بين سماعة الطبيب وقلم الشاعر، يقف محمد أبو كف على تخومٍ نادرًا ما يجتمع أهلها؛ فهو ابن عجلون الذي حمل عن جبالها الخضراء حسًّا يتأمل التفاصيل، وحمل عن كليّة الطب دقة الملاحظة، ليصهر الاثنين في ديوانه الأول «تراتيل على هامش الحب» الصادر عن دار (الآن ناشرون). في هذا الحوار، نحاول أن نمشي معه داخل نصوصه، لا حولها فحسب، لنسأله عن الهامش الذي اختار أن يقف فيه، وعن الأخضر الذي لا يغادر قصائده.
عنوان تراتيل على هامش الحب يحمل دلالة الهامش لا المتن. لماذا اخترت أن يكون حبك على الهامش لا في صلب النص؟
– اختيارُ العنوانِ لم يكن اعتباطيًّا، ولا على سبيلِ الصدفة، ولا حتى محاولةً لصياغةِ عنوانٍ غريبٍ وجذاب، بل جاء من نظرتي الحقيقيةِ للحب، وللتجربةِ الإنسانيةِ الفرديةِ فيه. ولم يكن الهدفُ الاحتفاءَ بالهامشِ بقدرِ الاعترافِ به.
وقد قلتُ في المقدمة، محاولًا تفسيرَ الفلسفةِ الخاصةِ بالعنوان:
«أما الحب، فهو الآخرُ ربما ليس له تعريف، أوسعُ من أن يُعرَّف، وكلُّ واحدٍ منا يُسميه بحسبِ ما ذاقَ منه. وفي حقيقتِه هو المجهولُ الذي لا نعرفُ منه إلا ما أرادَه، كأنه النهرُ الذي لم ترتشفْ منه سوى وسعِ الكفَّةِ أو أقل. كأنك مهما جرَّبت، يبقى سرًّا لا يُمس، وإن ظننتَ أنك بلغتَ جوهرَه، اكتشفتَ أنك ما زلتَ تحومُ حولَ حِماه ليس إلا.»
«إننا نرتّلُ على الهامش، نصلِّي على أعتابِ المعبد، حيث يختلطُ يقينُ الصلواتِ بشكّ الواقع، والدمعُ بالأوزان، ويبقى هو المجهول، ليس ما نعيشُه، بل ما يفلتُ منه.»
وهنا تكمنُ الفكرةُ، أو الفلسفة، إذ إنَّ الادعاءَ بامتلاكِ المعرفةِ بمتنِ الحب، أي الإحاطةِ بحقيقتِه، واليقينِ بما تعرفُه أنت عنه، ليس إلا ضربًا من المستحيل، ومحاولةً لبلوغِ كمالٍ لا يُبلغ. بينما تظلُّ التجربةُ الإنسانيةُ المباشرةُ معه مضطربةً ومتغيرة، فمفهومُك عنه اليوم قد تبدده قصةٌ تأتيك بعد قليل، وتلغيه أخرى بعدها.
لقد اخترتُ الهامشَ متعمدًا، لأنني أردتُ أن تمثلَ هذه القصائدُ أو المحاولاتُ الشعريّة تراتيلًا على أعتابِ المعبد، لا في داخله، بعيدًا عن سَدَنةِ اليقين. بل أرتلها في تلك المساحةِ القلقة، التي تضمنُ لي ما يكفي من الحرية، ليختلطَ فيها الشكُّ بالإيمان.
كيف اخترت ترتيب القصائد داخل الديوان؟ هل هناك خيط سردي أو عاطفي يربط بينها؟
– ترتيبُ القصائدِ جاء من نظرتي إلى الكيفيةِ التي ينبغي أن يكونَ عليها ديوانُ الشعرِ في هذا الزمن، ليكونَ أكثرَ قابليةً للقراءةِ في عصرٍ سريعٍ بالكاد تجدُ فيه من يمسكُ ديوانًا أصلًا.
الفكرةُ هي تقسيمُ القصائدِ إلى فصول، ضمنَ سرديةٍ عامة، تشعرُ القارئَ بأنَّ هناك خيطًا سرديًّا يجمعُها، رغم استقلاليةِ كلِّ قصيدةٍ فكرةً ومضمونًا.
من بين كل هذه القصائد، أيتها تشعر أنها الأقرب إليك، والتي كتبتها دون أن تفكر فيها؟
– القصيدةُ الأقربُ إلى قلبي، بالطبع تختلفُ عن تلك التي كتبتُها بلا تفكير.
