكذا تتحول مصائر الأفراد إلى جزء من سيرة جماعية أوسع، تتقاطع فيها الهزائم الشخصية مع خيبات التاريخ.على المستوى الفني، يقدّم الكاتب لغة قادرة على التقاط التفاصيل الحسِّية للمكان والانفعالات الخفيّة للشخصيات، ولعلّ تسمية الرواية بـ "الشيب الأزرق" إشارة واضحة...

قراءة لكتاب “حارس خشب السكة “

الأستاذ الأديب بشار إدلبيمن الأمور التي لفتت انتباهي عند قراءة المذكرات الشخصية للأجانب، جرأتهم في تناول أمور حساسة جدا مروا بها في سابق زمانهم، تعجبت أحيانا من "فضائح" -على الأقل بالنسبة لنا كشرقيين-  يتناولونها بأريحية تامة بلا خجل أو وجل أو حتى من تسليط الضوء على ذكرياتهم الحميمية أو أمور خاصة تخصهم ومن حولهم، بعد الدهشة التي تصيبني أبحث بعمق وأحاول التأكد بداية من أن الأديب نفسه هو من كتب ما هو بين يديّ، أم أن جهة أخرى هي التي تتطوعت لمشاركتنا "حياته" بعد مماته، كما حصل مع مذكرات غادة السمان التي نشرت رسائل غسان بعد مماته.و كنت دوما ألوم نفسي ومحيطي بسبب عدم التدوين ليوميات حياتنا كفعل مقدس لغاية حفظ ذكرياتنا وكوسيلة لتفريغ ما في الصدر و"خط" لتقدير حياتنا بالطريقة الكريمة المثلى التي تستحق الإشادة بالجميل من أحداث والإشارة إلى "الصعب" من الأمور التي واجهتنا.تلقيت قبل انتهاء اجازتي في عمان رواية لم تنشر من الأستاذة غادة المعايطة، هذه الروح الممتلئة طاقة وحيوية، التي تتحفنا بجميل ما تكتب في فضاء الفيس بوك الافتراضي بشكل شبه يومي، فتُلهم من لديه الاستعداد للإقتداء بنهجها، وتقوم بنفس الوقت بمهمة استكشافية عبر "رادار" محنك بالبحث عن "مشاريع" كَتَبة تأخذ بيدهم وتشحذ من عزيمتهم بعد أن توسمت في العقل وسعة الأفق ما يفي بذلك.وما...

حين يتحوّل الاسم إلى قَدَر: في رواية “أنا لستُ يحيى السنوار” لسماح خليفة

د. إحسان الزبيدي ثمة عناوين تُختصَر فيها الرواية بأكملها قبل أن يُقرأ منها سطرٌ واحد، وعنوان رواية سماح خليفة "أنا لستُ يحيى السنوار" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون"، يُعد واحد من هذه العناوين النادرة؛ فهو جملة نفيٍ ودفاعٍ في آنٍ واحد، صادرة عن شخصٍ يُضطَرّ، في بلدٍ محتلّ، إلى أن يُثبت أنه ليس شخصًا آخر يحمل اسمه. وحين ننهي الرواية، بعد ما يقارب ثلاثمئة وستين صفحة، نكتشف أنّ هذا النفي لم يكن سوى مصيدةٍ سردية محكمة: كلّما ألحّ البطل على أنّه ليس يحيى السنوار، اقترب أكثر، في عيون جلاّديه وربما في أعماق نفسه، من أن يصيره.هذه المفارقة – الاسم الذي يتحوّل إلى تهمة، والتهمة التي تتحوّل إلى قَدَر – هي المحرّك الفعلي لرواية سماح خليفة، أكثر من أنّها رواية عن (حرب غزة) بالمعنى المباشر للكلمة، وإن كانت الحرب هي مادتها الخام ووقودها اليوميّ من الصفحة الأولى إلى الأخيرة.بنيةٌ من صوتين لا يلتقيانتُبنى الرواية على تناوبٍ صارم بين راويين بضمير المتكلم: آية، الشابة الغزّية التي نلتقيها للمرة الأولى واقفة على أمتارٍ من معبر رفح، تنتظر عبورًا إلى حياةٍ موعودة؛ ويحيى، الصحفي الفلسطيني في الضفة الغربية، رئيس تحرير صحيفة "النورس"، الذي يحبّ آية عبر الهاتف والشاشة دون أن يلتقيا جسديًّا مرة واحدة طوال النص. بين الفصل والفصل، تتوزّع الرواية جغرافيًّا وسياسيًّا: غزةُ...

