أن تنجو من الصورة.. قراءة فلسفية تأويلية لسانية في رواية «هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمِهراس» لزينب السعود

أن تنجو من الصورة.. قراءة فلسفية تأويلية لسانية في رواية «هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمِهراس» لزينب السعود


class="inline-block portfolio-desc">portfolio

text

    الدكتورة تماضر زاهي العطروز

    أستاذة اللسانيات الحديثة

    ثمة هروب لا يبدأ بالقدمين. يبدأ حين يكتشف الإنسان أن الصورة التي عاش داخلها لم تعد تتسع له، وأن الاسم الذي ينادونه به لا يقول اسمه كله، وأن المرآة، مهما صدقت في ردّ الملامح، قد تكذب في تعريف صاحبها. غير أن المأساة الأشد خفاءً تقع حين يطيل الإنسان النظر في تلك المرآة، حتى ينسى أن العيون التي صنعت صورته لم تكن عينيه، وأن الأحكام التي استقرت في ملامحه جاءت من أفواه الآخرين، ثم وجدت في داخله مكانًا تقيم فيه.

    من هذه المنطقة المربكة تدخل زينب السعود في روايتها «هاربة من ديزني: سيرة الخزف والمِهراس» -الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون”- إلى سؤال يبدو مألوفًا: من أنا؟ لكنها لا تتركه في صورته الأولى طويلًا؛ إذ سرعان ما ينقلب السؤال إلى ما هو أشد قسوة: من الذي علّمني أن أرى نفسي هكذا؟

    وهنا تبدأ الرواية الحقيقية، في تقديري؛ فالأمر يتجاوز حكاية فتاة موزعة بين أصلين، أو امرأة تحاول المصالحة بين وطنين. نحن أمام إنسان اكتشف أن حياته كانت نصًا مفتوحًا لأقلام الآخرين؛ كل واحد منهم يضيف إلى وجهه تفسيرًا، أو يحذف من اسمه مقطعًا، أو يضع في ذاكرته حكمًا، حتى يصير صاحب الوجه آخر من يملك حق قراءته.

    ولعل المفارقة الأجمل أن بطلة الرواية، كاي لين ماجد كنعان، تعمل في ترميم المخطوطات؛ كأن زينب اختارت لها مهنة تعرف أسرارها قبل أن تعرف البطلة سرّها هي. تقرأ الورق القديم، وتتعقب آثار الزمن في صفحاته، وتبحث عن الشقوق والطبقات التي حجبت النص الأول، بينما تقف أمام مخطوط آخر لم تتعلم قراءته بعد: وجهها. كان وجه كاي لين مخطوطها الأول، وكانت هي آخر من أُتيح له أن يقرأه دون وصاية.

    من هنا أرى أن الرواية لا تسرد رحلة البحث عن الهوية بقدر ما تكشف صراعًا على سلطة التأويل: من يملك أن يقرأ الإنسان؟ ومن يقرر أي المعاني ينبغي أن تستقر في اسمه وملامحه وذاكرته؟ وهل يستطيع المرء أن يسترد نفسه بعدما قضى سنوات يصدق التفسير الذي كتبه الآخرون عنه؟

    حتى العنوان لا يتركنا خارج هذا الصراع. فـ«هاربة» اسم فاعل يحمل حركة لم تُحسم نهايتها؛ نعرف أن امرأة تغادر شيئًا، لكننا لا نعرف إلى أين تستطيع أن تصل. ثم تأتي «ديزني»، ذلك الاسم الذي استقر في المخيلة الحديثة بوصفه عالمًا للدهشة والسحر والأميرات والحكايات التي تعرف خواتيمها مسبقًا، فإذا بالهرب يقع منه، لا إليه.

    وللهرب في الرواية واقعة تتصل بخوف كاي لين القديم من الضفادع، وبذلك العالم المصمم لإنتاج البهجة، حيث يستيقظ الرعب في الجسد على نحو لا تستطيع الزينة المحيطة أن تبدده. غير أن الواقعة، على أهميتها، تبدو لي الباب الأصغر إلى دلالة أوسع؛ فديزني هنا صورة للحياة حين تُختزل في حكاية جاهزة: أميرة تنتظر الخلاص، ووجه ينبغي أن يطابق صورة الجمال، وحب يعيد الأشياء إلى مواضعها، ونهاية سعيدة تغلق ما سبقها من اضطراب.

    لكن كاي لين لا تملك وجهًا واحدًا في عيون الناس، ولا أصلًا يسمح لها بالاختباء في تعريف مريح. أبوها أردني وأمها صينية، وملامحها تنحاز إلى أمها، فيما تتعلق ذاكرتها بقرية أبيها في عجلون. ولطالما تمنت لو ظهرت في وجهها بعض ملامح ماجد كنعان، كأن الجينات مطالبة بأن تقدم شهادة تثبت حقها في الانتساب إليه. أيُّ قسوة هذه التي تجعل الإنسان يخاصم وجهه لأنه لم يشبه الذين يحبهم؟

    إنها لا تقف أمام المرآة لتتأكد من جمالها؛ تقف كمن يبحث عن وثيقة ضائعة. تفحص عينيها وملامحها، وتستدعي صورة الأب، ثم تسأل الجسد عما عجز المجتمع عن الاعتراف به. وهنا يتحول الوجه إلى وثيقة اجتماعية تُقرأ قبل أن يتكلم صاحبها، وتتحول الملامح إلى حجة قد يستخدمها الآخرون لإثبات ما لا يملكون حق الحكم فيه.