قصيدة «أيلولُ نشيدُ المطر» لأسلوبِها، ولمناسبتِها الشخصية، ولأنها كُتبت في لحظةٍ عاطفية، وجاءت سلسةً جدًا وفي جلسةٍ واحدة فهي التي كانت بلا تفكيرٍ مطوّل.
في حين أن الأقرب، فربما تكونُ بين اثنتين «خضرٌ وناي» لما فيها من أبعادٍ شخصيةٍ وفلسفية، بين أنا الشاعرِ والإنسانِ عند مفترقِ الطرق، وتكرارِ الخطيئة.
وبين «أندلسٌ وشام» وقد كتبتُها لنزار قباني، لكنها تخرجُ من عباءة ومحدوديةِ الفردانية، لتمثلَ المعانيَ العامة، منه هو ابتداءً، ومني، ومن الحبِّ والمرأة، والبيت الدمشقي وصولًا إلى الماضي والحب ونظرتِنا المثاليةِ إليهما والتي نصبو إليها دائمًا دون جدوى، ثم إلى الحاضر وتجاربِنا العاطفية وواقعِها المضطرب والمفارقة بين هذا كلّه، والدمجِ بين رموزِها جميعًا.
أنت تمزج بين العمودي والتفعيلي في القصيدة الواحدة، فيما تسميه قصائد المشروع». كيف تقرر أين ينتهي الوزن الخليلي وأين يبدأ الإيقاع الحر داخل النص نفسه؟
– حسنًا، هنا لا بُدَّ من التوضيحِ ماذا أقصدُ بـ»القصائدِ المشروع» حتى تتضحَ فكرتي.
قلتُ سابقًا إنني أعتقدُ جازمًا أن القصيدةَ في هذا الزمن لا بُدَّ أن تُعاملَ بوصفِها عملًا فنيًّا متكاملًا قائمًا بذاتِه، وبالتالي فإنَّ هذا يتطلبُ موضوعًا مركبًا، يتشكلُ من عدةِ أفكارٍ ورموز، ضمنَ سياقاتٍ مختلفة، من المطلعِ الخطابي إلى السرديةِ مثلًا، ومنهما إلى الأسطورية والرمزية والوجودية.
وكما أنَّ المسرحيات والروايات وحتى المعزوفاتِ الموسيقية، تتناوبُ وتتفاوتُ في تسارعِها ومقامِها وحتى مشاعرِها في كلِّ جزء، يأتي التداخلُ بين نوعَي الشعر ليخدم هذه الغاية.
أما ما الذي يحددُ متى يبدأُ أحدُهما وأين ينتهي الآخر، فهو حالةُ التدفقِ الشعورية، والغايةُ الشعريةُ والفنيةُ من المقطع.
ومن الممكنِ تبادلُهما، أو حتى وجودُهما جزأين منفصلين ليخدما الفكرةَ ذاتَها من خلالِ تداخلٍ مناسب.
ولا أدعي أنني رائدُ هذا الأسلوب أو مبتدعه، فقد كتبَ على هذا النحو كثيرٌ من الشعراءِ سابقًا، وربما أبرزهم مريد البرغوثي.
رفضك لقصيدة النثر موقف حاسم وواضح. هل واجهت ضغطا من المشهد الثقافي المعاصر، الذي يميل غالبا إلى قصيدة النثر بسبب هذا الاختيار؟
– لأكونَ صريحًا، أنا لا أعتبرُ نفسي جزءًا فعليًّا من المشهدِ الثقافيِّ المعاصر الذي يتصدر المشهد، لكي أجدَ ضغطًا من أحد.
إذ أنَّ هذه الآراءَ ربما تجدُ، للمرةِ الأولى، فضاءً أوسعَ من صفحتي على الإنستغرام. ولكن، لإزالةِ اللُّبس، سأوضحُ رأيي.
أنا أعتقدُ أنَّ هناك اختلافاتٍ واضحة بين الشاعرية، والشعر، والقصيدة. فالشاعريةُ روحٌ من الممكنِ أن تكونَ في أيِّ نصٍّ كان، حتى في الأمثالِ الشعبية والحكايات اليومية، ووجودُها لا يمنح النص بالضرورةِ صفة القصيدة، ما لم يستوفِ شروطها الهيكلية.
