“صلصال” لهشام مقدادي.. قصص تُقرأ بالحواس والذاكرة
تقدم المجموعة القصصية "صلصال" للكاتب الأردني هشام مقدادي، مشهداً سردياً مغايراً، لا يكتفي برصد الواقع، بل يعيد تشكيله وصياغته. في هذه المجموعة الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، يتقاطع المادي بالروحي، واليومي بالوجودي، في لغة تمزج بين رهافة الشعر وقوة المكاشفة، لتعري هشاشة الكائن البشري الذي يتشكل ويُعاد تشكيله كالعجينة في يد قدرٍ غامض. تتخذ المجموعة من الصلصال ثيمة مركزية ومجازاً كلياً. الإنسان هنا ليس كائناً ناجزاً أو صلباً، بل هو كائن في حالة تكوّن مستمر، وعرضة للكسر والندوب. تتجلى هذه الهشاشة في قصص مقدادي بوصفها شرطاً إنسانياً أصيلاً، وليست مجرد ضعف عابر؛ فالشخصيات تظهر في لحظات انكسارها القصوى: (فقد الأم، الخوف، الحرمان، القلق الوجودي)، وكأن الكاتب يراهن على أن جوهر الإنسان لا يظهر إلا حين يتشقق سطحه الخارجي. في قصة "صلصال" التي تحمل اسم المجموعة، يرتفع السرد إلى مصاف الصوفية، حيث يتماهى الجسد بالطين، وتصبح صناعة الفخار فعلاً معرفيًا: "الطينُ هو عجينةُ اللهِ التي خلقَ منها أجسادنا البالية. وإذ أُمسكهُ بكلتا يديَّ، أشعرُ بتلك الرهبةِ التي تضعني أمام نشأتي الأولى". هنا، يتحول سوق الصنائع من مكان مادي إلى فضاء للتأمل في المآلات، حيث يدرك البطل أن الطين الذي يعجنه قد يحوي رفات أسلافه، مما يمنح النص بعداً أنطولوجياً يربط البدايات بالنهايات. ينجح مقدادي في تجاوز الأطر الضيقة نحو أفق إنساني رحب، ويظهر ذلك...