    ولعل هذا ما يجعل الاسم أكثر عناصر الرواية إثارة للتأمل. كاي لين. مقطعان يلتقيان في اسم واحد، كما التقت في حياتها جغرافيتان وذاكرتان وثقافتان. لكن الآخرين لا ينطقونه بالطريقة نفسها؛ فهي «لين» في مواضع من العائلة، و«كاي لين» حين يُستحضر اسمها كاملًا، و«الصينية» أو «بنت الصينية» حين يتحول الاختلاف إلى ذريعة للإقصاء.

    قد يبدو الأمر مجرد تنويع في النداء، غير أن اللغة تعرف أن الأسماء لا تُولد بمعانيها الاجتماعية مكتملة؛ إنها تكتسب قوتها من الألسنة التي تنطقها، والمقامات التي تستعملها، والعلاقات التي تحملها. فالعم ناصر لا يحتاج في كل مرة إلى إعلان أن كاي لين غريبة عن العائلة؛ تكفيه تسمية تجعلها تقف خارج الدائرة. وهنا يكتسب النداء وظيفة تتجاوز التعريف إلى الفعل. الكلمة التي تبدو وصفًا للأصل تستطيع، في مقام مخصوص، أن تتحول إلى أداة نفي.

    هذا ما تضيئه فلسفة اللغة عند جون أوستن، الذي كشف أن القول قد ينجز فعلًا في العالم. وإذا كان الفعل الكلامي يحتاج إلى شروط مقامية تمنحه قوته، فإن تسمية كاي لين تكشف كيف تستطيع الجماعة أن تمارس سلطتها بواسطة اللغة، وكيف يمكن للاسم أن يتحول من علامة انتماء إلى وسيلة إبعاد. بعض المنافي لا تحتاج إلى حدود؛ تكفيها كلمة يكررها الآخرون حتى يتعلم صاحبها أن ينفي نفسه بها.

    غير أن ناصر، في قراءتي، يتجاوز شخصية العم القاسي. إنه يمثل ذلك العقل الذي يخشى اختلاط الأصول لأنه يتوهم أن الهوية شيء نقي ينبغي حراسته من العالم. وحين يطعن في انتماء كاي لين، فإنه يدافع عن صورة متخيلة للجماعة أكثر مما يدافع عن حقيقة من حقائقها. ولعل ما يخشاه في هذه الطفلة أنها تكشف هشاشة الحدود التي يطمئن إليها. فوجودها وحده يقول إن النسب قد يمتد إلى خارج الصورة المألوفة، وإن القرابة أوسع من التشابه، وإن الإنسان يستطيع أن ينتمي دون أن يحمل وجه الجماعة. وهكذا لا يؤذيها ناصر بما يقوله عنها وحده؛ يؤذيها حين يجعلها ترى نفسها من الموقع الذي وضعها فيه.

    وتتخذ سلطة اللغة وجهًا آخر مع ماجد كنعان، الأب الذي تحبه كاي لين وتنتظر منه اعترافًا يبدو بديهيًا في نظر العالم، لكنه يتحول في طفولتها إلى جرح طويل. ففي مشهد يلتبس فيه على موظف أمر العلاقة بينهما، لا يبادر الأب إلى قول الجملة التي كانت تنتظرها: «هذه ابنتي». ثلاث كلمات كان يمكن أن تعبر الموقف وتنتهي. لكنها لم تُقل. وهنا يتسع الصمت حتى يصير أكبر من الكلام.

    فالطفلة لم تسمع أباها يتنكر لها صراحةً؛ سمعت غياب الجملة التي كانت تحتاج إليها. وبين النسب الثابت والاعتراف الذي لم يقع انفتحت هوة سقطت فيها طمأنينتها. وفي التداولية، لا ينشأ المعنى من الملفوظ وحده؛ فالسياق يصنع توقعات، وقد يكون الإخلال بها بالغ الأثر. لا يلزم أن نسمي سكوت ماجد فعلًا كلاميًا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق حتى ندرك ما أحدثه؛ فقد كان المقام ينتظر قولًا محددًا، وحين غاب القول تكفل الوعي الجريح بتفسير الغياب. أحيانًا لا تجرحنا الجملة التي قالها الآخر، وإنما الجملة التي تركنا ننتظرها حتى كبرنا.

    لكن زينب لا تحبس ماجد في صورة الأب المتهم. يعود صوته في لحظة لاحقة، وينادي ابنته باسمها كاملًا: «كاي لين»، ويطمئنها. وما إن تسمع ذلك الصوت حتى تبدأ صورة قديمة بالتصدع. لا يتغير ما حدث في الماضي، ولا يُمحى أثر الصمت، لكن كاي لين تكتشف أن أباها قد يكون أكثر تعقيدًا من التفسير الذي أقامت فيه طويلًا. وهنا تقترب الرواية من منطقة إنسانية ناضجة؛ فقد يحب الأب ويعجز عن التعبير، وقد تتألم الابنة بحق ثم تجعل ألمها تفسيرًا وحيدًا لكل ما يفعله الأب. ولذلك تكتسب مراجعة كاي لين لاستسلامها الطويل لفكرة الضحية قيمة خاصة. إنها لا تتبرأ من جرحها، وإنما تبدأ في مساءلة السلطة التي منحته إياها.