فلكي تقولَ عن نصِّك إنه قصيدة، فلا بدَّ أن يكونَ منظومًا، بغضِّ النظرِ -أكان عموديًّا أم حرًّا- لأن هذا الجرس الموسيقي هو ما ميز الشعر العربي وفرّده عن أغلب اللغات الأخرى. ولكي تقولَ عنه شعرًا، فلا بدَّ أن يكونَ معناه وشعورُه أبعدَ من قشرةِ النظمِ ذاتها، إذ إنَّ كلَّ منظومٍ ليس بالضرورةِ شعرًا.
وهنا يتضحُ أنني لا أراها تفي بالمتطلباتِ أصلًا، فضلًا عن اعتمادِها، عند كثيرٍ من كتَّابِها، على الأسلوبِ ذاته، القائمِ على الدهشةِ المصنوعة من خلالِ مخالفةِ المتوقع. فهذا، بالطبع، قد يعجبُك في أول مرتين، لكنَّك في الثالثةِ ستتوقعُ نهايةَ النصِّ منذُ سطرِه الأول.
ولكن للتأكيد فأنا لا أرفضه كجنسٍ أدبي، إذ فيه الحسن كسائر الكتابات الأخرى وإنما رفضي الأساسي نابعٌ من إلحاقه بالشعر في حين أن من الأفضل اعتباره جنسًا ونوعًا أدبيًّا مستقلًا دون وصفه بالقصيدة.
كيف تصف علاقتك بالمعجم الكلاسيكي مقابل اللغة اليومية المعاصرة داخل نصوصك؟
– علاقتي مع المعجمِ الكلاسيكي حاضرة، لكنها علاقةُ احترامٍ وتقديرٍ للتراثِ والجذور، أكثرُ منها محاولةً للاستنساخ. وبالطبع، هناك تداخلٌ كبيرٌ بين اليومِ والأمس، إذ إنَّ اللغةَ العربيةَ حافظت على نفسها خلال أكثرَ من ألفِ عام.
لكنَّ الفكرةَ تكمنُ في استخدامِ كلماتٍ أقربَ إلى لغةِ اليوم، وتلامسُ قلبَ الإنسانِ المعاصرِ بصورةٍ أكبر.
وفي الديوانِ الأول، هناك بعضُ القصائدِ القريبة للأسلوبِ الكلاسيكي، وقد أصررتُ على تضمينِها فيه، بوصفِها مرحلةً من تطوري الشعري، وإقرارًا بأنَّ البدايةَ مثل الجميع، كانت من الأصولِ والتاريخِ الشعريِّ الجمعي، مع حقيقةِ تطورِ أسلوبي إلى شيءٍ أكثرَ حداثة.
وهذا يظهرُ في أغلبيةِ قصائدِ الديوان، وسيظهرُ بصورةٍ أوضحَ في الديوانِ الثاني، مع بقاءِ بعضِ الرموز، مثلِ الظباءِ والغزلان، وغيرها مما ارتبطَ بالتاريخِ الشعريِّ العربي.
الطبيعة كمعادل شعري « كزهر اللوز تحضر كقصيدة مركزية في تجربتك. ما الذي يجعل شجرة بعينها تتحول إلى مجاز يتكرر عبر الديوان؟
– هذا السؤالُ صعب إذ أشعرُ أنَّ جوابَه يكمنُ في عقلي اللاواعي أكثرَ من قدرتي الحقيقيةِ على استنباطِه لكن سأحاول.
بالفعل، لاحظتُ مؤخرًا تعلقي بهذه الزهورِ على وجهِ الخصوص، وحضورَها المتكررَ في شعري، حتى إنَّ لوحتي المفضلةَ هي لوحةُ (زهورِ اللوز/ Almond Blossoms) لفان غوخ.
وربما يعودُ هذا كلُّه إلى طفولتي المليئةِ بها، وحضورِها الثابتِ في مخيلتي كلما تذكرتُ المنزل، إذ كانت وما زالت، الشجرةَ الأكبرَ في حاكورتِه الخاصة وصولًا إلى ارتباط حالتها الشعريّة بأشخاصٍ أو مواقف.
وربما كان السببُ أعمقَ بقليل، إذ تتمثلُ في ذهني بوصفِها الإعلانَ الشجاعَ عن بدايةِ الربيع، الخارجِ من وسطِ بقايا الشتاءِ القاسي. ولطالما تكررَ مشهدُ حضورِها مع المطر، وحتى مع الثلج!
وأراها غدت الرمزَ الذي يمثلُ، بالنسبةِ لي، الحبَّ والأملَ في أبهى صورهما، وأرقِّها وأرهفها.
