“السِّيبرنوقراطية” لحميد لغشاوي.. سردية الإنسان في زمن الخوارزميات
لا يقدّم الباحث المغربي الدكتور حميد لغشاوي، للقارئ العربي، كتابًا فلسفيًا تقليديًا، ولا يقترح جملة من الإرشادات الأخلاقية، عبر مؤلّفه الجديد "السِّيبرنوقراطية.. الوجه الآخر للحضارة الرقمية"، بل يجترح فضاء يوفّر محاولة لقراءة الإنسان وهو ينزلق بهدوء إلى مسرح افتراضي صاخب، حيث تتحوّل الحياة إلى شاشة، والذاكرة إلى ومضات. يستعير الكتاب، وقد صدر حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، صورة "ماكوندو" من رواية "مئة عام من العزلة"، ليقارب حالة معاصرة من فقدان المعنى، حيث لم يعد الإنسان يخشى نسيان الأشياء بقدر ما يخشى ذوبانه داخل تدفّق الصور والنصوص والرموز الرقمية. في هذا السياق، لم تعد المعرفة تُنقل عبر مؤسساتها التقليدية، بل عبر وسائط سائلة تصوغ وعياً سريعاً، هشّاً، ومفتوحاً على التحوّل الدائم، ضمن عالم تتفكك فيه البنى الاجتماعية وتتصاعد فيه الفردانية تحت ضغط التقنية. كما ينشغل الكتاب بسؤال "السيبرنوقراطية"، بوصفها قوة خفية تعيد تشكيل الإنسان، لا فقط في سلوكه، بل في جوهره المعرفي والأخلاقي. فالمجتمع الافتراضي لا ينتج وعياً ناضجاً بقدر ما يعيد تدوير الانفعال، ويصنع نماذج بشرية تتغذى على "الترند" والظهور السريع، ضمن اقتصاد رمزي تحكمه الخوارزميات. هنا، تتآكل القيم الصلبة، وتُصنع الهويات بلا ذاكرة، ويتحوّل الفرد إلى كائن معلّق بين الاستهلاك والإنتاج داخل شبكة ترصده وتعيد تعريفه باستمرار. وتتجلّى إشكالية الكتاب بالسعي لتفكيك هذا التحوّل: كيف يُعاد تركيب الإنسان رقمياً؟...