    فالجرح الذي وقع علينا حدث، أما أن يتحول إلى التعريف النهائي لنا، فتلك حكاية أخرى. ولعل هذا هو الامتحان الأصعب للذاكرة: أن تعترف بما أصابك دون أن تمنح ما أصابك حق تقرير كل ما ستكونه.

    في الجهة الأخرى من صمت الأب تقف ميسون، العمة التي أدخلت العربية إلى وجدان كاي لين عبر الحكايات والقراءة، وكانت تنطق اسمها كاملًا بحنان، وتقول لها: «أنت أحلى من الياسمين يا كاي لين». ما أعمق المسافة بين الاسم في فم ناصر والاسم في فم ميسون! الحروف ذاتها تستطيع أن تكون جرحًا أو ضمادًا؛ لأن المعنى لا يقيم في أصواتها وحدها، وإنما في العلاقة التي يحملها الصوت إلى من يسمعه. ناصر يجعل الاختلاف سببًا للمباعدة، وميسون تحتضن الاختلاف نفسه دون أن تطلب من الطفلة أن تتخلص منه.

    وهنا لا تعود ميسون مجرد عمة حانية. إنها تمنح كاي لين شيئًا سيصير لاحقًا إحدى أدوات خلاصها: اللغة التي تستطيع أن تكتب بها نفسها. فالعربية التي دخلت إليها عبر القصص صارت لغة السيرة التي تروي بها حياتها. وما كان يومًا وسيلة للاتصال بعائلة الأب تحول إلى موضع تستعيد فيه الذات قدرتها على القول. إنها مفارقة بالغة الجمال: اللغة التي تعلمتها كاي لين كي تقترب من الآخرين صارت اللغة التي ستحتاج إليها كي تقترب من نفسها. ولعل ميسون، بهذا المعنى، لم تمنحها الكلمات وحدها؛ منحتها إمكانية أن يكون لها صوت خارج الأصوات التي تكلمت عنها.

    ثم تأتي الجدة حبيبة لتضع في قلب الرواية واحدة من أكثر لحظاتها كثافة. تؤكد لكاي لين نسبها إلى ماجد وحبيبة وعبد المجيد، وتقول عن شجرة المهراس التي تحمل اسمها: «هي رومية يا جدة، بس أصيلة وجذورها غميقة». الجدة لم تمح اختلاف حفيدتها، ولم تحاول أن تجعل وجهها شبيهًا بوجوه العائلة. أبقت الاختلاف ظاهرًا، ثم نقلته إلى جوار الأصالة والجذور. كأنها تقول إن الانتماء لا يحتاج إلى إنكار ما يميز الإنسان، وإن الشجرة تستطيع أن تكون غريبة الهيئة وعميقة الجذر في آن.

    وهنا تنقلب الدلالة التي حكمت حياة كاي لين طويلًا. فما كان الآخرون يستخدمونه علامة على البعد صار قابلًا لأن يقيم داخل معنى القرب. والأجمل أن الاعتراف جاء عبر شجرة. فشجرة المهراس لا تسأل كاي لين عن أمها الصينية قبل أن تمنحها ظلها. تحفظ طفولتها دون أن تفحص نسبها، وتستقبل جسدها الصغير كما تستقبل الضوء والمطر. وحين تسميها الجدة «شجرة لين»، تمنح المكان صوتًا في معركة الاعتراف. لقد قال ناصر، بأشكال مختلفة: أنت طارئة على هذه الحكاية. وجاءت الشجرة لتقول، بصمتها العتيق: كان لك هنا موضع منذ زمن.

    ومن خلال ليلى تصل إلى كاي لين أجزاء من ذاكرة العائلة لم تكن تعرفها، فتكتشف أن الماضي الذي ظنت أنها امتلكت تفسيره لم يكن محفوظًا في ذاكرتها وحدها. هناك من عاش معها المشهد ورآه من زاوية أخرى، وهناك كلمات قيلت في غيابها، ومشاعر لم تصل إليها في وقتها. وهنا تستدعي الرواية سؤال الذاكرة الذي شغل بول ريكور: كيف نحضر الماضي وهو غائب، وكيف تتدخل الحكاية في فهمنا لما عشناه؟ فالإنسان لا يحمل الوقائع وحدها؛ يحمل أيضًا ما استطاع أن يفهمه منها في زمن معين. قد يبقى الحدث على حاله، ثم نعود إليه بعد سنوات فنكتشف أن تفسيرنا له كان أضيق من حقيقته. بعض ما نظنه ماضيًا لا ينتهي؛ إنه ينتظر في الذاكرة قارئًا آخر.