أنا تمامًا، أرى مجازي مثل هذا الزهرِ الرقيقِ الصلب، الذي يحاولُ الإعلان عن وجوده رغم استحالةِ الواقعِ أحيانًا.
هل تخشى أن يتحول الأخضر العجلوني بتكراره، إلى شرك جمالي» يحد من تنويع صورك الشعرية في تجربتك المقبلة ؟
– حقيقةً هذه المرة الأولى التي أصطدمُ فيها مع هذه الفكرة.
وبصراحة أرى أنَّ الخوفَ مشروعٌ إذا كان هذا الأخضرُ يؤخذُ بوصفِه لونًا سطحيًّا، لا يتجاوزُ صورةَ شجرةٍ أو رائحةَ وردة.
لكنه يتهدمُ عندما يتجاوزُ الواقع، لتتعربشَ دواليه على جدرانِ المجاز، في محاولةٍ لتخطي المحسوسِ إلى ما وراءه.
لا يتبادرُ إلى ذهني الآن إلا نزارُ قباني مثالًا رائعًا؛ فقد نما شعرُه من دمشق، من طفولتِه حتى آخرِ يومٍ في حياتِه، وكان آخرُ دواوينِه «أبجديةُ الياسمين» وهو أمرٌ بديع أن يجرّد نفسَه ليكونَ مجردَ محاولةٍ لترجمةِ وتعريبِ الياسمينِ الدمشقيِّ بأروعِ صورةٍ ممكنة.
وأنا كذلك أتمنى أن يمثلَ هذا اللونُ الأخضرُ مرجعيتي التي أنطلقُ منها، لا عالمي الوحيد، ولا سلتي الصوريةَ الأوحد. أنا ابنُ هذا الأخضر، لكنه ليس سجني، بل نافذتي الأولى على العالم. إنني مملوءٌ بكلِّ ما فيها، كما كان نزارُ مملوءًا بدمشق. وصوتُ السنونو يملأُ ذاكرتي كما كان الحمامُ الدمشقيُّ يملأُ ذاكرته هو.
الطب علم الدقة والملاحظة، والشعر انفلات الشعور كيف تتفاوض يوميا بين هاتين الذاتين دون أن تفسد إحداهما الأخرى؟
– أنا مؤمنٌ أنَّ كلَّ شاعرٍ حقيقيٍّ لديه أنا شعرية تتوارى في الظل وتظهرُ عند الحاجة -حاجتِها هي أقصد- والمحاولةُ قائمةٌ على تهيئةِ النفسِ والشعورِ لها كي تنفلت.
وهذا ممكنٌ من مجردِ التفكيرِ بنفسي، إلى الإصغاءِ إلى غيري، وإلى التأملِ في كلمات أو لحنِ أغنيةٍ صادفتُها في مكانٍ عام، أو في الراديو.
وربما يمنعُ الأولُ الثاني من السقوطِ في الميوعةِ والعاطفيةِ المجردة، ويمنعُه الشعر من الوقوعِ في شَرَكِ الاعتيادِ والآلية.
هل تسللت لغة الجسد أو التشريح، كما يراها الطبيب، إلى قصائدك عن الحب، بشكل واع أو غير واع؟
– سأجيبُ بحسبِ فهمي للسؤال، وأتمنى أن أُصيب.
العلمُ.. أيُّ علمٍ، لا بدَّ أن يتركَ شيئًا ما في صاحبِه، سواء في طريقةِ تحليلِه، أو نظرتِه، أو حتى في تركيبِه وصياغتِه للكلام، وصولًا إلى نوعيةِ الصورِ التي يستخدمُها.
ونعم، لقد تسللت هذه الخلفيةُ إلى شعري في بعضِ الأحيان، وطالما أنها تسللت، فهي جاءت بطريقةٍ غيرِ واعية. لكنني أُبصرُها حينَ تحضر.
ومن الصورِ ذاتِ الطابعِ الطبيِّ في إحدى قصائدِ الديوان، قصيدةُ (تجلياتُ ما بعدَ الولادة) وفيها البيت:
«وأرضعُ ثديَ الشعرِ نَهلًا كأنني
لألبَأُ منه ما بحزنِيَ يَصرِمُ»
وذلك ضمنَ سياقِ القصيدة، إذ إنَّ اللَّبَأ هو أولُ الحليبِ الذي يُفرَزُ بعدَ الولادة، ويكونُ غنيًّا جدًّا بالأجسامِ المضادة، التي تؤدي دورًا مهمًّا في بناءِ مناعةِ الطفلِ خلالَ أشهرِه الأولى. ومن هنا جاءت الصورة، إذ تداخلَ المرجعُ مع الصورةِ الشعرية، واندمجَ في القصيدةِ ككل.