كرونولوجية السرد والفضاء الأسطوري في “رباعيات الفردوس” لمخلد بركات

د. ديانا رحيّل"رباعيات الفردوس" نصوص قصصية للكاتب مخلد بركات، قدّمها بفقرة وضعت القارئ في قلب العمل الأدبي، "بين الميلاد والفردوس أُحجيات، تنهض في سراديب اليقظة أحيانا، وحينا آخر تنوس في الخراب، وحدهم هناك، جوزيف، الخياط، البدوي صاحب الناقة، البهلوان ذو الأنف الموزي، والقميص يعرفون السر". والكاتب يستدرج القارئ منذ البداية إلى عالم مغاير، تنتفي فيه الحدود، يتقاطع الممكن بالأسطوري الخارق، والمعقول باللامعقول، والوهم بالحقيقة، في بناء تخييلات مفارقة للواقع، ويستدعي العناصر المختلفة، يخترقها لينسج علاقات أخرى، ويشكل مسارات غير منتظرة، فيفاجئنا ويصدمنا. عتبات النص يثيرنا عنوان النص أو مناصه الخارجي، وبما يحيل عليه، فهو يشير من خلال جانبه المكاني المتضمن في الصيغة إلى عوالم لا نجد لها مثيلاً إلا في الخيال، والدلالة الخارجية تقدم لنا صيغًا على المكان المنشود، ونجد الشيء نفسه في عناوين الرباعيات، (الفناء، الخديعة، اليقظة، الميلاد)، إذ يبدو أنها تدور في بناء دائري. ونلاحظ أن الرباعيات ذو طابع حكائي، تجسّد ما يسمّيه جان ريكاردو " التناسل الذاتي؛ أي توالد المحكيات الواحد من الآخر"، أي من صلب السردية تولد الأخر، حيث تقدم كلّ رباعية مادة حكائية تتخللها عدة محكيات صغرى من قبيل المادة الأصلية، ففي الرباعية الأول بعنوان "الفناء" تحمل عناوينها الداخلية (ملح، قارب، بقجة، بقجة ملح في قارب)، والرباعية الثانية بعنوان "الخديعة" وعناوينها الداخلية (قميص، صندوق، غار، قميص في صندوق...

بين هشاشة الخزف وصلابة المهراس تأملات في رواية “هاربة من ديزني”

 مقدمة لست ناقدًا أدبيًا بالمعنى الأكاديمي الذي يمتلك أدوات التحليل النقدي ومناهجه الصارمة، لذلك فإن ما أكتبه هنا ليس قراءة نقدية للرواية بقدر ما هو قراءة انطباعية وتأملية انطلقت من أثر النص في نفسي، ومن الأسئلة والمشاعر التي تركها بعد الانتهاء منه. فرواية هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمهراس للكاتبة الأردنية زينب السعود، والصادرة عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان عام 2026، ليست من الأعمال التي تغادر القارئ بمجرد إغلاق الصفحة الأخيرة، بل من الروايات التي تواصل العيش في الذاكرة وتدفع قارئها إلى إعادة التفكير في كثير من الأسئلة المتعلقة بالهوية والانتماء والأسرة ومعنى التصالح مع الذات. هذه الرواية ليست مجرد حكاية فتاة عالقة بين ثقافتين، ولا هي عملٌ عن الهجرة والهوية بالمعنى المألوف الذي اعتاده القارئ العربي. بل هي ، في جوهرها، رحلة ممتدة في أعماق النفس الإنسانية، حيث يتحوّل سؤال يبدو بسيطًا ظاهريًا — "من أنا؟" — إلى محور تدور حوله الذاكرة واللغة والحب والأسرة والمكان. منذ الصفحات الأولى، تضعنا زينب السعود أمام بطلة لا تبحث عن وطن بقدر ما تبحث عن ذاتها. كاي لين، ابنة الأب الأردني والأم الصينية، لا تعاني من المسافة بين الشرق والغرب فحسب، بل من الهوّة بين صورتها في المرآة وصورتها في الداخل. لذلك، لا يمكن قراءة هذه الرواية بوصفها حكايةً عن (الهجنة) الثقافية فقط، بل بوصفها...