    ولعل هذا ما يجعل شجرة المهراس أكثر من رمز للجذور. إنها تقف في مواجهة المرآة منذ البداية، وإن لم تعلن الرواية تلك المواجهة. المرآة ترد السطح، والشجرة تخفي تحت الأرض ما يجعل السطح ممكنًا. المرآة تسأل كاي لين عمّا يشبهه وجهها، والمهراس تفتح لها سؤالًا آخر: ما الذي امتد فيك حتى صرتِ أنتِ، ولو لم يظهر كله في ملامحك؟ فالانتماء لا يختصره الدم. قد يصنعه صوت امرأة قرأت لنا الحكايات، أو يد أمسكت بنا في الخوف، أو شجرة اختبأنا خلفها، أو مكان ظل يحتفظ بنا بعدما ابتعدنا عنه. وقد يكون للإنسان جذر لم يولد منه، وإنما نما إليه.

    لكن زينب لا تجعل القرية وحدها موضع اختبار الهوية. تنتقل كاي لين بين الصين والأردن وأمريكا، وتدخل فضاءات العمل والمختبر والمتحف، وتكتشف أن الغربة لا تنتهي بالوصول إلى جغرافيا أخرى. ففي كل مكان ثمة عيون تقرأ الإنسان وفق تاريخها ومخاوفها، وثمة أسماء جاهزة قد تسبقه إلى التعريف. وتتقدم هنا شخصية إلهان، الفتاة الصومالية التي تدخل حياة كاي لين في ظرف استثنائي، ثم ترتبط لاحقًا بأسئلة التحقيق بعد حادث الحافلة، وما يحيط بها من اشتباه وخوف.

    إنها شخصية تفتح الرواية على امتحان أخلاقي يتجاوز جرح البطلة الفردي. فكاي لين، التي عانت طويلًا من اختزالها في ملامحها، تجد نفسها أمام إنسانة أخرى تتنازعها التصنيفات والاتهامات والأسئلة. ما الذي نعرفه حقًا عن الآخر؟ وأي مسافة تفصل بين معرفة واقعة عنه وامتلاك حق تفسير حياته كلها؟ لا ينبغي للقراءة أن تبرئ إلهان أو تدينها اعتمادًا على رمزية حضورها؛ فالأهمية هنا أن الرواية تضع القارئ أمام هشاشة المعرفة بالآخر، وتجعله يختبر السرعة التي تتحول بها الصفة إلى حكم، والاشتباه إلى هوية.

    ومن خلال جيهان وإيقاع الحياة اليومية والعمل، يتسع عالم كاي لين خارج دائرة طفولتها وذاكرتها. فالشخصية لا تعيش في الماضي وحده، مهما بدا الماضي قادرًا على استدعائها؛ إنها تعمل وتتحرك وتقيم علاقات وتواجه عالمًا لا ينتظر اكتمال مصالحتها مع نفسها. وهذا الاتساع يحول الأمكنة إلى أكثر من محطات سفر. الصين ليست أصلًا سحريًا يمنحها الإجابة، والأردن ليس جرحًا خالصًا، وأمريكا لا تقدم الحرية في صورتها النهائية. ولعل اعترافها بأن «القسوة توزعت هنا وهناك بالتساوي» يبدد وهم الجغرافيا الأخلاقية التي تقسم العالم إلى مكان للنجاة وآخر للألم. وربما كان المنفى الأشد قسوة أن تضطر إلى شرح وجهك كل صباح.

    ثم نصل إلى غياث، وهنا تبدأ إحدى أجمل الألعاب التي نسجتها الرواية بين الحدث ورمزه. فغياث مرتبط بعين كاي لين منذ طفولتها، حين أصابتها الكرة قرب شجرة المهراس، وظلت تلك الواقعة جزءًا من تفسيرها لما حدث لبصرها. ثم يعود بعد سنوات طبيبًا، ويكشف الفحص أن أصل الإصابة وراثي، وأن الحكاية الطبية ليست بالبساطة التي استقرت في ذاكرتها. الصبي الذي ارتبط في وعيها بجرح العين يعود رجلًا يساعدها على فهم ذلك الجرح. لكن الاكتشاف الأعمق لا يتعلق بالطب وحده؛ إنه يتعلق بما فعلته الذاكرة بالسبب. لقد عاشت كاي لين سنوات وهي تمنح حادثة قديمة سلطة تفسير ما أصابها، ثم جاء تشخيص آخر ليفتح احتمالًا لم تكن تراه. لا تتغير الواقعة؛ يتغير موقعها داخل الحكاية.

    وهنا أجد صلة عميقة بين العين والهوية في الرواية. فكاي لين لا تعاني خللًا بصريًا فحسب؛ إنها تعاني تاريخًا من الرؤية المستعارة. ترى نفسها بعيون الذين شككوا فيها، وترى أباها من خلال صمته، وترى القرية من خلال قسوة ناصر، ثم تحمل هذه القراءات إلى مرآتها وتظن أنها صورتها الحقيقية. وفي هذا الموضع يمكن أن تضيء فلسفة ميرلو-بونتي شيئًا من التجربة؛ فالجسد في تصوره هو الوسيط الذي نحيا به العالم، ومن خلاله تتشكل علاقتنا بالأشياء والآخرين. لذلك لا يكون وجه كاي لين وعينها مجرد وصف جسدي أو وسيلة لتطوير الحبكة؛ إنهما الموضع الذي تتقاطع فيه نظرتها إلى نفسها مع نظرة العالم إليها. ما قيمة أن ترى الأشياء بوضوح، إذا كنت لا تزال ترى نفسك بعين ليست لك؟

    أما غياث، فلا أريد أن أختزله في الرجل الذي يأتي ليصلح ما أفسدته الحياة. سيكون في ذلك ظلم للرواية، وربما إعادة خفية إلى عالم ديزني الذي تحاول كاي لين مغادرته. إن جمال حضوره يتصل بكونه شاهدًا على تحول بدأت هي صناعته. لقد واجهت ناصر، وأعادت سماع أبيها، واكتشفت ذاكرة الجدة، وبدأت تفكك علاقتها بالمكان وبجسدها وبالماضي. يأتي الحب هنا في منطقة تحتاج إلى اعتراف متبادل، دون أن يكون الرجل وحده صاحب القدرة على تعريف المرأة.