كتبت أن «الحب متغلغل في كل شيء. هل تفرق في قصائدك بين حب المرأة وحب المكان (عجلون) وحب الفكرة، أم يذوب كل هذا في تجربة واحدة؟
– في التجربةِ الشعريةِ الحقيقية تذوبُ الفوارق. وقد كتبتُ في مقدمةِ إحدى قصائدي أنَّ الشاعرَ ما هو إلا طفلٌ كبير، دائمُ البحثِ عن ذراعٍ تضمُّه،
وحبُّ المرأةِ هو المحركُ الأساسيُّ للشعر وربما كان السببَ وراءَ هيمنةِ الرجالِ على الشعرِ في التاريخِ الإنسانيِّ عمومًا.
والمرأةُ والحبُّ في الشعرِ العربيِّ كانا دائمًا الإطارَ العامَّ الذي تقومُ عليه القصيدة، سواءٌ في مطلعِها، أو من خلالِ ترميزِهما في أيِّ موضوعٍ آخر.
وحبُّ المكانِ سيحضرُ في حقيقةِ الإنسانِ التي سيصوغُها -قاصدًا كان أم لم يكن- فيما يُنتج. وكلُّ ذلك يصبُّ في نهرٍ واحد، هو الشعورُ والانحيازُ للحياة.
والرجلُ الذي لا يستطيعُ حبَّ امرأتِه، ولا يقدّرُ معناه وجوهرَه.. هو، بالنسبةِ لي عاجزٌ بلا شكٍّ عن عشقِ وطنِه.
والشغفُ في الفكرة ذاتِها، هو ما يمنحُ كلَّ ذلك بُعدًا فلسفيًّا، وينصهرُ في النص، لتتشكلَ التجربةُ الشعريةُ الكلية.
هل في الديوان قصيدة ندمت على نشرها، أو شعرت لاحقا أنها كشفت أكثر مما ينبغي؟
– أرى أنَّه لا مكانَ للندمِ ولا للكبرياءِ في الشعر. فكلُّ شاعرٍ، عندما قررَ أن يسلكَ هذا الطريقَ عن قناعة، كان لزامًا عليه أن يخلعَ غرورَه، ويتركَه على الكنبةِ في الدفءِ، ثم يسيرَ عاريًا واضحًا في البردِ وتحتَ المطر.
وعليه أن يتصالحَ مع شعرِه تصالحًا تامًّا.
لكن، لو كانت هناك قصيدةٌ تُقلقني، فهي «قابيلُ فيّ»، لأنها إذا أُخذت بسطحية، سيكونُ فيها عليَّ أكثر مما هو لي.
لكنها بطبيعةِ الحال، تحتاجُ إلى قارئٍ متجردٍ من قيودِه، ليعرفَ ما وراءَها.
أما ما قد يراه البعضُ كشفًا أكثرَ مما ينبغي، فأنا أراه الحجرَ الأساسَ لذلك التعري الروحي الذي سيبني الجسرَ بيني وبين المتلقي، فيجدُ فيه انعكاسًا لذاتِه ولآلامِه ولسعادتِه الخفية أيضًا.
من هو القارئ الذي تتخيله وأنت تكتب قارئ عجلون، أم قارئ عربي عام، أم لا أحد سوى نفسك؟
– لحظةُ الكتابةِ الأولى تكونُ مقطوعةً عن العالم. أكتبُ بدايةً لنفسي، ولكي أُنفِّسَ شيئًا مما أُحسُّ، وأشعرُ، وأعتقد.
وفي الحقيقة، أؤمنُ أنَّ الكاتبَ ليس عليه أن يكترثَ كثيرًا بفكرةِ أين سيحطُّ النص. عليه أن يعتبرَه زجاجةً رماها في البحر، ويتركَ الأمواجَ تختارُ اليابسةَ التي تريد.
ولكن، لو كان ذلك ضروريًّا عليّ، فلا بدَّ أن يكونَ القارئُ منفتحًا ومتجردًا، لا -يتكهربُ- من تعبيرٍ أو قضيةٍ لا تناسبُ هواه، سواء أكان محليًّا أم عربيًّا.
(حاوره: نضال برقان، صحيفة “الدستور”، 7/8/2026).