الثنائيات المتضادة في رواية (جسر بضفة وحيدة) للروائية الأردنية (هيا صالح )

يستحوذ السرد على المتلقي إذا خرج عن النسق التقليدي للكتابة السردية  , بخلق عوالم افتراضية يتجاوز فيها الكاتب  تصوراته للواقع و السماح ليراعه بالتحليق في فضاء المتخيل .و بحثا عن المغايرة و الاختلاف , و لتعزيز نصيتها عمدت الروائية ' هيا صالح ' على اختراق عالم الغرائبية  بتحررها من الوالقع و الانتقال  إلى اللاواقع .تحيلنا رواية ' جسر بضفة وحيدة '  للروائية ' هيا صالح ' الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" (2021), إلى مجموعة من الثنائيات المتضادة , باعتبار  أن الكون مبني على الثنائيات التي بامكانها أن  تمنح قيمة للأشياء كـ ( الحياة و الموت  , الحقيقة و الخيال , الواقع و الوهم ).تدور أحداث الرواية بين العراق و الأردن . بطلتها ' سامية ' ولدت بالعراق من أب عراقي .  أصول جدها لأبيها فلسطينية . هاجر إلى العراق كلاجيء أثناء النكبة الفلسطينية . عاشت مع أسرتها حياة يسيرة ' لم أفكر أثناء طفولتي أني أنحدر من أسرة فلسطينية لاجئة ,  كنت اعتقد أن جميع البشر عراقيون , ويعيوشون حياة تشبه حياتي , شقة صغيرة و أنيقة ... و مدرسة مريحة , و مساءات تفيض بالبهجة .. ماذا يريد المرء أكثر من ذلك ؟' الرواية ص 31.' سامية ' كانت وحيدة والديها  ماجعلها تصاب بعقدة نقص تحسد كل من...

“عائد من نتساريم”: أدب الجرح في مواجهة الفناء

تأتي المجموعة القصصية "عائد من نتساريم" للكاتب عبد الكريم أبو مصطفى (الآن ناشرون وموزّعون/ عمّان 2026) بوصفها صرخة أدبية مكثفة، تولد من قلب المأساة الغزية لتؤرخ للحظة الوجودية الأكثر قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر. تتفرع المجموعة إلى نصوص قصصية قصيرة، يمكن اعتبار كل منها وحدة سردية تتناول جوانب مختلفة من رحلة النجاة اليومية؛ حيث يتصدر "الطريق" المشهد كبطل غائب حاضر، عبر تتداخل الأحداث المحورية حول رحلة البحث عن "الخبز" مثلاً بوصفه قوام الحياة، لتتحول خطوات الشخوص إلى قرارات تتقاذفها احتمالات الموت في كل لحظة، إذ إن السرد هنا لا يروي حكاية بطولة كلاسيكية، بل يدون ساعة الصفر في حياة أناس عاديين يجدون أنفسهم في فخاخ الرصاص، حيث يصبح التردد مخاطرة، والعودة إلى البيت بلا طحين هزيمة أكبر من الموت نفسه. تتجلى في "نتساريم: طريق لا يشبه العودة"، ومن خلال مجموعة قصصها، فكرة الرحلة التي تحول هوية الناجي إلى مسخ، حيث تتحول "نتساريم" من مجرد ممر جغرافي إلى مطحنة تترك في الروح ذاكرة أثقل من الجسد. وفي "الهش الذي أنقذني"، تتحول البراءة إلى دافع للنجاة، حيث تحلل النصوص المجتمعة في إطار هذه الوحدة السردية، كيف يتحول الأب إلى كائن هش يدفع ضريبة بقائه كأب عبر تضحيات جسدية مؤلمة في غابة من الوحوش. أما "الذي خرج ولم يعد"، فتغوص عبر قصصها، في الفقد المفتوح، وتوثق...