    وحين تصف نفسها أمامه بأنها «قشرة خزف سريعة العطب»، فإن الجملة لا تكتفي بوصف الهشاشة؛ إنها تختبر العلاقة. كأن كاي لين تقول له: هذه قابليتي للكسر، فهل ستبقى حين تعرفها؟ الجملة خبر في بنيتها النحوية، لكنها تحمل في مقامها طلبًا خفيًا للطمأنينة، وربما تحذيرًا من خيبة تخشاها قبل وقوعها. وهنا تعمل اللغة على مستويين: ما تقوله الشخصية، وما تريد أن تفعله بما تقول.

    غير أنني أختلف مع كاي لين في تعريفها لنفسها. فهي ترى الخزف من جهة قابليته للكسر، وأنا أراه من جهة النار التي صنعته. الخزف طين اجتاز النار حتى صار له شكل. وهذه حقيقة مادية تمنح الرمز حياة أخرى. فسطحه المصقول لا يروي وحده تاريخ الاحتراق الذي مر به، وقابليته للعطب لا تلغي الصلابة التي اكتسبها في التحول. أليس هذا ما حدث لكاي لين؟ لقد مرت بطفولة مضطربة، وأسماء جارحة، وغياب أم، وصمت أب، واغتراب أمكنة، وخوف ومرض وخيبات، ثم خرجت من كل ذلك وهي تحمل آثار ما جرى في مادتها الداخلية. والأثر ليس عيبًا ينبغي محوه دائمًا؛ قد يكون الدليل الوحيد على أننا مررنا بالنار ولم نختفِ.

    وفي الجهة الأخرى تقف المهراس، تحفظ تاريخها في الجذر والجذع والظل. لكن الشجرة أيضًا ليست صورة للثبات الساذج؛ إنها كائن حي يتغير، وينمو، ويفقد أوراقه، ويستقبل الفصول دون أن يتبرأ من أرضه. هكذا تنفتح العلاقة بين الخزف والمهراس على ما هو أعمق من ثنائية الصين والأردن، أو الهشاشة والصلابة. المهراس تحفظ تاريخها في الأرض، والخزف يحمل تاريخه في النار. ولعل كاي لين كانت تحتاج إلى أن تفهم أن الأصل لا يناقض التحول، وأن الجذر لا يشترط الجمود، وأن الهشاشة قد تسكن كائنًا شديد القدرة على الاحتمال.

    وهنا تحديدًا أرى أن الرواية تمتلك رمزًا أبلغ من بعض الشروح التي تمنحها له شخصياتها في الصفحات الأخيرة. فعندما يتولى الحوار تفسير الخزف والمهراس بصورة مباشرة، تفقد الصورة شيئًا من المسافة التي كان يمكن أن يقطعها القارئ وحده. والصورة الشعرية، حين تبلغ موضعها الصحيح، لا تحتاج إلى من يمسك بيدها كي تصل. إنها تترك أثرها، ثم تسمح للوعي بأن يتبعه. لهذا تبلغ زينب السعود أكثر مناطقها توهجًا حين تثق بالأشياء الصغيرة: مقطع محذوف من اسم، وصمت أب، وشجرة تحمل اسم طفلة، ووجه يبحث عن شبهه، وعين تتعافى، وورقة قديمة تحتاج إلى ترميم. أما حين تتقدم الفكرة لتشرح نفسها في الحوار، فإن السرد يقترب أحيانًا من تقرير المعنى، ويضيق المجال الذي كان يمكن للتأويل أن يتحرك فيه.

    ولعلني أذهب أبعد من ذلك في مساءلة الرواية نفسها. فكاي لين تتعلم، عبر رحلتها، أن ترى ذاتها في عيون الذين يحبونها ويخافون عليها. وتبدو هذه الفكرة مؤثرة بعد سنوات من النظر إليها بعين الشك والإقصاء. لكن هل يكفي أن نستبدل مرآة قاسية بمرآة حانية؟ إذا كان الآخرون قد صنعوا صورتها الأولى، ثم جاء آخرون ليمنحوها صورة أكثر رحمة، فهل استعادت كاي لين حق تعريف نفسها حقًا، أم انتقلت من انتظار حكم إلى انتظار اعتراف؟ وماذا لو تأخر صوت ماجد أكثر؟ وماذا لو لم تقل الجدة عبارتها عن المهراس؟ وماذا لو لم يعد غياث؟ أكانت ستظل ناقصة في عيني نفسها؟

    هنا أجد أن الرواية تفتح سؤالًا فلسفيًا أكبر من بعض أجوبتها. فالاعتراف حاجة إنسانية عميقة، لكنه قد يتحول إلى قيد جديد حين يصير الشرط الوحيد لطمأنينة الذات. ولعل الحرية الأبعد أن يستطيع الإنسان استقبال الحب والاعتراف والحنان، دون أن يمنح أصحابها سلطة تقرير قيمته. أن نحب من يرانا جميلين أمر إنساني؛ أما أن نظل عاجزين عن رؤية أنفسنا حتى يأتي من يخبرنا بجمالنا، فتلك مرآة أخرى، وإن كانت أكثر لطفًا.

    ولعل مهنة كاي لين تعود هنا لتكشف سرًا آخر في البناء. فترميم المخطوطات عمل بالغ الدقة؛ لا يجوز للمرمم أن يمحو آثار الزمن حتى يتوهم أنه استعاد الورقة كما كانت قبل أن تمسها الحياة. عليه أن يميز بين الأصل والإضافة، وبين التلف الذي يهدد النص والأثر الذي يشهد على تاريخه. وهكذا كانت كاي لين تفعل بذاكرتها، وإن لم تدرك ذلك منذ البداية. تفتح صفحة الأب، فتجد صمتًا كانت قد كتبت حوله تفسيرًا طويلًا؛ وتفتح صفحة ناصر، فتجد أحكامًا استقرت في داخلها حتى كادت تصير صوتها؛ وتفتح صفحة ميسون، فتسمع العربية التي تعلمتها طفلة وقد صارت قادرة على حمل سيرتها؛ وتفتح صفحة الجدة، فتكتشف شجرة كانت تحفظ لها مكانًا في ذاكرة العائلة؛ وتفتح صفحة غياث، فتجد أن إصابة العين حملت تفسيرًا لم يكن كاملًا.

    أما صفحة الأم هانا، فتظل أكثر التباسًا؛ فالحقيقة التي تبحث عنها كاي لين بشأن ماضي أبويها لا تأتي نقية من اختلاف الروايات والأوجاع. وحين تنفتح أمامها احتمالات أخرى لما حدث، وتدعوها ميسون إلى التريث قبل الحكم، تتقدم الرواية إلى سؤال بالغ الحساسية: هل معرفة الماضي تمنحنا دائمًا القدرة على احتماله؟ ليس المقصود أن نترك الحقيقة مدفونة، وإنما أن ندرك أن البشر لا يحكون ماضيهم من خارج جراحهم، وأن الوصول إلى رواية واحدة لا يضمن بالضرورة الوصول إلى كل ما عاشه أصحابها. فبعض الحقائق تحتاج إلى شجاعة اكتشافها، وبعضها يحتاج إلى حكمة ألا نجعلها سجنًا جديدًا.

    وهنا أرى أن السرد القائم على الاسترجاع والتداعي لم يكن مجرد اختيار فني لتنظيم الأحداث؛ إنه الطريقة التي تعمل بها ذاكرة كاي لين. رائحة تفتح بابًا، وشجرة تستدعي طفولة، واسم يعيد شخصًا، وصورة تنقلها بين بلدين، وواقعة قديمة تتغير دلالتها حين تظهر شهادة أخرى. فالذاكرة لا تعيد الماضي كما لو أننا نستخرج ورقة سليمة من درج مغلق؛ إنها تستحضره بما بقي منه، وبما أضافه الخيال إلى فجواته، وبما تغير فينا منذ وقوعه. ومن هنا يصير ترميم المخطوطات استعارة للبناء الروائي كله: كاي لين هي المخطوطة التي تقرأ نفسها.

    لكن هذا الاكتشاف لا يكتمل عند الترميم وحده. ففي نهاية الرواية نراها تكتب حكايتها، وقد صارت أمًا لطفلة اسمها حبيبة، ثم يصلها خبر قبولها لدراسة الماجستير في الآثار والأنثروبولوجيا. امرأة أمضت سنوات تبحث عن أثر أبيها في وجهها، ستذهب لدراسة الآثار. امرأة كانت ملامحها نصًا يقرأه الآخرون، صارت هي التي تتعلم قراءة ما تركه الغائبون في الأشياء. امرأة ظلت تسأل عمّن كتب فيها هذا الألم، تجلس أخيرًا إلى الورق وتكتب. لقد بدأت الرواية بإنسان يُقرأ، وانتهت بإنسان يقرأ.

    لكنني أجد أن التحول يتجاوز تبادل المواقع بين القارئ والمقروء؛ فكاي لين لا تسترد قدرتها على تفسير الماضي وحسب، إنها تكتشف أن لها الحق في ألا يكون وجودها كله شرحًا لذلك الماضي. فالمرأة التي تقضي حياتها في إثبات أنها تنتمي قد تظل أسيرة الذين شككوا في انتمائها، حتى لو انتصرت عليهم. والإنسان الذي يجعل كل خطوة في حياته ردًا على جرح قديم يمنح ذلك الجرح قدرة على توجيه مستقبله. ولعل النجاة الحقيقية تبدأ حين يكف المرء عن اعتبار حياته مرافعة دفاعية؛ حين يستطيع أن يحب دون أن يكون الحب شهادة براءة، وأن ينجح دون أن يكون النجاح انتقامًا، وأن يعود إلى وطنه دون أن يجعل العودة امتحانًا للنسب، وأن ينظر في المرآة دون أن يطالب وجهه بتقديم تفسير.

    وهنا أعود إلى ديزني، لكنني أعود إليها بعين أخرى. ففي الحكايات الجاهزة نعرف غالبًا كيف تتوزع الأدوار: أميرة تنتظر، ومنقذ يصل، وشرير يعترض الطريق، ونهاية سعيدة تضع الأشياء في أماكنها. أما زينب السعود فقد منحت كاي لين حياة تتعذر فيها هذه القسمة. ماجد ليس أبًا يمكن اختزاله في صمته، وهانا ليست غيابًا نستطيع أن نحكم عليه من طرف واحد، وناصر يمثل قسوة حقيقية، وميسون تمنح الحنان دون أن تستطيع محو كل ما سبقه، وحبيبة تحمل اعترافًا تأخر وصوله، وإلهان تفتح سؤالًا عن الآخر الذي نظن أننا عرفناه، وغياث يتصل بجرح قديم وبإمكان جديد للتعافي. والخزف يحمل النار، والمهراس تحمل الأرض، أما كاي لين فتحمل هذا كله، دون أن يكون أي واحد منه كافيًا لتعريفها.

    وهنا يبدو لي أن الإنسان لا يتكون من هوية صافية تنتظر أن نعثر عليها تحت طبقات التجربة. إنه يتشكل في علاقاته، وفي لغاته، وفي الأمكنة التي عبرها، وفي الأشياء التي فقدها، وفي الأحكام التي قاومها، وفي الحكايات التي صدقها ثم أعاد النظر فيها. وقد تكون الهجنة، التي يعاملها البعض بوصفها نقصًا في نقاء الأصل، صورة من صور اتساع التجربة الإنسانية. فمن قال إن الإنسان يحتاج إلى ذاكرة واحدة كي يكون كاملًا؟ ومن قال إن الوجه يجب أن يشبه وطنًا واحدًا؟ ومن قال إن الجذر لا يستطيع أن يمتد في أرض بعيدة؟ أليست الشجرة نفسها تتغذى مما يأتيها من خارجها، وتمنح ثمرها لمن لم يولدوا تحت ظلها؟

    ولعل الخزف، الذي ظنته كاي لين هشاشتها، يمنحنا جوابًا آخر؛ فالمادة التي اجتازت النار لا تستطيع أن تعود طينًا بريئًا، لكنها تستطيع أن تحمل الماء والضوء، وأن تصير وعاءً للحياة. وهكذا أفهم العلاقة بين الخزف والمهراس: لم يكن على كاي لين أن تختار بين النار والجذر، ولا أن تتبرأ من هشاشتها كي تستحق الانتماء. كان عليها أن تدرك أن ما عاشته صار جزءًا من تكوينها، وأن الاختلاف الذي عوقبت عليه طويلًا ليس عيبًا يحتاج إلى إصلاح.

    ومع ذلك، يبقى سؤال المرآة مفتوحًا. فالرواية تمنحنا امرأة تتعلم أن ترى نفسها من جديد، لكنها تجعلنا نتساءل: هل يكفي أن تتغير الصورة، أم ينبغي أن تتغير علاقتنا بالحاجة إلى الصورة أصلًا؟ ذلك أن الإنسان قد يقضي عمره يحاول الوصول إلى وجه يرضى عنه، ثم يكتشف متأخرًا أن المشكلة لم تكن في الوجه الذي يراه، وإنما في اعتقاده أن وجوده يحتاج إلى موافقة المرآة. ولذلك لا أريد أن أتخيل كاي لين في خاتمة الرواية واقفة أمام الزجاج، تنتظر أن ترى امرأة جميلة أو قوية أو متصالحة مع أصولها. أريد أن أراها وهي تغادر المرآة إلى الحياة.

    فثمة فرق هائل بين أن نسترد حقنا في تفسير صورتنا، وأن نتحرر من اضطرارنا إلى تفسيرها في كل مرة. ولعل هذا ما تمنحه الكتابة لكاي لين أخيرًا. إنها لا تعود إلى الورق لتثبت لناصر أنه أخطأ، ولا لتعاتب ماجد إلى الأبد، ولا لتطلب من هانا تفسير الغياب، ولا لتقنع القرية بأنها ابنتها. تكتب لأن الحكاية صارت لها. وهنا يسترد الاسم وظيفته الأولى بعد رحلة طويلة من الأحكام: كاي لين ماجد كنعان. لم يعد الاسم ساحة يتنازعها الآخرون، ولم تعد «كاي» مقطعًا ينبغي إسقاطه كي تكتمل «لين».

    فالحرية الأعمق لا تبدأ يوم نعثر على صورتنا الحقيقية؛ ربما تبدأ يوم نتوقف عن مطالبة أنفسنا بصورة واحدة. لقد تغيرت قدرة كاي لين على قراءة ما حدث، دون أن تعود إلى طفولتها لتغير ما حدث. وتلك بداية أخرى؛ إذ لا يطلب الإنسان من الذاكرة أن تمحو، وإنما يتعلم ألا يسلم إليها مفاتيح مستقبله.

    لعلّ أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يقضي عمره يدافع عن وجهٍ لم يختره، أمام محكمةٍ لم يعترف يومًا بشرعيتها، وأن يتحوّل وجوده إلى مرافعة طويلة لإثبات حقٍّ كان ينبغي ألّا يكون موضع سؤال. هذا ما جعلني أرى في كاي لين مأساة تتجاوز اختلاف الأصول وتنازع الأمكنة؛ إنها مأساة الإنسان حين يستعير عيون الآخرين ليرى بها نفسه، ثم ينسى، مع طول الاستعارة، أن له عينين.

    ولذلك لم تكن رحلة كاي لين بحثًا عن وطنٍ أخير، أو اسمٍ مكتمل، أو وجهٍ يشبه أباه. كانت محاولة شاقة لاسترداد حقٍّ أسبق من ذلك كله: أن تكون صاحبة المعنى الذي تُقرأ به حياتها. لقد أراد ناصر أن يجعل من ملامحها تهمة، وترك صمت ماجد في طفولتها سؤالًا أطول من عمر اللحظة التي وُلد فيها، ومنحتها ميسون لغةً تستطيع أن تعود بها إلى نفسها، وأعطتها حبيبة شجرةً تعرف جذورها دون أن تستجوب وجهها، ثم جاء غياث ليكشف أن العين التي حملت تفسيرًا قديمًا لجرحها كانت تخبئ حقيقة أخرى. وبين هؤلاء جميعًا كانت كاي لين تتعلم الدرس الأصعب: أن الذين يشاركون في كتابة حكايتنا لا يملكون بالضرورة حقَّ وضع خاتمتها.

    وما أبلغ أن تختار زينب السعود لبطلتها مهنة ترميم المخطوطات! فالمرأة التي اعتادت أن تنقذ النصوص من التلف اكتشفت أن أخطر ما يصيب الإنسان أن يصدّق الحواشي التي كتبها الآخرون عنه حتى تغدو في وعيه أصل المتن. وحين أمسكت كاي لين بالقلم، لم تكن تستعيد حكايتها وحدها؛ كانت تردّ إلى المتن حقَّه في الكلام، وتترك للحواشي أن تبقى شواهد على ما حدث، دون أن تحكم ما سيأتي.

    وهنا أعود إلى الخزف والمهراس، فأرى ما لم أره في أول الرواية: الخزف لا يخجل من النار التي صنعته، والشجرة لا تعتذر عن الأرض التي امتدت فيها جذورها. فلماذا يطالب الإنسان بأن يكون بريئًا من تاريخه كي يستحق الطمأنينة؟ ولماذا نحسب الاختلاف كسرًا، وقد يكون اتساعًا لا تحتمله مقاييسنا الضيقة؟

    أما ديزني، فقد بقيت في العنوان بوصفها الإغراء الأخير: أن نصدّق أن الحياة مدينة ألعاب تُوزَّع فيها الأدوار سلفًا، وأن الحب يمحو الجراح، وأن الوصول إلى النهاية السعيدة يعفينا من الأسئلة. لكن زينب تتركنا أمام حقيقة أكثر إنسانية: قد نتصالح مع جراحنا دون أن تختفي، ونحب دون أن يصير الحب خلاصًا سحريًا، ونعثر على جذورنا دون أن نتوقف عن النمو.

    ولذلك لا أريد أن أترك كاي لين عند المرآة، حتى لو صارت المرآة أكثر رحمة. أريد أن أتركها عند الورق، حيث لا يُطلب من الوجه أن يشبه أحدًا، ولا من الاسم أن يتنازل عن أحد مقاطعه، ولا من الذاكرة أن تتبرأ مما أوجعها. هناك، في اللحظة التي تتحول فيها من مخطوطة يفسرها الآخرون إلى امرأة تكتب، تقع ولادتها الأعمق.

    فليست الحرية أن نجد أخيرًا من يرانا كما نحب؛ الحرية أن نكفّ عن تعليق وجودنا على الطريقة التي يرانا بها الآخرون. ولعل هذا هو السؤال الذي تتركه زينب السعود في أيدينا بعد أن تنصرف كاي لين من صفحاتها: كم وجهًا في هذا العالم يعيش سجين تفسيرٍ لم يكتبه؟ وكم إنسانًا ما زال ينتظر من أحدهم أن ينطق اسمه كاملًا، أو أن يقول في اللحظة المناسبة: هذا ابني، هذه ابنتي، هذا واحد منا؟

    لقد هربت كاي لين من ديزني، لكنها احتاجت عمرًا لتكتشف أن أشد الحكايات سطوةً تلك التي نُقنع أنفسنا بأننا شخصياتها كما رسمها الآخرون. وفي النهاية، لم يكن انتصارها أن تغيّر صورتها، ولا أن تقنع العالم بصحتها؛ كان انتصارها أن تسقط عن الصورة حقَّ الحكم عليها.

    ولهذا، حين أُغلق رواية «هاربة من ديزني»، لا أرى امرأة كسرت مرآتها، ولا أخرى وجدت فيها أخيرًا وجهًا تحبه. أرى امرأة تركت المرآة معلّقةً على الجدار، ومضت تحمل مخطوطتها نحو حياةٍ لم تُكتب بعد. وللمرة الأولى، لم يكن وجهها ينتظر تفسيرًا. كان العالم هو الذي ينتظر ما ستكتبه.